الاتحاد

دنيا

الإسلام يولي الشباب اهتمامه ويضع منهجاً لتوظيف قدراته

يلعب الشباب دوراً في مجال الخدمة الاجتماعية تماشياً مع تعاليم الدين الحنيف (الاتحاد)

يلعب الشباب دوراً في مجال الخدمة الاجتماعية تماشياً مع تعاليم الدين الحنيف (الاتحاد)

أكد علماء الدين أن الإسلام أولى عناية بالغة بالشباب وعلى أكتافهم قامت ونهضت الدولة الإسلامية،‏ وأن الشباب هم طاقة الأمة الحيوية المتجددة وثروتها الحقيقية التي من خلالها تستطيع تجاوز المراحل الحرجة التي تمر بها،‏ وهو ما يتطلب العناية بالشباب والأخذ بأيديهم والاستماع إليهم وصقل مواهبهم واكتشاف قدراتهم وتوظيف هذه الطاقات‏، في خدمة أوطانهم.


(القاهرة) - أوضح علماء الدين أن الأمة الإسلامية يمثل الشباب فيها ما بين ‏55 ‏و‏60 %، وأنها أمة الشباب المتجدد،‏ عكس الأمم الأخرى التي يمثل كبار السن فيها الشريحة الأكبر،‏ وهو ما يتطلب النظر إليهم علمياً وعملياً وثقافياً وفكرياً وفتح المجال أمامهم لبناء مستقبل الأمة.

عماد الأمم
وحول مكانة الشباب في الإسلام يقول الدكتور مبروك عطية ـ الأستاذ بجامعة الأزهر‏ ـ‏ الشباب عماد الأمم،‏ وعلى أكتافهم تنهض الشعوب،‏ وعلى عاتقهم تقع المسؤولية الكبرى للنهوض بالمجتمع،‏ وقد أولى الإسلام الشباب عناية خاصة، ولذلك فإننا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «أوصيكم بالشباب خيراً،‏ فإنهم أرق أفئدة،‏ لقد بعثني الله بالحنيفية السمحة فحالفني الشباب،‏ وخالفني الشيوخ‏ « والذين كانوا حول النبي هم الشباب،‏ من أمثال معاذ بن جبل الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم «أعلم أمتي بالحلال والحرام» وكان قبل العشرين،‏ ومنهم زيد بن ثابت،‏ وكان من كتاب الوحي وهو ابن سبع عشرة سنة،‏ وأمره النبي أن يتعلم العبرية فتعلمها في خمسة عشر يوماً،‏ ومنهم الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري،‏ الذي جاء عارضاً نفسه على يد أبيه للجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن سبع عشرة سنة،‏ ومنهم عبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله، وعشرات آخرون كانوا قادة وسلمت إليهم قيادة الجيش الإسلامي مثل أسامة بن زيد وكان ابن ثماني عشرة سنة،‏ وكما اعترض بعض الناس على صغر سنه بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ونصح بعضهم أبا بكر خليفته بأن يعزله قال «أيوليه رسول الله ويعزله أبو بكر» ومشى الخليفة الكبير في السن على قدميه وأسامة راكب فرسه،‏ فقال له بأدب جم «إما أن تركب وإما أن أنزل»،‏ فقال أبو بكر «والله لن أركب ولن تنزل ومالي لا أغبر قدمي في سبيل الله ساعة» والعلماء والفقهاء يحللون موقف أبي بكر هذا بأنه أراد أن يقنع الناس بطريقة عملية بأن أسامة هو القائد ولا اعتراض عليه‏.‏

رأي الشباب
وكان صلى الله عليه وسلم يشاورهم ويسمع منهم، ففي يوم أحد لما جمعت قريش جموعها،‏ وجيشت جيوشها،‏ وخرجت في ثلاثة آلاف مقاتل متوجهين إلى المدينة ليثأروا لشرفهم الذي مرغ يوم بدر،‏ جمع النبي أصحابه،‏ وعرض عليهم الموقف،‏ فرأى الشيوخ البقاء، بالمدينة على أن تدور رحى المعركة في شوارعها ودروبها،‏ وبذلك يستطيع الصبيان والنساء أن يساهموا في المعركة،‏ وكان رأي الشباب أن يخرجوا لمناجزة القوم،‏ وقالوا لرسول الله‏‏ «اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا،‏ والله لا نطمع العرب في أن تدخل علينا منازلنا»‏ ونزل رسول الله على رأي الشباب،‏ وانسحب عبدالله بن أبي من جيش النبي متعللاً بنزول الرسول على رأي الشباب،‏ ورجع وهو يتمتم قائلاً‏:‏ أيعصيني ويطيع الولدان؟‏! وفي هذا اليوم المشهود ـ يوم أحد ـ وبعد أن أكد للشباب ذاته في الرأي،‏ أكد له أيضاً ذاته بالمشاركة الفعلية في ميدان القتال،‏ فسمح للبراعم المتفتحة من الشباب المؤمن أن تشارك في المعركة،‏ فأجاز سمرة بن جندب ورافع بن خديج وهما في الخامسة عشرة،‏ وكان قد ردهما لصغر سنهما،‏ فقال الصحابة‏:‏ يا رسول الله،‏ إن رافعاً رام يجيد الرماية فأجازه،‏ فلما أجازه قالوا له‏:‏ يا رسول الله،‏ إن سمرة يصرع رافعاً فأجازه‏.‏

