الاتحاد

دنيا

التصور الإسلامي للأمانة المهنية

إذا كان الإسلام قد عول على الأهلية والكفاءة كأساس في تولي المهن والوظائف والمناصب، فإنه اهتم كذلك بإضفاء بعد أخلاقي عليها من خلال اشتراطه الأمانة فيمن يتولى المهنة والوظيفة. وما شقيت البشرية في قديمها وحديثها إلا بابتلائها بأناس لا أمانة ولا خلاق لهم. فكم من كفاءات عهدت إليهم البشرية بإسعادها، فما كان منهم إلا أن جلبوا الخراب والدمار عليها، وما ذلك إلا لأنهم لم يكونوا أمناء على ما عهدت به إليهم، ألم يأتك نبأ عن قوم اتخذوا من المعامل معبداً لهم ليذهبوا الشقاء عن أجساد قد هدها المرض، فإذا بهم يوغلون في إرضاء غرورهم العلمي، فيخرجون لنا بمسوخ مشوهة تحت مسمى الاستنساخ دون مراعاة لأخلاقيات العمل فيه..... فهؤلاء وأمثالهم كفاءات، غابت الأخلاق المهنية عن قلوبهم وعقولهم فلم يبالوا بنتيجة عمل به يشقى غيرهم، المهم أن يذكرهم التاريخ في أولياته دون اكتراث في أي جموع الأوليات يصنفون. من أجل هذا وغيره كان من الصفات التي اشترطها قانون الأخلاق الإسلامي في تولى المهن والوظائف صفة الأمانة، والتي أكد الإسلام عليها كمبدأ أخلاقي ثابت في كل الأخلاقيات المهنية، ولولاها لتحولت الكفاءات البشرية إلى شياطين ماكرة لا حدّ لشرها ولا منتهى لضررها. والأمانة ضد الخيانة، وتعرف بأنها «خلق ثابت في النفس يعف به الإنسان عما ليس له به حق، وإن تهيأت له ظروف العدوان عليه دون أن يكون عرضة للإدانة عند الناس، ويؤدى به ما عليه أو لديه من حق لغيره، وإن استطاع أن يهضمه دون أن يكون عرضة للإدانة عند الناس».
وعلى هذا، فإن الأمانة من وجهة نظر الإسلام واسعة الدلالة، إذ ترمز إلى معان شتى، مناطها جميعاً شعور الإنسان بتبعته ومسؤوليته في كل أمر يوكل إليه، وبذله قصارى الجهد في الإتيان به على نحو به يكون مسؤولاً أمام الله والناس أجمعين. وهذا بعض مما يفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه عبدالله بن عمر «كلكم راع وكلكم وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهى مسؤولة عن رعيته، والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».
وبهذا تكون الأمانة- كما قيل- هي الفريضة التي يتواصى المسلمون برعايتها، ويستعينون بالله على حفظها، حتى أنه عندما يكون أحد على أهبة السفر يقول له أخوه «استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك» ولا غرو، فقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم قرينة للإيمان يذهب بهاءه بذهابها ويخبو ضياءه بفقدها، فعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: «ما خطبنا رسول الله إلا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له». وقد أكد الإسلام عليها كخلق يجب توفره في الممتهنين ومعيار يكون اختيارهم في الوظائف على أساسه. يقول سبحانه وتعالى فيما حكى عن ابنة شعيب عليه السلام «إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ» القصص (26). ويقول سبحانه في أساس تولى يوسف عليه السلام المسئولية الإدارية «اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» يوسف ( 55).
وفى تعارف الجن على هذه الصفة في إسناد المهام إليهم يقول سبحانه «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ» النمل (39). ولأهمية الأمانة في البنية الصحيحة للمجتمع تكرر ذكرها في القرآن الكريم في معرض مناسبات متعددة، ففي مجال الحقوق المالية وغيرها نجد قول الحق سبحانه «وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ» البقرة (283).
ويأتي الأمر بصورة جازمة بتأدية الأمانات إلى أهلها في كل ما يقع تحت سلطة الإنسان وتصرفه، فيقول الحق سبحانه وتعالى»إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا» النساء (58). وفى آية شاملة لجميع أنواع الأمانات يقول سبحانه وتعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ» الأنفال (27). وجعل الله سبحانه الأمانة عنواناً لسفيره إلى أنبيائه ورسله في مهنته، فقال سبحانه «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ» الشعراء (193). فلولا هذه الصفة ما كانت الثقة فيما يبلَغ عن الله تعالى من وحى، ولما اصطفاه الله لهذه الوظيفة- وظيفة حمل الرسالة- كذلك جعل الله سبحانه وتعالى من الأمانة سمة لأنبياءه وسائر رسله فيما يبلغون من وحي عن الله تعالى، فعندما يقص الحق سبحانه وتعالى علينا ما كان من قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط وشعيب عليهم السلام في سورة «الشعراء» يخبرنا بأن كل رسول من هؤلاء عليهم السلام قال لقومه: «إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ».
ولقب خاتمهم صلى الله عليه وسلم «بالصادق الأمين». وفى شأن المفلحين الصالحين من جماعة المؤمنين، يقول سبحانه» وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ» المؤمنون(8).
وهذا نص عام في كل ما يجب على الإنسان أداؤه من حقوق استؤمن عليها أوألزم بأدائها، سواء فيما يتعلق بالله تعالى أو بخلقه. أما بالنسبة للسنة النبوية، فإننا نجد كثيراً من النصوص المؤكدة عليها والمنفرة من نقيضها»الخيانة»، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد والحاكم» اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم» وقوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو داود وبن حبان وغيرهما» أول ما تفقدون من دينكم الأمانة» واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم كل من يخالف الأمانة في عمله أو مهنته قد تولى غير سبيل المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم» من غشنا فليس منا».
كذلك جعل الإسلام للأمانة صورا متعددة نخص منها بالذكر أمانات «الودائع» وهى اسم لكل ما استحفظ الإنسان عليه من أشياء مادية كانت، أو معنوية وتتطرق كلمة الودائع كصورة من صور الودائع إلى العديد والعديد من المهن. فالأمور المالية بشتى صورها ودائع، والأجراء قد أودعوا ما استودع إليهم من خلال أرباب الأموال، والمعلم قد أودعه التلاميذ ومن يلونهم عقولهم فهي ودائع عنده، والخطيب في المسجد قد استودعه جمهور المستمعين إليه عقولهم فهو مسؤول عنها، ومسؤول أن يبصرهم بواقعهم وما يقيل عثرتهم فيه ، والطبيب قد استودعه المرضى أجسادهم وأرواحهم فهو مسئول عنها، والمهندس قد استودعه الناس حياتهم فهو مسئول عما يشيد لهم. وقس على ذلك حتى تصل إلى كل فرد في المجتمع والأمة.يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الطبراني وابن حبان وغيرهما عن شداد بن أوس رضى الله عنه «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» ويقول صلى الله عليه وسلم «لن تزال أمتي على الفطرة، ما لم يتخذوا الأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً». ويقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم» القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة .. قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله فيقال أد أمانتك فيقول أي رب كيف وقد ذهبت الدنيا، فيقال انطلقوا به إلى الهاوية. وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه فيراها فيعرفها فيهوى في إثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا ظن أنه خارج نزلت عن منكبه، فهو يهوى في إثرها أبد الآبدين، ثم قال الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأشياء عددها وأشد ذلك الودائع». قال راوي الحديث فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود، قال كذا، قال البراء: صدق أما سمعت الله تعالى يقول «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ» النساء (58).
وخص النبي صلى الله عليه وسلم الودائع المالية بالذكر ، كصورة من صور الأمانة نظراً لشدة فتنة المال التي يسيل لها لعاب كثير من الناس، والتي لأجلها يفرطون في أثمن القيم والأخلاقيات. لذلك حرص صلى الله عليه وسلم أن يستخلف عند الهجرة ابن عمه على بن أبي طالب رضى الله عنه ليسلم المشركين ما استحفظوه من ودائع عنده، مع أنهم كانوا بعض الأمة التي استفزته من أحب البلاد إليه، واضطرته إلى ترك وطنه في سبيل عقيدته، بيد أن الشريف لا ينحنى أمام الصغار ولا تفت في عضده التوافه، بهذا كانت الأمانة في دين الله ذروة وسناما لا يصل إليه إلا المتقون، الذين حبسوا أنفسهم عما حرم الله موقنين أن الأمانة في مجال الأعمال المهنية وغيرها هي للمسلم سمتا وعنوانا، واضعين نصب أعينهم أنها فضيلة عظمى لا يقدر على حملها والوفاء بحقها إلا عظماء الرجال الذين طاولوا بأنفسهم شم الرواسي من الجبال، فجسدوا بذلك قول الحق سبحانه وتعالى (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا) الأحزاب 72.



د. محمد عبد الرحيم البيومي
كلية الشريعة والقانون - جامعة الإمارات

اقرأ أيضا