الاتحاد

دنيا

صياد النساء

(القاهرة) - اهتزت القرية كلها وتزلزل كيانها، وهي تتعرض لمثل هذا الحادث للمرة الأولى، فقد عثروا على جثة «صابرين» ملقاة وسط الزراعات بجانب أحد الطرق الفرعية التي تسير فوقها السيارات بصعوبة، ونادرا ما يمر بها إلا المعدات المستخدمة في الري والزراعة، وكان مستغربا أن تأتي القتيلة إلى هنا، فهي ليست من أصحاب الأراضي ولا مصلحة لها في المكان، وسرى الخبر بين الأهالي سريان النار في الهشيم، فقريتهم التي كانت آمنة مطمئنة سيطر عليها الرعب والفزع.
حضر رجال الشرطة وعرفوا أن «صابرين» مخنوقة بقطعة قماش هي على الأرجح غطاء رأسها، وهم أمام مهمة صعبة وجريمة غامضة تماما، فلا يوجد أي دليل يشير إلى مرتكب الجريمة أو يوصل إليه، ولم يحزن أحد على القتيلة، وإنما تأثر الجميع بهذه المصيبة وهم يتساءلون من الذي فعلها ولماذا؟ ولم يذرف أحد دمعة عليها لأنها لم تكن على علاقة طيبة بمعظم الناس، وكثيرة التشاجر مع جيرانها، فزوجها معروف بالانحراف والاتجار في المواد المخدرة وألقي القبض عليه ويقضي عقوبة السجن لذلك لم تشر أصابع الاتهام إليه، لكراهية الناس له ولها ولم يجد رجال الشرطة من يعاونهم في محاولاتهم لكشف غموض هذه الجريمة، ومن جانب آخر لا يوجد أي شخص لديه أي معلومات عن القاتل، وأغلق الملف مؤقتا لحين التوصل إلى مرتكب الحادث.
لم تمض سوى عدة أسابيع وتكررت الجريمة بصورة طبق الأصل، فقد عثر أهالي القرية على جثة امرأة أخرى لكنها هذه المرة ليست منهم وإنما تقيم في قرية مجاورة، وتم التعرف عليها من خلال تحقيق شخصيتها والبطاقة التي وجدت معها، وتبين أنها قتلت خنقا بغطاء رأسها، كما حدث مع «صابرين»، واستطاع رجال الشرطة أن يتوصلوا إلى أنها متزوجة من رجل عجوز يزيد عمره على الستين، بينما القتيلة لم تبلغ الثلاثين وأنها اعتادت التمرد عليه ورفضه، وعدم قبول الاستمرار معه، وأن الزوج المغلوب على أمره لم يستطع السيطرة عليها رغم أنه يغدق عليها بأمواله واشترى لها منذ أيام هاتفا محمولا جديدا كهدية في عيد ميلادها للتودد إليها، وأن هذا المحمول فقدته بعد مقتلها.
كان المحمول هو الخيط الأول الذي أمسك به رجال المباحث، فمن خلال الرقم المسلسل للجهاز والمراقبة تم التوصل إليه، وكانت المفاجأة أن تلميذة لا يزيد عمرها على ثلاثة عشر عاما هي التي تستخدمه، وبضبطها قررت أن والدها أهداه لها، فألقي القبض عليه ولم يستطع أن يبرر وسيلة الحصول عليه وبدأ يلقي بالمفاجآت في أقواله في التحقيقات ويعترف تفصيليا.
قال المتهم: اسمى «عبده» وعمري اثنتان وثلاثون سنة، كنت أعمل شرطيا، وسبق ضبطي في ثلاث قضايا سرقة وصدرت ضدي عدة أحكام فتم فصلي من عملي، وقضيت عدة سنوات خلف القضبان، وكنت خلال تلك السنوات متزوجا وانجبت طفلة، وبعد خروجي من السجن التقيت بفتاة عمرها عشرون عاما، سحرني جمالها وارتبطت بها عاطفيا، وملكت كل حياتي وأصبحت مجنونا بحبها وبعد جهد جهيد وافقت على الزواج مني، لكن المشكلة الكبرى هي أنني لا أملك شيئا بعد ضياع وظيفتي، ولم أجد أي عمل آخر يناسبني.
وافقت من أجلها على العمل سائقا أجيرا، لكن العائد اليومي لا يكفي احتياجات أسرتي الصغيرة، وبدأت ابحث عن طريقة لتدبير الأموال اللأزمة للزواج من محبوبتي، وجدت كل الأبواب مغلقة، إلى أن فوجئت بـ»صابرين» سيدة في الثلاثين من عمرها، تستقل السيارة معي وتطلب توصيلها الى السوق الكبيرة ومع الطريق الطويل تبادلنا أطراف الحديث كالمعتاد، وعرفت ظروفها وأنها تزاول تجارة الملابس والخضراوات للإنفاق على نفسها بعد دخول زوجها السجن، وأن هذه التجارة تدر عليها ربحا وفيرا يكفيها ويكفي للإنفاق على زوجها الذي لم يسلم من عبارات السب والقذف منها وهي تتحدث عنه لأنه تركها وحيدة، ولم تكن سعيدة معه بسبب قسوته وسوء سلوكه، فلا يمر يوم إلا وتكون له مشاجرة معها أو مع أي شخص آخر، حتى اعتادت هذه الحياة المكدرة، ولاحظت أنها تتحلى بكمية كبيرة من المجوهرات وتخيلت محبوبتي وهي تتزين بها، فجاءت إلى رأسي فكرة الاستيلاء عليها، ولكن كيف؟ لا أدري، وتواصل الحديث إلى الاتفاق معها على نقلها ببضاعتها بين الأسواق مقابل مبلغ معقول.
وفي المرة الثانية توجهت إليها، وفي الطريق كان الحوار اكثر ودا وانفتاحا بيننا، حتى فوجئت بها تبكي فمددت يدي لأمسح دموعها فلم تمانع، وهذا أعطاني الجرأة لأتوقف بجانب الطريق بحجة إعطائها الفرصة كي تهدأ، وغافلتها وخنقتها بغطاء رأسها بعد أن أوثقت يديها من الخلف، مستغلا خلو الطريق من المارة وسرقت ما معها من أموال ومجوهرات وألقيت بحاجياتها الأخرى في الترعة، ومارست حياتي بشكل طبيعي كأن شيئا لم يكن.
ويواصل «عبده» اعترافاته قائلا: أما «جيهان» تلك القتيلة الثانية، فقد استقلت معي أيضا السيارة، في نفس عمر سابقتها تقريبا، لكن عليها مسحة جمال، وفي عينيها حزن ظاهر، ومن خلال تعاملاتي المستمرة مع الركاب الذين يستقلون معي السيارة، أصبحت لدي خبرة في كيفية التعامل مع الرجال والنساء، وكيف استطيع أن افتح حوارا مع أي امرأة ولو من خلال الحديث عن غلاء الأسعار أو أحوال الطقس ان كانت حارة أو باردة، وعندما استقلت «جيهان» السيارة بجانبي وجدت فيها ترددا حول وجهتها فقد طلبت توصيلها إلى مكان، ثم عدلت عنه وطلبت التوجه نحو مكان آخر، وكان هذا هو المدخل الذي نفذت منه لفتح حوار معها مبديا استعدادي للذهاب بها إلى أي مكان تريد وفي خدمتها، وبالطبع كنت أتحدث إليها بكل رقة وبما يدغدغ مشاعرها ويجعلها تطمئن لي والحديث لا يخلو من جانبي من شهامة، ودعمته بدعوتها على مشروب في مكان عام فوافقت، وكانت تلك الموافقة هي الوسيلة التي جعلتني استدعي جرأتي وأحدثها عن نفسي أولا ولا مانع من ذكر بعض بطولاتي وصولاتي وجولاتي حتى لو كانت وهمية، وقد ازداد عجبها، أو إعجابها بي عندما علمت أنني كنت شرطيا، مع استنكارها لعملي هذا كسائق ثم عادت لتؤكد انه لا شيء يعيب العمل ما دام شريفا.
حدثتني هي عن نفسها، وقالت إنها تزوجت منذ عدة سنوات من عجوز في عمر أبيها، وتعترف بأنها أخطأت في الاختيار فقد اعتقدت أن أمواله ستعوضها فارق السن الشاسع فهي في سن بناته، ودفعها الفقر إلى ذلك وفي الحقيقة فإن هذه الزيجة كانت هي صاحبة القرار فيها ولم تخضع لأي ضغوط من أحد، ولكن وجدت نفسها في ورطة مع رجل لا يجمعها به أي تفاهم ولم تستطع التأقلم معه بأي حال من الأحوال، وهو يحاول أن يغدق عليها ليرضيها، ويتغاضى عن تصرفاتها، حتى أنها سرقت ما يملك من أغنام وماشية وباعتها، وعندما علم رفض اتهامها حتى لا يتم حبسها ويخسرها، ولا يتوقف عن تقديم الأموال والهدايا لها، كأنه يريد أن يستعطفها أو يستقطبها لكنها غير راضية حتى لو اعطاها الدنيا كلها.
هنا اختمرت في رأسي فكرة التخلص منها كما فعلت مع «صابرين» واتجهت بالسيارة الى طريق جانبي وخنقتها وسرقت مجوهراتها وأموالها والمحمول الحديث، ثم بدأت الاستعداد للزواج بمحبوبتي، ولكن ضاعت كل الآمال والأحلام وها أنا أعود إلى السجن مرة أخرى.
سأله المحقق، هل لديك أقوال أخرى؟.. قال: نعم طالما أنني ضائع ضائع، فإنني أريد أن أعترف بجريمة قتل ثالثة لسيدة أخرى، أرملة في الخمسين من عمرها، تعرفت عليها بنفس الطريقة، كأنني أصابتني لعنة من هذه المهنة، ولأنها تكبرني بسنوات، فلم افكر مطلقا في إقامة أي علاقة معها خاصة أنها ليست مغرية، ولا تملك أي جاذبية، إلا أنها استطاعت أن تستدرجني إلى بيتها، وقبل أن أقع في الرذيلة تمكنت من قتلها، وتسللت في الليل من دون أن يراني أحد، وبخبرتي من عملي السابق لم أترك خلفي أي دليل يمكن أن يوصل اليَّ ويكشفني، فقد قيدت القضية ضد مجهول، لكن ربك بالمرصاد، فها أنا اعترف بجريمتي طواعية، وقد حولتني النساء إلى سفاح، واستطاعة أربع نساء أخريات أن يفلتن من بين يدي ونجون مني.

اقرأ أيضا