صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

أدوات الموت.. تنطق

الفن في مواجهة الطغيان والاستبداد، في مواجهة القهر والموت، منذ آلاف السنين كان الفن واضحا في مواجهته، وكم من الفنانين دفعوا الثمن، حياتهم أحيانا، ولا نريد سرد الأسماء والتجارب، إذ تكفي استعادة بعض أشهر الأعمال الفنية العربية والعالمية التي جسدت جوانب من الثورات في أزمنة مختلفة، أعمال حملت الثورة وحملتها الثورة، وكان هذا الجدل التفاعلي بين الفن والثورة والتغيير، الجدل الذي يمنح الفرصة للفن كي يقدم رؤيته، وللثورة كي تدعم هذه الرؤية.
في مواجهة محتدمة يقيم الفنان السوري ثائر هلال معرضه “جيش نثق به”، ويستمر حتى الخامس عشر من مارس في “جاليري أيام” في دبي، فنراه في مواجهة موت ودمار لا يظهران في صورة مباشرة، لكن أدوات الدمار والموت تدل عليهما. الفنان يخوض المعركة بأدواته الفنية، باللون والصورة والتكوينات والخطوط النافرة، بالأسود والرمادي والذهبي والأحمر والألوان الصاخبة، بألعاب الصغار الغارقة في الطين، بوجوه الجنود المتجمدة مثل التماثيل في المتحف، بمفردات الجيش وأدواته، طائرات وشاحنات وجنود بلا هوية. هذه هي الخلطة السحرية للفنان ثائر هلال في هذا المعرض الذي أراده تعبيرا عما يجري في بلده، ويصلح للتعبير عن كل ما يجري في العالم من خراب ودمار.

استمرارية لا انقطاع
يستمر الفنان ثائر هلال (مواليد 1967) في تجربته قائلا إنه لا جديد بالمعنى الكامل لهذه الكلمة، بل إنه كما يؤكد يتابع تجربة ممتدة منذ ما يقارب العشرين عاما، فمن خلال أعمال معرضه المقام حاليا في غاليري أيام في دبي، يواصل الفنان استخدام أسلوب التكرار المنظم للعناصر الشكلية والثيمات الأساسية في اللوحة، هذه الثيمة التي تأتي، كما يقول الفنان في حوار معه “من مفهوم الفن الإسلامي، خصوصاً التكرارات الزخرفية والخطية”، ويضيف “أنا أميل إلى الاستفادة من هذه الروح من خلال التشابه، لأشكل لوحة فنية معاصرة انطلاقاً من هذا المفهوم وهي لوحة غير تقليدية بالطبع. هذه الروح التي أستمدها من مفهوم الفن الإسلامي ساعدتني كسوري للتعبير عن روح هذه المنطقة”. تجربة ثائر هلال الممتدة تشكلت في الأساس على صورة التجريد، من خلال ثيمات صغيرة متكررة عشرات أو مئات المرات، وكان في ذلك يشتغل على تجربة شديدة الخصوصية في التشكيل السوري الحديث. ومن بين الجيل الجديد في هذا التشكيل، يبدو أن ثائر هلال وضع بصمة مميزة من خلال اشتغاله على تشكيلاته الخاصة، وتكويناته القائمة على الموتيفات الصغيرة المتكررة. موتيفات تخفي في تلافيفها حكاية من حكايات الفنان أو ذكرياته وتجاربه.

الفن في المعركة
شاحنة الجيش، أو الطائرة الحربية، أو الجندي بسلاحه، أو الشاحنة الممتلئة بالعسكر، تهيمن على فضاء اللوحة لتلغي كل ما حولها ومن حولها من عوالم الحياة التي تتحول إلى سواد قاتم، وسماء تمطر بنادق رشاشة على سفينة حربية ضخمة تشق عتمة الظلام. يتحدث الفنان هلال عن أسلوبه الفني بعيداً عن التجريدية الزخرفية المألوفة في عمله، قائلاً: هيمنت على تفكيري أسوة بكل فنان وإنسان عربي، الاضطرابات السياسية والنزاعات العسكرية التي هيمنت على المنطقة العربية. لم أعرف في البداية كيف أترجم تلك الهواجس أو أعبر عنها، وبعد العديد من المحاولات والتجارب التقطت الفكرة من مشاهداتنا للإعلام المصور، حيث باتت القوة العسكرية آلة دمار وموت. وهكذا نقلتُ تلك الصور لتتم طباعتها بتقنية فن الحفر، ثم إضافة بعض اللمسات اللونية لإبراز مضمونها. أما السواد المحيط بكل أداة، فيرمز إلى حالة إلغاء معالم للحياة إثر انتشار الموت والدمار.
هو فنان يقدم لوحة فنية سورية معاصرة كما يقول. لكنه، في اعتقادنا، في هذا المعرض تحديدا لوحة تقدم خارج سياقي الزمان والمكان، لوحة تعبر عن العنف ومفرداته وأدواته كما يمكن مشاهدتها في كل زمان ومكان، ولولا بعض المفردات السورية المميزة، لأمكن اعتبار المعرض إدانة، بالأدوات الفنية، للعنف الذي تمارسه الآلة العسكرية في كل مكان من العالم. فقد أراد الفنان تقديم “صورة” عما يحدث في بلده، فاختار الصور (الفوتوغرافية) الأشد تعبيرا عن تلك الحوادث المتمثلة في الدروع والدبابات والطائرات، مثلما تتمثل في صورة الجندي المشروخة التي تعبر عما أصاب هذا الجندي من شرخ داخلي، نفساني وروحاني.
المشهدية التراجيدية
صور كأنها قادمة من حروب قديمة، صور تبدو مهزوزة بحكم نقلها عن وسائل الإعلام، من الصحف وشاشات التلفزة واليوتيوب وغيرها، لكن الفنان يعالجها بأسلوبه الخاص لتبدو شديدة التعبير عما يريد “قوله”، فهو يقدم لنا الصور التي نراها على الشاشة، ولكنه يقدمها في مشهدية ذات أبعاد درامية وتراجيدية قاسية، سواء في التكوين أو في استخدام اللون، إذ يستطيع المشاهد أن يتلمس هذه الهجائية في اللوحة، هجائية صادمة للمتلقي الذي يقف ليشهد ما يراه يوما، ولكنها وجبة مكثفة من الرعب والدم. إنها كما يقول الفنان تعبير عن صدمته بالوقائع التي يتلقاها يوميا، ولا يستطيع تجاهلها والتغاضي عنها، فكان هذا المشروع الفني محاولة لتقديم رؤيته وتصوره لما يجري من حوله ويحرك مشاعره للعمل.
أعمال المعرض الأربعة عشر هي بأحجام كبيرة، فهو مولع بالجداريات، وكثيرا ما يقدم سلسلة من الأعمال المتشابهة التي تتطلب الكثير من التأمل لتفكيكها. ومن أبرز أعمال هذا المعرض تتقدم في لوحة بالحجم الكبير (190* 190 سم)، تحتوي على ما يزيد عن ألف ومائتي جندي بالحجم الصغير، تملأ سطح اللوحة تماما من دون أية فراغات، بل هناك ما يجعلك تشعر بازدحام اللوحة بالجنود. وقد اشتغلها الفنان بمادة البلاستيك، وقام بتثبيتها على قطعة من الخشب، وأعطى الجنود ألوانا متقاربة ولكن متعددة تعبيرا عن الوحدة التي يجسدونها في الميدان، ونفذ حركة عسكرية جعلت من اللوحة كائنات متحركة فعلا، وكأن الجنود يتأهبون للتوجه إلى المعركة، وربما كانوا في أرض المعركة واقعيا.
هذه أبرز معالم التجربة الجديدة للفنان ثائر هلال، تجربة تضاف إلى تجربته التي تتسم بقدر من التجريب والرغبة في التجديد، بحيث وضعت صاحبها في قلب المشهد البصري العربي، وصار يمكن اعتبارها تجربة تتميز بالبصمة الخاصة، ويمكن التأكيد على كونها مفتوحة على المزيد من التجريب كما يبدو من الآفاق التي ينفتح عليها الفنان وعيا وممارسة في عالم الفن.
ولد ثائر هلال في سورية عام 1967. تخرج من كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق 1990. عُرف من خلال أسلوبه الخاص الذي يجمع بين قوة التصوير والفهم الجديد للحداثة. يقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة منذ التسعينيات. يعمل محاضرا في كلية الفنون الجميلة في جامعة الشارقة، وبالإضافة إلى العديد من المعارض المنفردة التي سلّطت الأضواء عليه في الشرق الأوسط، شارك في عدة معارض دولية مثل معرض “سكوب بازل”، و”آرت باريس أبوظبي”، و”بينالي الشارقة” و”بينالي الإسكندرية”، و”بينالي طهران الدولي” وغيرها الكثير، أنجز العديد من الأعمال التركيبية والفيديو داخل وخارج صالات العرض في الإمارات ورومانيا والإسكندرية وبنجلاديش، وأشرف على مجموعة كبيرة من الورش الإبداعية للأطفال والشباب، وأنجز عدداً من الأعمال الجدارية في غير موقع ثقافي عربي وعالمي. وأعماله مقتناة في مجموعات خاصة ومتاحف متعددة ومن قبل مؤسسات رسمية وأهلية ومقتني الفن في دول عربية وأجنبية، وبيعت مؤخراً في عدد من دور المزادات العالمية مثل: “كريستيز” و”بونهامز”.