صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

أنت في سلامك الأبدي.. ادع لنا بسلام الطوية

في غرفة نافذتها جاورت همس الشجر المتوسم ملامح الخضرة، المتوسد مدى الشارع الخلفي كان يربض المشاغب الجميل، صائد المفردة الشقية، المتربص لفكرة تخطفه بعيداً عن حراس الكلمة، كان أحمد راشد ثاني يرتل الزمن في المسافة ما بين اللحظة واللقطة في البعد الوجودي، الذاهب بعيداً في المعاني، المقتص من رهط وغلط ولغط، المحتفي برقصة الطير وهفهفة الأوراق، فوق عنق وشوق، واحتراقات مشاعلها، وهج النظرة، وبريق المقل، ولباقة الكلمة حين تكون حتى آخر رمق.. في تلك الغرفة في مبنى هيئة أبوظبي للثقافة ينكب راهب الكلمة، متقصي البحث، ناهلاً منتعلاً طاقته الداخلية، مستجمعاً عناصر صحته، ليوم قريب يفصح فيه عن دخان أبيض لا مروض، ولا مهيث، يقبض من خلاله على طيوره، فارداً جناح ألقه وقلقه وربقة الألم الأبدي، متربعاً مترفعاً يافعاً كأنه العقاب المتمترس عن غابة الوله، كأنه الرضاب المتحدر من سلالة النشوة الأزلية، كأنه الإياب في حفلة الفرح، عندما تحبل الفكرة بآلاف الفِكَر، ويتناسل الوعد ببهجة ولجة زرقاء غامقة غارقة في نبلها.
أحمد راشد ثاني، بنجابة النُخب ورحابة الترب، وصخب البحار وغضب الأوار، كتب أيقونة الحياة، مستفتياً قلبه، منحازاً إلى ذات نقَّاها البحر من شوائب، وارتفع بها الموج عن خرائب، كان ليكون بلا استكانة، كان كائناً أرق من ورقة كتب عليها جملته الشعرية، كان المنطقة المتوارية خلف زخم العبارة وحرارة المفردة، كان يعرف من أين وكيف يغرف وكيف يعزف، ولماذا ينزف ويُتْلف ويكلف.. كان القدرة في الصبر “كحصاة صبره” في مجموعته المنشودة والمعهودة في زمن تتفتت فيه حتى حصى “الصنقلان”، كان الوجل المتعجل في البث والنث والحث، والتصويت دوماً لصالح الجملة التي ليس لها لون غير لون الصراحة، وبابتسامة أشف من ريق العصافير كان يغرس في الهديل متسرباً في مساحة أبهى وأزهى من نسمة بحرية صباحية، تداعب وتشاغب، متطالباً بحب الأوفياء واشتياقات العاشقين المدنفين الذاهبين عميقاً في النسيج، القابضين على جمرة مسكرة.

غرفة الصمت
أحمد راشد ثاني في غرفته النائية في الصمت، المتناهية بضجيج الأنفاس وشهقات القلب المتألم، كان يقطن وحيداً مع مفرداته، مستأنساً ببنات أفكاره، متوحداً مع آلهة الشعر، يخص نفسه بالانهماك والعكوف ببسالة ونبل المتصوفين، يحض الفكرة لأن تلد فكرة ليكبر المعنى وتتسع دائرة الحَبَل، يخض محمل جعبته، منكباً، مسهباً في تأليب الذاكرة لتحلب وتجلب وتخصب وتحدب وتتسرب في معطف الزمن، متفشية بصلابة وقوة ونقاء وصفاء، لذلك كانت أبحاثه المتأنية، متفانية في الرصانة، متعافية من أي ركاكة أو ضعف، كان شعره دائماً يرتكب خطيئة الخلاص من آثام المباشرة، كان يسرج خيوله في العتمة فلا يرى غير القامة الرشيقة، والصهيل المتفجر من شؤون وشجون وفنون مرفوع دائماً بلا سكون.
