الاتحاد

دنيا

«محفوظ» في الصدور والسطور بوعد من الله

القرآن الكريم أصدق وأدق وثيقة حفظت على مر التاريخ (أرشيفية)

القرآن الكريم أصدق وأدق وثيقة حفظت على مر التاريخ (أرشيفية)

اتفق العلماء على أن «المحفوظ» اسم من أسماء القرآن الكريم استناداً لقوله تعالى «بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ» (البروج الآيتان 21 و22) وقوله عز وجل «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» (سورة الحجر الآية 9) وقوله سبحانه «إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون» (الواقعة الآيتان 77 و78).


(القاهرة) - ذكر أصحاب «المنتخب» في تفسير القرآن الكريم حول هذه الآيات أن هذا القرآن العظيم جاء دلالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في لوح محفوظ لا ترقى إليه قوة بتحريف أو تبديل، ولأجل أن تكون دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالحق قائمة إلى يوم القيامة، لم ننزل الملائكة، بل أنزلنا القرآن المستمر تذكيره للناس، وإنا لحافظون له من كل تغيير وتبديل أو زيادة أو نقصان حتى تقوم القيامة، وإنه لقرآن كثير المنافع في اللوح المحفوظ، مصون لا يطلع عليه إلا المقربون من الملائكة، ولا يمسه إلا المطهرون وهو منزل من عند الله رب الخلق أجمعين، فالحفظ دائم قبل نزوله وبعد نزوله وإلى يوم الدين، فهو محفوظ في المصاحف وفي الصدور.

حفظ أبدي
ويقول الدكتور محمد داود ـ عميد معهد معلمي القرآن الكريم ـ لقد كانت مهمة حفظ كتب الرسالات والشرائح السابقة موكلة إلى أمم هذه الرسالات كجزء من التكليف لهم والاختبار لاستقامتهم في هذا التكليف، قال تعالى: «إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء» (المائدة الآية 44)، لكنهم فرطوا في القيام بتكليف الحفظ للكتب بالنسيان حيناً، وبالتحريف والإخفاء حيناً آخر، وحينما يحدث التحريف أو النسيان لهذه الكتب، يبعث الله عز وجل رسولاً جديداً بكتاب جديد.
أما عندما أراد الله سبحانه وتعالى ختم النبوات والرسالات بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، فكان لابد لحفظ كتاب الشريعة الخاتمة من حافظ لا يجوز عليه الإهمال، ولا يتأتى منه التحريف ولا يليق به النسيان، أي كان لابد من الحفظ المعصوم الأبدي لكتاب الله المعجز الخالد.

محفوظ من العبث
ولذلك انتقلت مهمة حفظ الوحي الخاتم - القرآن الكريم - في الرسالة الخاتمة إلى الله الذي لا يتخلف حفظه أبداً بعد أن كانت هذه المهمة موكلة للناس قبل ذلك، فكان الوعد الإلهي المؤكد «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون». ومن ثم هيأ الله سبحانه وتعالى، لتدوين القرآن الكريم من كتبة الوحي ما لم يتهيأ لكتاب سابق، وجعل جمعه وعداً إلهياً وإنجازاً ربانياً في قوله عز وجل «لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه» (سورة القيامة الآيات 16 و19)، وذلك حتى تستمر حجة الله على عباده، ويكون حسابه لهم عدلاً خالصاً، كما أن المولى تباركت أسماؤه، وعد بأن يورثه للذين اصطفاهم من عبادة بعد أن أنزله على المصطفى صلى الله عليه وسلم «والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير، ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ـ سورة فاطر الآيتان 31 و32.
ومن صفات القرآن إنه كتاب عزيز، محفوظ من العبث به أو فيه، وأنه ممتنع عن الإبطال، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بأي حال من الأحوال، وإنه لعلي حكيم، فوق تطاول المتطاولين، مكنون مصون محفوظ من اللعب والعبث والتحريف والتبديل والتغيير.

عزيز منيع
ولقد صدق التاريخ، على هذا الحفظ الإلهي لهذا القرآن المجيد فظل كما هو، منذ أن نزل به الروح الأمين على قلب الصادق الأمين، لم يتغير فيه حرف ولا رسم ولا حركة، وقد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرناً مرت فيها الأمة الإسلامية بأطوار من التراجع والانحطاط، وفقدت فيها الذاكرة الإسلامية ملايين المخطوطات التي أبادتها غزوات الطغاة، واندثرت فيها مذاهب وفلسفات، وظل القرآن الكريم عزيزاً منيعاً محفوظاً بحفظ الله خير الحافظين.
وقد ثبت تاريخياً، أن القرآن أصدق وأدق وثيقة حفظت على مر التاريخ، وتعاقبت جميع صور الحفظ على الإمساك بها وصيانتها، من كتابة في المصحف، وحفظ في الصدور، وتلاوة دائبة ليلا ونهاراً في الصلاة والتعبد به، ومراجعة لآياته في معرفة أحكام الشريعة، ويشهد القرآن نفسه شهادة قاطعة مثبتة في آيات متعددة منه ومتفرقة فيه، بالتحدي، ثم بالعجز عن القيام لهذا التحدي، وهذه حقيقة لا يجادل فيها أحد ولا ينكرها أحد من خصوم الإسلام.
إن تعلم القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وحتى يومنا هذا يقوم على التلقي مشافهة، إن كتابة القرآن كانت محدودة في نطاق ضيق من الصحابة هم كتبة الوحي، ولما جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه لم يكتف بما هو مكتوب، بل جمع من صدور الحفاظ.

توجيه رباني
ويقول العلماء إن رسالة الإسلام هي الرسالة العامة والخاتمة، والقرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية المنزلة من قبل الحق تبارك وتعالى، وقد تضمن مبادئ هذا الدين الحنيف وأهدافه السامية ومقاصده النبيلة، وغاياته المرجوة، ومن ثم فهو الكتاب الخالد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكي يتم ذلك على أكمل وجه وأتم صورة فإن الله تعالى قد أخذ على نفسه عهداً بحفظه، فلم يترك قرآنه العظيم وكتابه الكريم لقدرة البشر وإمكاناتهم لحفظه، ولكنه تكفل سبحانه بهذا العمل الجليل، أما البشر فهم فقط الأداة المنفذة لهذا الأمر الإلهي والتوجيه الرباني، فكلما تقدم العلم وزادت معطياته، كان ذلك في خدمة القرآن ووسائل حفظه ونشره في العالمين.



تسجيل وكتابة
يتضح ذلك تاريخياً من تطور وسائل هذا الحفظ، فمن حفظ في الصدور، إلى تسجيل وكتابة على سعف النخيل والعظام، إلى استخدام الأوراق لنسخ النسخ الكثيرة يدوياً، ولما اخترعت آلة الطباعة استخدمت في طبع المصحف الشريف، كما استطاع الأميون متابعة تلاوة القرآن شفوياً من خلال الإذاعة والتلفاز، أما التطور الأخير فكان النشر الإلكتروني من خلال تطور صناعة الحاسب الآلي واستخدام شبكة المعلومات، وهكذا تعددت وسائل الحفظ تنفيذاً لوعد الله تعالى، والقرآن خالد، يزيده التقدم العلمي رسوخاً في الإعجاز وقوة في التحدي، وهو أغرب تحد في التاريخ وأكثره إثارة للدهشة، فلم يجرؤ أحد على مر السنين الطويلة أن يواجه هذا التحدي، فكلمات القرآن صدرت من المنبع الإلهي.

اقرأ أيضا