الاتحاد

دنيا

«كيف تعرف» يستعرض حكاية البشر في مواجهة الهزائم

يتمحور فيلم «كيف تعرف» (how do yo know) حول ليزا (رايز وويترسبون) وهي لاعبة بيسبول محترفة، يكون عليها بغتة أن تتحول من قمة التألق إلى مرحلة انعدام الفعل، فتاة يكون لديها كل ما يمنحها الشعور بالامتلاء لكنها تجد نفسها ذات صباح أمام مؤشر الانهيار.


أبوظبي (الاتحاد) - في المشهد الأول من الفيلم نقع على ليزا تبدع في الملعب، وفي المشهد التالي فنرى مدرب المنتخب يقرر الاستغناء عن ليزا لبلوغها سن الثانية والثلاثين، ولتراجع مقدراتها الجسدية مقارنة بفتيات أصغر سناً وفدن حديثاً إلى عالم اللعبة.
لعبة الافتتاح
يبدو موقف استبعادها معزولاً عن السياق العام للفيلم، أو ربما حسبه البعض مجرد لعبة افتتاحية قرر المخرج جايمس بروكس من خلالها الولوج إلى أحداث فيلمه، لكن التمعن في المستجدات السردية سيتيح اقتراحات مغايرة: هي تجربة مفصلية في حياة الفتاة التي ستتعامل معها بكثير من الصلابة والجسارة والقدرة على تجاوز المواقف الصعبة، وهنا تحد يداً يتكثف التعبير السينمائي الذي يمكن اعتباره من صميم العمل المشاهد، «كيف تعرف» يقارب الأساليب المختلفة التي يتلقى فيها الناس منعطفاتهم الحياتية الحادة، الإحباطات، المفاجآت المؤلمة، التحديات التي من شأنها تغيير مسارات أحلامهم، لتؤول بهم من حال إلى نقيضه، ما رغب الفيلم في إمداد مشاهديه به عبر حادثة الاستغناء عن اللاعبة المتألقة بينما هي في ذروة تميزها، يمكن اختصاره بتلك الطاقة الهائلة على التجاوز التي تجلت عندها، هي اكتفت بأن استعادت بعض الحكم التي تزين بها جدران مغسلتها لتتمعن بها كل صباح، وانطلقت نحو حياتها الجديدة كلاعبة متقاعدة، حياة ليس على جدول أعمالها الذهاب يومياً إلى ملعب البيسبول لحصد إعجاب الآخرين، بل زيارات متقطعة للتصفيق لبعض هؤلاء الآخرين.
آلة تجميع النساء
ليزا تعاني إرباكاً على الصعيد العاطفي أيضاً: ثمة علاقة تجمعها بلاعب البيسبول «ماتي» (أوين ويلسون) لكنها علاقة غير واضحة المعالم، الرجل ينتمي إلى فئة النجوم، صاحب ثروة طائلة تتيح له أن يطلق على نفسه مسمى «آلة تجميع للنساء» عندما تزوره في منزله للمرة الأولى ستدهش بعدد فراشي الأسنان التي يحتفظ بها للضيوف (الضيفات حقيقة) وكذلك ستجد لديه من ثياب النوم النسائية ما يوازي مقتنيات متجر كبير. تتبرع إحدى صديقاتها بإعطاء رقم هاتفها لجورج (بول رود) وهو يدير شركة تجارية لوالده، لكنه يعاني مشاكل قانونية تهدده بالسجن والإفلاس، ليزا تتلقى مكالمة جورج بحيادية مبالغ بها، لكنَّها تتوقف عند نبرته الواثقة إلى حدود بعيدة، بدأ المشهد في الدخول إلى طور الاكتمال والوضوح: فتاة محبطة لكنها ترفض الاعتراف بإحباطها، أو الخضوع لمقتضياته، تتجاذبها مشاعر غامضة حيال شخصيتين ذكوريتين متناقضتين، وان كانت غرابة الأطوار قاسماً مشتركاً بينهما.
الابتسام للسفلة
يسير الفيلم بعيداً عن مكامن الإثارة التقليدية، ليس هناك من تطورات مباغتة تدفع عيون المشاهدين للامتلاء بالدهشة، ثمة فقط مساحة واسعة للتأمل، سعياً وراء إجابة عن سؤال محوري تتفرع عنه أسئلة شتى: ما الذي يسعنا فعله عندما تتحطم أحلامنا ويكون علينا الدوران في الحلقات المفرغة التي يرسمها لنا الآخرون؟ بين ما يقترحه الفيلم على لسان ليزا، ومن خلال تصرفاتها، الاحتفاظ برباطة الجأش، وامتلاك القدرة على السخرية من أشد المشاكل تعقيداً، أيضاً ما يستحق التنويه هنا، والتوقف عنده كأحد التعابير المعبرة والساخرة في الفيلم، موقف إحدى صديقات ليزا التي تحاول جاهدة ثني المدرب عن اتخاذ القرار بفصلها، عندما تصطدم بحائط الرفض غير القابل للاختراق، يعتريها الوجوم، ثم نسمعها تقول لنفسها: «إذا فقدت القدرة على الابتسام للسفلة فذلك يعني نهايتي»، حينها تستدير نحو المدرب مع ابتسامة عريضة على ثغرها.
خارج الملعب
شخصية ليزا تتكشف لنا وفق خط تصاعدي: بعد تعاملها الجسور مع قرار استبعادها عن الملعب، أي عن المستقبل الذي كانت تحلم لنفسها بمكان ومكانة من خلاله، نجدها تغادر شقة ماتي حانقة بعد اكتشافها كونه «آلة لتجميع النساء»، قبل أن تغلق الباب خلفها بغضب، تعود مستدركة، وتقبل نحوه معتذرة، لقد تذكرت لتوها أنَّها لا يجدر بها رفض الآخرين لمجرد كون مواصفاتهم لا تنسجم مع مقاييسها هي، بجرأة مدهشة تعتذر من صديقها الذي لا يملك سوى القول من خلف علامات صارخة بالبله ارتسمت فوق وجهه: «إن كنت تعتذرين حقاً فأنت فتاة أحلامي»!
وتمضي حياة ليزا بين ثنائي ملتبس: ماتي الغارق في ثروته ونزقه، وجورج الواقف على حدود الهاوية، تبدو الغلبة في قلبها لصالح ماتي الذي يتقن المراوغة على قدر من الطيبة، هو يسايرها حيناً، ويعود إلى دأبه المبدئي أحياناً، وهي تغضب منه تارة وتقبل اعتذاراته الواهية طوراً، ثمة شاعر عربي قال يوماً إن الكريم إذا خادعته انخدعا، وليزا تبدو مبالغة في الكرم، وإن تعرضت للخداع.
بلية مضحكة
في حوار لها مع جورج تمارس حياله قمعاً غير مقصود، لعل دافعاً غير واع يحرضها على ذلك، كان ينوي سرد معاناته كما يفعل الأصدقاء عادة، عندما منعته من إكمال عباراته كما لو أنه يرتكب خطيئة، خضع الرجل وقد لجمته المفاجأة، وظل ملتزماً بالتعليمات حتى آخر لحظة، وعندما تذكرت هي أن تسأله، روى لها حكايته بسرعة مضحكة: «خسرت شركتي، وأعاني الإفلاس، وأنا مهدد بدخول السجن». كان في الأمر شر البلية الذي يضحك، رجل يعاني أقسى ما يمكنه أن يتعرض له، لكنه يعتبر نفسه غير مخول بشرح معاناته..
ثمة فائز في النهاية بقلب ليزا، وليس الأمر مهماً، فالرابح الحقيقي هو التأمل الذي وسعه لمرة نادرة أن يقصي الإثارة والصخب عن صدارة عوامل التألق السينمائي.

اقرأ أيضا