أحمد راشد ثاني خصَّنا دوماً بالأسئلة الكبرى، كما كان يطلق أسئلته في فضاءات لا تتسعها سوى قصيدته ولا تحمل معانيها غير جملته الشعرية كان يتعاطى الكلمة بقيمة الكبار وشيمة الأخبار، كان يختزل عمره بقراءة وبحث، وكان يدوزن الزمن بأحلام التواطؤ مع الوضوح في التصريح والصراحة في التوضيح، ورغم مرضه وتعبه لكنه لم يكن يتألم بقدر ما كان يتأمل ما بعد المرض، وكيف هو الكائن البشري بعد الكلام، وحين يبدأ الصمت الأبدي.. كان لا يتوخى الإجابات الجاهزة كان لا يستوعب أبداً أن تصمت الكلمة، حتى وإن تسربلت الفكرة بإغلاق النهايات وأصفاد ما قد يكون أو لا يكون من بدايات.. كان مستلباً حتى النخاع بشيء اسمه القيم الإبداعية، يتابع، يلاحق أسماء، يتقصى ويتفحص ويحرص على معرفة من لا يعرفهم.
أحمد راشد ثاني الجزر الذي انكسر والماء الذي انحسر، والحلم الذي اندحر، ولكن بقي منه الرحيق والبريق، والألم الرشيق، والقلق الأنيق، وأشواق العشاق المسربلين باحتراقات، وما تمادى في الرأس من وهم الكلمات وعصيان الفكرة وعصي العبرة واحتمالات تستوجب الانحناء لها رغم جسارة الموت ورهبته وموهبته الفائقة في الاستيلاء، وطاقته المفعمة في الاحتواء وقدرته على الاختفاء في جسد نحل قبل مجيئه بعمر، ولم يتوسل إلا لغير إبقاء الفكرة حية حيوية، متناهية في العظم رغم ذوبان الجسم تحت وطأة آلام القلب الذي خان وما صان، وتبين أنه قلب لم يحفظ ود البقاء لإنسان كان يتوجب إبقاءه ليكمل دورة عطائه ويستكمل بعض نصوصه التي بقيت مشرعة تسأل عن سبب الغياب.
أحمد راشد ثاني من صومعة الفكرة المباركة إلى ملحمة الغياب الرهيب، وفي المنطقة الوسطى أسطورة الرحيل، المجلجل والمجلل بدمعة حارقة وشمعة بارقة، ورقة الأشياء عندما تكتشف أن الموت، تلك الحقيقة الرمادية مزملة بأسئلة وعلامات استفهام بحجم القصيدة التي نسجتها، وكتلة الهلال الخصيب الذي كان يحيط بقلبك ويملؤك بحنايا الوجود، وما تخفي في الثنايا والطوايا والسجايا الملهمة، المتفاقمة، المنسجمة مع أحلامك وآلامك وكلامك المخضب بلون دمك، المعبق برائحة الورق الذي كنت تتأبطه حاملاً همك وهواجسك، مستشرفاً غدك بنتاج جديد، وصولة باتجاه نعيم قصيدة مخصبة بالمعنى وفن المداد وما أبدعه جنون اليراع اللذيذ.
أحمد.. يبقى الآن ذلك الكرسي المتألم من فراغه، يبقى المكتب الزجاجي يلملم هشيمه، ويبقى كأس الشاي يدلق شفاته على الأديم، ولكن الهالة يا سيدي أعظم وأشم وأقدم من وجود الأشياء البائدة، يبقى فيضك يحيط كالمحيط بقارات عالمنا، يبلل شواطئنا بنداوة الذاكرة، ويخص سواحلنا بموجات الفكرة، يعللنا، يزلزلنا، يذكرنا دوماً بفكرة الرحيل عندما تكون مزلزلة، كما هي قصائدك، وكما هي صورتك المرسومة بأنامل الأصدقاء والذين داهمهم فراقك كما داهمك الموت.

