صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

ناصر عراق: لا أكتب من أجل الجائزة

أمضى الروائي المصري ناصر عراق، قرابة السنوات الست يجتاز مسارا روائيا مميزا ويختط لنفسه طريقا وموضعا مغايرا في خارطة المشهد الروائي العربي المعاصر، بخطى حثيثة ودأب متواصل. فمنذ صدور روايته الأولى “أزمنة من غبار” عن دار الهلال عام 2006، مرورا بروايته الثانية “من فرط الغرام” الصادرة عام 2008 التي سجل من خلالها تجربة العمل في الصحافة الخليجية‏ واختار لها فضاء مكانيا رمزيا لدبي التي يعمل فيها‏ وعرض لعدد من النماذج الدالة من جنسيات عربية مختلفة، حيث رسم لوحة نابضة للواقع العربي المعاصر‏، ليصل إلى محطته الروائية الثالثة “العاطل” التي صدرت عن الدار المصرية اللبنانية، قبل أيام من ثورة 25 يناير 2011 وتترشح إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، البوكر 2012 لتذهب بعدها إلى القائمة القصيرة، مع روايات خمس أخرى.

يحمل وصول الرواية لهذه المرحلة من جائزة البوكر اعترافا مهما وصادقا بأهمية هذا العمل الروائي الجميل، الذي يصوِّر العالم الكابوسي، لمواطن من عامة الشعب المصري يعاني القهر والتهميش على أكثر من مستوى، ما يؤدي إلى وقوعه في دائرة العجز الحسي للزمن، ومن ثم العجز الجنسي الكامل، ثم يصبح هذا العجز الجنسي، معادلا للفشل وعدم التحقق في مجالات أخرى، كالعمل والصداقات والتحقق الأدبي.
وفي الإمارات، حيث الفضاء المكاني الأثير للكاتب، بحكم العمل والمعيشة والمعايشة، ينفجر التناقض، في وسط العديد من الجنسيات المغتربة، بحثًا عن لقمة العيش، في هذا البلد المنفتح اجتماعيا، المنضبط قانونيا، يشعر “محمد عبدالقوي الزبال” بالضياع، والتناقض، هو الكائن ابن المجتمع المغلق، ورمزه الأب الديكتاتور، تستغله فتاة مغربية تتاجر في المخدرات، وتقتل فتاة الليل الروسية، ويتهم بقتلها، وهناك أيضًا يصادف الحب الحقيقي، والنماذج البشرية المشرقة من مواطني الإمارات والمصريين الذين يأخذون بيده، بدفعه إلى الاعتراف بمكبوتاته من مرحلة الطفولة لينجو ويتطهر، فالحرية تصلح كل شيء.
“العاطل” التى نفدت طبعتها الثالثة وستصدر الرابعة خلال أيام، يدرجها البعض تحت وصف أو مسمى رواية “تغريبة المضطرين”، بحسب الناقد د. جابر عصفور، وهي الرواية العربية التي يهاجر أبطالها من عالم الفقر المدقع إلى عالم الغنى المرح، أو من أقطارهم العربية التي ينالهم فيها القمع متعدد الأنواع، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، إلى أقطار أخرى، ينأون فيها عن القمع السياسي والديني ويهربون من أشكال الفقر الوحشي اللاإنساني.
هي رواية بحث عن ذات مهدورة ومجروحة، وهجرة ليست من المكان فقط، وتعجز عن أن تكون عن النفس والذات، رحلة شاب مصري “عربي” بتفاصيل حميمة وحنين دائم للحضن الأول، وبحث مؤلم عن الاحتواء وعن الثقة المفقودة في الذات والبشر، وعن العالم الذي يأبى أن يتصالح معه.
ناصر عراق كاتب صحفي وروائي مصري معاصر‏ أحد الأصوات السردية المميزة التي تخمرت تجربتها الروائية، ضمن أبناء جيله خلال العقود الأخيرة، وصفه بعض النقاد بأنه اختزن تجربة جيله من أبناء مصر في العقود الأخيرة‏ وقام بتخميرها ورسم ظلالها من منظور طفل يشهد انكسار روح أبيه بعد نكسة ‏67 ويشب ليسأله في خجل عن مصير الوطن الأكبر في التركة المثقلة بديون الإحباط‏.‏
يعمل ناصر عراق حالياً مديراً لتحرير مجلة الثقافة الجديدة بالقاهرة، ومنسقاً ثقافياً وإعلامياً بمؤسسة ندوة الثقافة والعلوم بدبي. وقد أسهم في تأسيس مجلة الصدى بدبي عام 1999، حيث تولى رئاسة القسم الثقافي بها لمدة ستة أعوام، كما شارك في تأسيس مجلة دبي الثقافية سنة 2004 وتولى منصب مدير التحرير بها لمدة ستة أعوام. كما أصدر من قبل روايتين هما “أزمنة من غبار”، و”من فرط الغرام”، فضلاً عن عدة كتب أخرى منها “تاريخ الرسم الصحفي في مصر”، ونال عنه الجائزة الأولى في مسابقة جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين في دورتها الأولى سنة 2000، وكتاب “الأخضر والمعطوب” من مؤسسة أخبار اليوم، وقد حصل ناصر عراق على جائزة أحسن مقال في الصحافة الإماراتية في مسابقة “تريم عمران” التي تنظمها مؤسسة الخليج للصحافة سنة 2004، وذلك عن مقاله “الكتابة الفاسدة” الذي نشره في زاويته الأسبوعية بمجلة الصدى آنذاك.
كان لنا معه الحوار التالي بمناسبة وصول روايته إلى القائمة القصيرة للبوكر 2012:

