الاتحاد

تقارير

العملاقان الآسيويان واقتسام الكعكة الإقليمية

العملاقان الآسيويان واقتسام الكعكة الإقليمية

العملاقان الآسيويان واقتسام الكعكة الإقليمية

وصل امس إلى العاصمة الصينية بكين، رئيس الوزراء الهندي ''مانموهان سينج''، في زيارة تستغرق ثلاثة أيام، وتتطلع كلتا الدولتين إلى رفع مستوى التبادل التجاري فيما بينهما، إلى جانب تمتين صداقتهما، بما يؤكد سعة القارة الآسيوية، وقدرتها على استيعاب كافة طموحات عملاقيها الناهضين· وتأتي هذه الزيارة لـ''مانموهان سينج'' لجارة بلاده الصين، باعتبارها الأولى، منذ توليه لمنصب رئيس الوزراء، في وقت تقاربت فيه علاقات بلاده مع الجارة اليابانية والولايات المتحدة الأميركية؛ غير أن المواطنين الهنود يأبون لبلادهم أن تكون دولة وكيلة عن المصالح الأميركية في القارة، أو أن تكون طرفاً في التخطيط لأي مؤامرة تهدف إلى الحد من نهوض العملاق الصيني؛ وفي الوقت نفسه، فقد ازدادت حاجة الهند للصين في تعاونها معها في القضايا النووية، فضلاً عن التصدي لخطر تزايد الاضطرابات السياسية والأمنية في الجارة باكستان· هذا وقد نقلت وكالة ''بريس تريست أوف إنديا'' تصريحاً للسيد ''مانموهان سينج'' جاء فيه: ''لقد أوضحتُ بما يكفي للقادة الصينيين، أن الهند ليست طرفاً فيما يسمى باستراتيجية ''احتواء الصين''· أما من ناحيتها فقد نظرت بكين إلى هذه الزيارة، باعتبارها آخر الأدلة على نضج علاقاتها مع نيودلهي، على إثر عقود من العداءات وانعدام الثقة، أعقبت تلك الحرب الحدودية القصيرة التي دارت بين الدولتين الجارتين في عام ·1962
وبسبب تلك الخلفية التاريخية، فليس من أحد من الطرفين، يتوقع أن تحرز هذه الزيارة تقدماً كبيراً في حل النزاعات الحدودية القائمة، لا سيما تلك المتصلة بتنافسهما على سلسلة جبال الهملايا· غير أن القادة الصينيين ينظرون إلى تحسن علاقات بلادهم مع الهند، باعتباره ضرورة لا بد منها لتفادي نشوء حالة من الاضطراب والقلاقل الأمنية السياسية الإقليمية، التي لا شك ستترك آثارها السلبية على النمو الاقتصادي للمنطقة؛ وهذا ما دعا ''صن شيهاي'' -الخبير في الشؤون الآسيوية بأكاديمية العلوم الاجتماعية الصينية- إلى الاعتقاد بأن أكثر ما يهم الدولتين الجارتين في الوقت الحالي، هو خلق بيئة إيجابية سلمية تفي بحاجات النمو الاقتصادي لكلتيهما، بل للمنطقة كلها على المدى البعيد· وهذا ما يدعو الصين والهند إلى إضفاء المزيد من الواقعية والبراجماتية على سياساتهما إزاء بعضهما البعض·
المعلوم عن الهند والصين أنهما الأسرع نمواً اقتصادياً في القارة، على رغم الهيمنة الصينية الواضحة، ومع ذلك ظل معدل تجارتها السنوية المشتركة مع الهند، مجرد جزء يسير للغاية من نظيره مع كل من أوروبا واليابان والولايات المتحدة الأميركية، لكن ومع ذلك يشهد مستوى التبادل التجاري بين بكين ونيودلهي تسارعاً ملحوظاً؛ ولدى زيارة الرئيس الصيني ''هوجنتاو'' للهند في عام ،2006 تعهدت الدولتان الجارتان برفع مستوى التبادل التجاري فيما بينهما، إلى ما تصل قيمته إلى 40 مليار دولار بحلول عام ·2010 والملاحظ أنهما قد كادتا بلوغ هذا الهدف سلفاً منذ العام الماضي، بل يتوقع لهما أن تتجاوزاه خلال العام الحالي، وعليه فإنه يرجح لزيارة ''مانموهان سينج'' هذه، أن تدفع بخطى التبادل التجاري مع بكين إلى أبعد ما هي عليه حالياً، على أن ''سينج'' جاء مصحوباً بوفد تجاري كبير في رحلته هذه، أملاً منه في أن يسهم في تصحيح كفة الميزان التجاري، التي لا تزال تميل لصالح الجارة الصينية·