تشييع الأسئلة
أحمد.. العشاق لا يموتون، وأنت أحببت الكلمة، عشقت الشفاه التي تنبس بجملة لا ينشف عندها الريق، ولا ينطفئ لأجلها حريق، لذلك لا بد أن تكون أنت الآن في مكان ما من ذاكرة الأصدقاء تبحث عن مفردة لقصيدة تريد أن تكمل جملتها الأخيرة، لا بد أنك تود أن تواسي أصدقاءك بقصيدة خبأتها بعيداً عن الأنظار لتفاجئهم بلحن جديد وفن تليد يستحق أن يدرس، ويستحق أن تلمسه أيادٍ تعرف جيداً تقرأ ما بين السطور.
أحمد.. أنا على يقين أنك تنطفئ الآن في مكان ما من ذاكرة الأصدقاء كمحارب أراد أن يستريح بعد عناء وتبريح، وبعد أن لففت مضارب ومسارب، واكتويت حتى استويت جبلاً يشرب من نهر، وصارت قصيدك غافة عظمى، استلهمت من الملاحم الأسطورية نشوتها وعفويتها ومداراتها واستداراتها وحواراتها الداخلية.. صرت أنت يا سيدي في البعد الثالث من التلوين بلا تلوين أو تنوين، صرت في المنطقة الغافية، بعيداً بعيداً، صرنا نحن نتبعك، نرسم الصورة على صفحة في صحيفة، صرنا نحلم ونستسلم للحقيقة، ونتجلى بابتسامات مبهمة، لعلها تخفي ما تخفي، ولعلنا نطفئ شيئاً من احتمالات الأسئلة المتفاقمة، لعلك يا سيدي تتسرب فجأة من ثنايا قصائدك لتحكي للأصدقاء عن سر الأسرار، وعن آخر الأخبار، وما دار من حوار بينك وبين آخر قصيدة كتبتها.
أحمد.. ليس في هذا المقال نعياً، وإنما هو تشييع لبعض الأسئلة التي لم تزل تراوغ وتصوغ بريقها على حساب قناعات وضد إرادة القصيدة التي أشعتها في حضرة من يعشقون جمال الكلمة ومن يستلهمون من القصيدة حياة جديدة تروغ عن نفسها وحشة المكان الفارغ من سواك وتوحش الأسئلة.
أحمد.. ألم يكن بوسعك أن تخبرنا عن آخر صوت وآخر صورة تراءت إلى بصرك وسمعك، وأن تختم تلاوة العمر وتمارس حقك في الاتكاء، حجر ورمل.. ألم يكن بوسع القصيدة أن تفشي سر قنوطك في اليوم الأخير، وابتعادك عن البوح بما كان يتسرب إلى قلبك من آلام.
بطبيعة الحال أنت لم تكن تعتني بذلك كثيراً، ولذلك كنت تتناسى تعاطي الدواء، كنت تؤنب الطبيب الذي قال لك لا تدخن، لأنك يا سيدي لم تفكر في الموت بقدر ما كنت تساويه بالحياة.
أحمد.. هل تكفي ثلاث سنوات في لقاءات صباحية تمتد حتى آخر النهار ثم نفترق استعداداً ليوم جديد، وهل تكفي هذه السنوات القليلة لتضم أحلاماً بحجم الآلام، وبسعة الأيام التي ألقمتك سقهما وعقمها وضراوة حروبها.
أحمد.. كل ذلك لا يكفي، وما يكفي هو أن تقدرك الجهات، وتحتضن ما أبدعته لأجل الوطن، ولأجل التاريخ، ولأجل عشاق سيأتون لا بد أن يقرأوا قصيدتك بحرقة المخلصين كما أخلصت أنت فاحترقت لتضئ للآخرين شمعة، وتمسح دمعة، وتخصب غصون الحياة بخضرة الانتماء إلى الحب.
أحمد.. كل ذلك لا يكفي، وما يكفيك هو أنك نحتَّ اسمك في المكان والزمان بعد أن قلدت القصيدة وسام الشرف، وبعد أن كرمت الوطن بنعيم الكلم، وخير ما جادت به قريحتك.
أحمد.. وأنت في سلامك الأبدي، ادعُ لنا بسلام النفس وسلامة الطوية.. غفر الله لك يا سيد الكلمة.