مشاركة بالرأي والفعل
ويضيف د. مبروك عطية: وفي يوم الخندق أجاز رسول الله للقتال أسامة بن زيد،‏ وعبد الله بن عمر بن الخطاب،‏ وزيد بن ثابت،‏ والبراء بن عازب،‏ وعمرو بن حزم،‏ وكل هؤلاء لم يجاوزوا الخامسة عشرة‏، فقد وجه النبي جيشاً إلى بلاد الشام بقيادة الشاب المسلم أسامة بن زيد وهو في الثامنة عشرة من عمره،‏ وهذا الجيش يضم بين جنوده كبار الصحابة من أمثال أبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص‏، وكان عمر حتى بعد أن ولي الخلافة إذا رأى أسامة قال له‏:‏ السلام عليك أيها الأمير،‏ فيقول أسامة‏: ‏غفر الله لك يا أمير المؤمنين،‏ تقول لي هذا؟ فيقول عمر‏:‏ لا أزال أدعوك ما عشت الأمير،‏ مات رسول الله وأنت عليَّ أمير‏.‏
وهكذا نجد أن رسول الله يلقي على مسامع الأمة وأبصارها درساً عملياً في أن الشباب المسلم لابد أن تتحقق له ذاته،‏ ويفسح له المجال ليعبر عن نفسه من خلال أخطر الأعمال وأجلها،‏ ولقد وعى خلفاء رسول الله الدرس فكرموا الشباب،‏ واحترموا فكرهم،‏ وأشركوهم بالرأي والفعل في أعظم الأمور وأخطرها.‏
وقال إن الفتوة تعني القوة،‏ والشباب سن القوة،‏ وإن لم تستثمر هذه القوة في الخير فإن ألف يد من الشر تمتد إليها،‏ وعلى الأمة والحكماء والشيوخ وعلماء الدين والتربية والفلسفة والاجتماع أن يتوجهوا بجميع طاقاتهم إلى بناء الشباب،‏ بناء صحيحاً فكرياً ووجدانياً حتى يقوموا بمهامهم العضال في بناء الأمة،‏ والأخذ بيدهم نحو صالح الأمة الإسلامية، وما يحقق الخير للأوطان، فما ربى النبي شباب الأمة في صدر الإسلام إلا على الثقة والاطمئنان فقاموا خير قيام بما كلفهم به من واجبات فبنوا الدنيا وأقاموا الدين‏.‏

منهج محدد المعالم
ويشرح الدكتور مبروك عطية منهج الإسلام في تربية الشباب قائلاً: للإسلام منهج محدد المعالم في تربية الشباب،‏ يتمثل في التنشئة على الدين،‏ وفيها ما ورد في الحديث الصحيح عن السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله ومنهم شاب نشأ في عبادة الله،‏ والاهتمام بالأبدان والرياضة وتقويتها،‏ والدليل على ذلك دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى تعلم السباحة والرماية وركوب الخيل والتسابق بها وبالنوق،‏ وكانت ناقته صلى الله عليه وسلم يركبها الشباب ويدخلون بها السباق،‏ وثالث هذا المنهج دعوة الشباب إلى العفة لحديث: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة‏ فليتزوج...» ورابعاً تقديم رأيهم على رأي غيرهم إذا كان موافقاً لحال الأمة،‏ وأن يكون للشباب مثل أعلى من الشيوخ في خبرته وعلمه وحكمته بحيث يكون مثالاً يحتذى به عندهم،‏ فالشباب المسلم يعلم أن الكبير إذا كان منصفاً معبراً عن رأيه قدم الكبير وظل خلفه درعاً يحميه‏.‏
لذلك ليس المهم أن نعمل ضمن إطار الأماني والمشتهيات،‏ بل المهم،‏ أن نعمل ضمن إطار الممكن والإمكان وأن ندرس المشكلة التي تعترضنا ونعمل على حلها بخطوات متدرجة،‏ حتى نصل في النتيجة إلى المطلوبة،‏ وعلينا أن نساعد الجيل الصاعد على تفهم التدرج في بناء الإسلام،‏ وعلينا أن نعد الجيل الصاعد للعمل على بناء المجتمع الإسلامي،‏ بل على تجديد ذلك البناء،‏ وبهذا المخطط النبوي،‏ وبهذه الإرشادات السماوية،‏ نستطيع أن نسمو بالشباب، العنصر الفعال في المجتمع إلى العمل على تحقيق الخيرية لهذه الأمة التي أشار إليها قوله‏‏ «خير أمتي أولها وآخرها»‏ ولابد للوصول إلى هذه الخيرية من حسن استعمال جميع الوسائل الإعلامية والدعائية المعاصرة،‏ لتبليغ الدعوة من دعوة فردية وجماعية،‏ بالقول والكتابة والقدوة،‏ دعوة بالإذاعة والتلفزة والمحطات الفضائية‏.‏ وأمتنا في أشد الحاجة اليوم إلى أن تتعرف إلى الشباب ودوره وتوجيهه نحو بناء مستقبل الأوطان الإسلامية، ووضع البرامج التي من شأنها توظيف طاقات الشباب توظيفاً جيداً في خدمة الأمة والنهوض بها.

تولي المواقع القيادية
ووجه الشيخ محمود عاشور ـ عضو مجمع البحوث الإسلامية ووكيل الأزهر الأسبق ـ رسالة عاجلة إلى الشباب المسلم في كل مكان، طالبهم فيها بالتركيز على أوطانهم ومكانتها ومنزلتها بين الأمم، قائلاً: لا ينبغي لمسلم أياً كان أن يحارب أو يقتل مسلماً تحت أي بند أو سبب ولكن يجب أن نكون إخوة متحابين. كما طالب كل مؤسسات الدول الإسلامية بالاهتمام بالشباب وتعليمهم وتربيتهم وتوفير فرص العمل وتولي المواقع القيادية،‏ وأن تضع الدولة الشباب نصب أعينها خلال المرحلة المقبلة‏.‏
ويشير الدكتور محمد الشحات الجندي ـ الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ـ إلى أن الأمة تواجه موجات من الخلل في التفكير لدى البعض، خاصة من الشباب، نتيجة الجهل بالدين الإسلامي، فنجد البعض بدافع الحماس والتضليل الفكري والفهم المغلوط لحقائق الإسلام يلجأ إلى تصرفات تضر ببني وطنه أو أمته أو بأحد الأبرياء ويسقطهم ضحايا بحجة أن هذا عمل إسلامي ـ والإسلام منه بريء ـ ولا شك أن هذا الخلل أو الاضطراب في الفكر يتطلب أن يقوم العلماء بواجبهم نحو إصلاح هذا التفكير المغلوط لدى بعض أفراد الأمة واستبداله بأفكار صحيحة عن رسالة الإسلام في الكون والحياة‏. وناشد الجندي العلماء أن يتحملوا المسؤولية الملقاة على عاتقهم في توجيه الشباب وتوعيتهم،‏ ومحاربة الفتن وحماية المجتمع من هذا الخطر الذي يهدد الأمة بأكملها،‏ وأن يتعاملوا مع الشباب بفكر خلاق ينبع من أصالة الإسلام في بناء الشخصية وتربية وجدان المسلم على الانتماء لحب الدين والوطن وقبول الآخر والقسط في التعامل معه‏.‏

تغليب المصلحة العامة
ويقول الدكتور رأفت عثمان ـ‏ عضو مجمع البحوث الإسلامية‏ وعميد كلية الشريعة والقانون السابق ـ إن نصوص الشريعة الإسلامية تولي عناية بالغة بالشباب،‏ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته والإمام الذي على الناس راع ومسؤول عن رعيته،‏ والرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته،‏ ومسؤولية تربية الأولاد تقع على الأسرة منذ الصغر،‏ والشباب هم حصيلة هذه التوجيهات الأسرية،‏ فإذا أحسن التوجيه كان ذلك خيراً للمجتمع بل للفرد ذاته وأسرته. وحذر الدكتور رأفت عثمان شباب الأمة الإسلامية من بروز تيارات ودعوات مغرضة لبذر وغرس ونشر الاتهامات والخلافات والصراعات، مؤكداً أن الأمة الإسلامية باتت في أمس الحاجة إلى إحسان الظن وإعلاء شيم العفو والصفح ومراجعة النفس، وتغليب المصلحة العامة على الخاصة‏، وتلاقي المقاصد وإن اختلفت الوسائل‏، وإعلاء فقه الأولويات‏، أو فقه المصالح‏ والمقاصد‏، لدرء المفاسد التي تضر بالأوطان.



استغلال طاقات الشباب
يطالب الدكتور أحمد عمر هاشم ـ عضو مجمع البحوث الإسلامية ورئيس جامعة الأزهر الأسبق ـ بالتركيز على الشباب خلال المرحلة المقبلة ويقول: يجب أن تستغل تلك الطاقات، ومن الواجب الآن على كل مؤسسات الدولة أن تعنى بهذا الشباب،‏ وأن تكون هناك أدوار للدعاة ووسائل الإعلام والصفحات الدينية‏ في توعيتهم بالحفاظ على أوطانهم.

اقرأ أيضا