? رحلة الكتابة دائما ما تكون ممتدة ومسكونة بلحظات مفصلية ونقاط تحول، ما ملامح مسارات الكتابة وتموجاتها عند ناصر عراق منذ بواكيرها وحتى الآن؟
? تسألني عن رحلة الكتابة ومساراتها وتموجاتها لديّ، وجوابي يكمن في رحلة القراءة وفضاءاتها أولاً، فأنا قارئ نهم منذ الصغر، ذلك أنني نشأت في أسرة مهووسة بالقراءة والثقافة، فوالدي رحمه الله كان مثقفاً كبيراً وقارئاً ذكياً على الرغم من أنه لم ينل حظاً من التعليم الرسمي، وقد ساعد والدتي وعلمها القراءة. وأشقائي الكبار ـ بعضهم يكبرني بستة عشر عاماً ـ تربطهم بعالم الكتب وشائج متينة، وأواصر مستقرة، لكن ينبغي الالتفات إلى أنه يجب أن يستثمر المرء عشقه للاطلاع والمعرفة في تسليح نفسه بمنهج علمي، بمعنى أن عليه أن يمتلك تصوراً فكرياً وفلسفياً يساعده في فهم العالم وتفسير حركة وتطور البشر والمجتمعات، وإلا باتت قراءاته هائمة في اللا جدوى. هنا تكون القراءة العميقة في الفكر والفلسفة والتاريخ والأديان والاقتصاد مجدية وضرورية ومهمة للغاية. حينئذ يمكن الانتقال للحديث عن الكتابة بالنسبة إليّ، حيث أزعم أنني حين أتصدى للكتابة أراعي عدة أمور منها: أن تكون الفكرة التي أنوي طرحها واضحة تماماً في ذهني، وأن تكون كتاباتي منحازة إلى الفضائل الكبرى في حياة البشر، بمعنى أنني أسعى طوال حياتي إلى التبشير بالحرية والعدل والجمال مثلاً، وأخاصم وأندد بالاستبداد والظلم والقبح وهكذا، علماً بأنني أبذل جهداً كبيراً لتأتي كتاباتي باللغة العربية الفصحى ضمن صياغة رشيقة ومحكمة البناء ومستقيمة العبارة قدر استطاعتي. فالكتابة، أو أي عمل إبداعي، يتحتم أن يكون ممتعاً في المقام الأول، وعليه أحاول أن تكون كتاباتي الصحفية أو الإبداعية ممتعة للقارئ الكريم الذي يملك وحده حق إبداء الرأي فيها.

جدوى الكتابة
? انطلاقا من تجربتك ككاتب روائي.. هل تعتقد في قدرة الكتابة على التأثير وخلق قناعات جديدة وإيقاظ الروح الإنسانية، وإزالة الصدأ عنها.. أو بالأحرى ما الجدوى من الكتابة بالنسبة لك؟
? لا ريب عندي في أن للكلمة تأثيراً مدهشاً على الروح والفكر والوجدان، كما أنها قادرة على شحذ همم الشعوب، وتغيير أنماط سلوكها، ولكن كل هذا التأثير لا يأتي بين يوم وليلة، فحتى تأتي الكلمة أكلها تحتاج إلى وقت طويل نسبياً. وبالتالي يمكن اعتبار الكتابة بالنسبة لي فعل حرية وجمال. ذلك أنني أشعر بسعادة بالغة حين أكتب وأعبر وأصوغ أفكاري وأسكب آرائي على الورق. ولعلك تذكر المقولة المدهشة التي قالها أحد فلاسفة القرن التاسع عشر “الفن هو أعلى درجة من درجات الفرح يستطيع أن يهبها الإنسان لنفسه”، والأدب، جزء من الفن، يحقق لي ولغيري هذا الحبور الآسر.

? تنتمي لجيل أدبي غلبت عليه ظاهرة “الكتابة السيرية”.. ضمن سياق أشمل من التحولات الأدبية والإبداعية اللافتة التي كانت سمة غالبة لجيل التسعينيات وما قبله في الكتابة؟ كيف ترى هذا التصنيف؟
? في ظني أن الكتابة الجميلة تظل كتابة جميلة بغض النظر عن التصنيف الذي يغوي النقاد في الأغلب، لكنني أعتقد أن على المبدع الجاد والموهوب لا أن يستوعب ويهضم المدارس والاتجاهات الأدبية التي سبقته فحسب، بل عليه أن يستزيد من الفنون الأخرى مثل المسرح والسينما والموسيقى والفنون التشكيلية والنحت والعمارة إلى آخره، لأن كل مجالات الإبداع مترابطة ومتداخلة وتؤثر في بعضها بعضاً، ولا تنفك أبدا عن التفاعل الدائم والمستمر، ولنا في نجيب محفوظ أو ماركيز أسوة حسنة، فكلاهما مرّ على عالم السينما وتعلما فنونها وأسرارها وسحرها. وحين تقرأ لهما تكتشف غزارة معارفهما واستفادتهما من فنون المسرح والتشكيل والموسيقى وغيرها.

? خلال هذا السياق الإبداعي الذي شهد بزوغ جيل التسعينيات.. كيف تموضع صوتك السردي ضمن هذا السياق؟
? يخيل إليّ أنّ النقاد والقراء أولى وأقدر على اختيار المكان أو المكانة التي تلائم نصوصي وصوتي السردي، كما تقول، أما أنا فأكتب بإيحاء من أفكاري وأحلامي، وأحاول أن أكون مدججاً بأكبر قدر من المعارف والأساليب والتقنيات التي يمكن استثمارها لإنجاز رواية ممتعة ومؤثرة وناجحة. أقول لك أحاول، والحكم في النهاية على نجاح العمل للقارئ الكريم والناقد الحصيف.

مفهوم الحرية
? “الحرية” دائما مفهوم ملتبس ومختلط بين الحقيقة والعدالة والمنطق والنسبية.. البعض يقصرها على اختراق ثالوث المحرمات الشهير “الدين والسياسة والجنس”.. برأيك هل ثمة مخاطرة في التصدي لمفهوم الحرية تكتنف الروائي عند تعرضه لهذا الثالوث؟
? لا مناص من الاعتراف بأننا في العالم العربي نكابد أوضاعاً غير لائقة بخصوص حرية الإبداع، والكل يعرف الثالوث المخيف “الجنس والدين والسياسة” الذي يعرقل نهر الحرية من التدفق إبداعياً وسياسياً، ومن ثم يجد المبدع العربي صعوبة كبيرة إذا اقتربت نصوصه من هذا الثالوث المربك، على الرغم من أن الحياة لا يمكن لها أن تستمر وتعاش وتحتمل من دون جنس ودين وسياسة، لكن للأسف الشديد فإن قرون الانحطاط العثمانية التي عانت منها المجتمعات العربية أفرزت الكثير من الأفكار المتخلفة بخصوص الإبداع والفنون، وهي ما زالت تشيع بين عموم الناس حتى الآن بكل أسى. لا تنس أن حكاية مصادرة الكتب، على سبيل المثال، انتهت من العالم كله، إلا عندنا نحن العرب، على الرغم من أن المصادرة لن تمنع من وصول الكتاب إلى الناس بألف طريقة وطريقة مع التطورات التكنولوجية المذهلة التي نشهدها كل لحظة.

? كيف تحدث التوازن المطلوب بين الكتابة والعمل الصحافي أو الإعلامي خلال ممارسة الكتابة الإبداعية، أو كيف تتجنب طغيان الصحافي على الكاتب بداخلك؟ أو العكس؟
? لست من الذين يعتقدون أن هناك خصاماً محتدماً بين الأدب والصحافة، أو بين الأديب والصحفي، بمعنى أن الصحفي الذي تدركه حرفة الأدب سيستفيد من تجربته الصحفية كثيراً والعكس صحيح. فبالنسبة إليّ، منحتني الصحافة فضائل كثيرة، وما زالت، حيث أكتب مقالاتي وتحقيقاتي بانتظام في أكثر من مطبوعة مصرية وعربية. من أهم فضائل الصحافة أنها ذهبت الى نعمة الاقتصاد في السرد، والوضوح والتركيز في شرح الفكرة أو الموضوع، علاوة على الاهتمام بالصياغة، فأنا حريص دوماً على أن تأتي كتاباتي “الروائية أو الصحافية” في أبهى صورة لغوية ممكنة، لأن اللغة العربية الفصحى هي وسيلة التواصل الأولى والأهم عربياً، لذا أكافح من أجل أن تظهر نصوصي الإبداعية متينة البناء، حلوة العبارة، تتألق بالرشاقة واليسر. أجل... أحاول أن أفعل كل هذا، وأكرر لك أن الحكم في النهاية يعود إلى القارئ الكريم في المقام الأول. ولا تنس أن أعظم روائي على مر العصور، من وجهة نظري، وهو الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز عمل صحفياً في شبابه الأول، وقال “إن الصحافة أجمل مهنة في العالم”، وأظن أنني أشاطره هذا الرأي.

عن الجوائز
? صدرت روايتك “العاطل” عام 2011، واختيرت ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) وأشادت بها لجنة التحكيم في تقريرها.. وتعيش بالتأكيد حالة من السعادة البالغة بعد النجاح الذي حققته الرواية وترشيحها للبوكر ووصولها للقائمة القصيرة.. كيف ترى هذا النجاح وكيف تقيمه؟
? المبدع الحقيقي لا يكتب من أجل اصطياد جائزة من هنا، أو اقتناص تكريم من هناك، بل يكتب لأن هناك إلحاحاً فكرياً داخلياً يحرضه على الإمساك بالورقة والقلم، أو ضغطاً روحياً رهيباً يدفعه لأن يجلس أمام “الكيبورد”، فيسكب أفكاره ورؤاه، ليهدأ ويستريح. فإذا أنعمت عليه المقادير بجائزة مرموقة، فهذا أمر محمود لا ريب، يسعده ويمنحه الشعور بالبهجة والحبور. لذا حين وصلت “العاطل” إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2012 المعروفة باسم “البوكر العربية” اعتراني شعور لذيذ بالفرح، وقلت لنفسي: “هذه جائزة للدأب والمثابرة والانكباب على العمل”، حيث أظن أنني اجتهدت كثيراً لتطوير معارفي وثقافتي وذائقتي، فقد قرأت كثيراً وأنصتّ كثيراً وتأملت كثيراً وكتبت كثيراً، فقد أصدرت عدة كتب منها “ملامح وأحوال.. قراءة في الواقع التشكيلي المصري”، و”تاريخ الرسم الصحفي في مصر” الذي نال الجائزة الأولى في مسابقة جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين في دورتها الأولى، وكتاب “الأخضر والمعطوب.. في الثقافة والفن والحياة”، فضلاً عن ثلاث روايات هي “أزمنة من غبار”، “من فرط الغرام” وأخيراً “العاطل”، وها أنذا انتهي مؤخراً من روايتي الرابعة “تاج الهدهد”.

? هل تجد المنافسة هذا العام شديدة بين الروايات الست المرشحة؟ وبرأيك ما أهم الأعمال التي قرأتها من الروايات التي رشحت للقائمة الطويلة أو القصيرة ورأيك فيها؟
? فور الإعلان عن أسماء الروايات في القائمة الطويلة، شرعت في قراءة ما تيسر لي منها، كذلك فعلت مع روايات القائمة القصيرة، وقد أعجبتني كلها، ولا أستطيع تحديد أيها أقرب للوصول إلى المرتبة الأولى. فالأمر متروك الآن للسادة أعضاء لجنة التحكيم.