ويتوقع أن يقضي ''سينج'' زيارته الحالية كلها في العاصمة بكين، التي سيخاطب خلالها أكبر مؤسسات البحث الحكومي الصينية، كما تشمل الزيارة كذلك حضوره لدعوة عشاء خاصة، موجهة له من نظيره ''وين جيابو''، إلى جانب لقائه المرتقب مع الرئيس ''هو جنتاو''· وتعليقاً منها على هذه الزيارة، قالت ''جيانج يو'' -الناطقة الرسمية باسم الخارجية الصينية- إن بلادها تعلق آمالاً كبيرة على هذه الزيارة، ويحدوها أمل في أن تسهم في تمتين العلاقات التاريخية بين الصين والهند·
أما في العاصمة الهندية نيودلهيِ، فقد قلل عدد من كبار المسؤولين الهنود من التوقعات المرتقبة لهذه الزيارة، خاصة من ناحية قدرتها على إحراز طفرات في القضايا النزاعية الماثلة بين الدولتين، ومن رأي هؤلاء أن أجندة النزاع هذه، إنما تستند الى مظالم تاريخية متوارثة، إضافة إلى تلك التي تثيرها التحديات الجديدة بين الدولتين؛ وتشمل النزاعات الحدودية، التنافس بين البلدين على حدود ولاية ''أروناشال'' الهندية، غير أن مسؤولاً هندياً قلل من توقعات ''سينج'' من هذه الزيارة، خاصة وأنه ليس من دأب بكين أن تستغل مثل هذه الزيارات، في التفاوض حول الأمور التفصيلية· إلى ذلك أدلى بعض المسؤولين الهنود بتصريحات محدودة للصحفيين، جاءت فيها معلومات عن تسارع نشاط الصين في بناء مشروعات البنية التحتية في بعض المناطق والأراضي الحدودية المتنازع عليها·
على صعيد آخر، صرح ''شيف شانكار مينون'' -وزير الخارجية الهندي- يوم الجمعة الماضي قائلاً: ''أما في الوقت الراهن، فإننا نبدي ارتياحاً لعلاقاتنا مع الجارة الصين، وقد نجحنا معاً في الحفاظ على السلام والتحلي بالصبر في المسائل الحدودية''؛ كما تشكل الموارد المائية هاجساً أمنياً مشتركاً بين الدولتين· ولذلك فقد أنشأت كلتاهما، لجنة مشتركة لدراسة تدفق الأنهار التي تنبع من إقليم التبت الصيني، وتصب في السهول والمناطق الجبلية الهندية؛ أما فيما يتعلق بقضايا أمن الطاقة ومكافحة الإرهاب وسياسات التغير المناخي، فترى كل من بكين ونيودلهي، تقارباً كبيراً في الأهداف المرتبطة بها، إن لم يكن تطابقاً تاماً في رؤية العاصمتين لها·
كما تشمل أجندة الزيارة، مناقشة الوضع في باكستان، المنافس التقليدي للهند، والحليف التقليدي لبكين في المقابل، والسبب هو قلق بكين ونيودلهي المتعاظم من الاضطرابات السياسية والأمنية التي تشهدها باكستان في الوقت الحالي؛ على أن أكثر ما يثير قلق الهند، ما إذا كانت بكين ستبدي دعماً لمساعي نيودلهي لشراء التكنولوجيا النووية· فعلى رغم فتح إدارة ''بوش'' لهذا الباب وإعطاء المساعي الهندية الضوء الأخضر، إلا أن الأمر كله رهن موافقة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكذلك موافقة ''مجموعة الإمدادات النووية''· وذكر مسؤول هندي رفيع المستوى -نمتنع عن ذكر اسمه لأسباب تتعلق بحساسية منصبه- إنه لا يتوقع أن تتعمد الصين إغلاق الأبواب في وجه المطامح الهندية هذه، على رغم عدم سعادة بكين بهذه الطموحات·
وبين هذا وذاك، يتوقع أن تمارس بكين المزيد من الضغط على جارتها الهند، في سبيل فتح الأخيرة لأبوابها على مصراعيها أمام الاستثمارات الصينية، فمما عرف عن الهند، إصدارها تشريعات هدفت إلى حماية منتجاتها وصناعاتها المحلية، من خطر المنافسة الأجنبية·

سيموني سينجوبتا - نيودلهي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا