الملحق الثقافي

الاتحاد

تحدي القراءة.. قاطرة المستقبل

فاطمة النعيمي الفائزة بالمركز الأول في تحدي القراءة العربي (تصوير راميش)

فاطمة النعيمي الفائزة بالمركز الأول في تحدي القراءة العربي (تصوير راميش)

د. حورية الظل

انطلقت ملحمة القراءة في العالم العربي والإسلامي ولن تتوقف أبداً، وبدأت فصولها المضيئة لما أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، مشروع «تحدي القراءة العربي» في شهر سبتمبر 2015، لتشجيع القراءة لدى الطلاب في العالم العربي باعتبارها أساس التقدم. ويوضح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أسباب إبداعه لهذا التحدي: «يمر العالم العربي اليوم بأزمة قراءة ومعرفة، والأرقام التي نسمعها في هذا المجال صادمة. نحن من أقل المناطق في العالم من حيث القراءة.. ونتائج ذلك التأخر المعرفي نراه كل يوم في التأخر الحضاري والفكري لمنطقتنا. وهذا التحدي اليوم هو خطوة أولى نتمنى أن يكون لها تأثيرها على المدى البعيد في إصلاح هذا الخلل». فهل حقق «مشروع تحدي القراءة العربي» بعضاً من أهدافه بعدما أنهى موسمه الأول؟ وهل جاء ليعلن عن انفراج أزمة القراءة في الوطن العربي؟
الإجابة: نعم؟ وذلك ما سأحاول تأكيده في هذا المقال.

يرى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن نجاح مشروع تحدي القراءة العربي رهن بالتزام أكثر من مليون طالب من الصف الأول إلى الصف الثاني عشر بقراءة خمسين مليون كتاب خلال العام الدراسي، لكن ما يُثلج الصدر ويؤكد أن الجيل الناشئ هو المعول عليه للإسهام في رقي الأمة حضارياً وفكرياً وإعادة الاعتبار للغة العربية، أن الطلاب كانوا عند حسن الظن ولم يُخلفوا الموعد، ففاق عدد المسجلين التوقعات ووصل إلى ثلاثة ملايين ونصف المليون طالب بدل مليون واحد، مؤكدين أن حب القراءة سهل الاكتساب.

المشروع الأمل
جاء «مشروع تحدي القراءة العربي» كغيث هطل على أرض جدباء، وسيكون مبكراً إذا قلنا إنه مسح وصمة تلك الإحصائيات المخجلة والصادمة حول زمن القراءة العربي، لكننا نتطلع إلى أن يكون التخلص منها تدريجياً، والخطوة الأولى بدأت هذه السنة، لما فاقت أرقام الذين قرؤوا خمسين كتاباً من الطلاب التوقعات، معلنين بذلك حملهم نبراساً سيضيء طريق المستقبل العربي، وما قاله مبدع المشروع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يؤكد ذلك: «تحدي الخمسين مليون كتاب هو خطوة أولى ستتبعها خطوات.. ومبادرة ستلحقها مبادرات، والهدف صنع جيل جديد وأمل جديد وواقع أفضل للجميع بإذن الله، ونحن اليوم نضع هذا التحدي أمام الميدان التعليمي العربي، وأمام الآباء والأمهات العرب، وأمام الأطفال والشباب العرب، وكلنا ثقة وإيمان بقدرتهم على تحقيق الهدف».
لقد بدأت بوادر تَحقُّق الهدف بتصالح الطلاب مع الكتاب، لأنه حسب المتنبي: «خير جليس في الزمان كتاب»، لذلك فهذا الكتاب الذي تم إهماله طويلاً هو من سيصنع لنا جيلاً مسلحاً بالعلم والمعرفة، قادراً على التفاعل مع العصر وعلى نشر قيم التسامح والمحبة، ونابذاً للعنف والكراهية والتطرف.

حصاد الموسم الأول
سأحاول في هذا المقام اقتسام تجربتي المتواضعة مع القراء حول مشروع تحدي القراءة العربي، فكما هو معروف فإن بالمغرب اثنتي عشرة جهة، وبكل جهة أكاديمية للتربية والتكوين، ولما تبنت وزارة التربية الوطنية المغربية مشروع تحدي القراءة العربي وأرسلت المذكرة للأكاديميات للبدء في تطبيقه بالمؤسسات التعليمية، تم تكليفي للإشراف على المشروع بالأكاديمية التي أشتغل بها بمدينة فاس، وأيضاً كنت عضواً في لجنة التحكيم في تصفيات المرحلة الثانية، فوقفت بالملموس على إيجابيات هذا المشروع، وعلى نتائجه المذهلة التي تحققت على أرض الواقع.
وبذلك يكون مشروع تحدي القراءة العربي قد أفشى بنجاحه لما رأيت الطلاب الذين هم المستقبل المعول عليه لبناء الغد العربي، وجعل ألوانه أكثر ألقاً، فرحين ومزهوين بقراءتهم لخمسين كتاباً، واثقين وهم يجلسون أمام أعضاء لجنة التحكيم التي كنت عضواً فيها، وكمْ سعدت وأنا أفاجأ بصفوف الفئة الأولى، أي الذين لم يتجاوزوا الصف الثالث يجيبون عن الأسئلة التي تُطرح عليهم بلغة عربية فصيحة، ولا يرتكبون أي خطأ في التعبير، ويُحيّدون كل كلمة ينطقون بها عن العامية، وإنْ أخطأ بعضهم في تركيب جملة أو في شكل كلمة، يسارعون لتدارك الأمر وتصحيح أخطائهم بأنفسهم، كما أن الكتب التي قرؤوها مكنتهم من امتلاك حس إبداعي ونقدي رغم صغر سنهم.
هذا عن مستوى صفوف الفئة الأولى من التعليم الابتدائي، أما بالنسبة للتعليم الثانوي التأهيلي، أي الصف العاشر والحادي عشر والثاني عشر، فكان مستوى التلاميذ مبهراً، فقرأوا للمفكرين وللفلاسفة وللعلماء الكبار العرب والغربيين القدماء والمحدثين، كما قرؤوا الروايات والدواوين الشعرية وحول الفنون وغيرها من مجالات المعرفة التي ستنير دربهم وترقى بفكرهم وتسهم في صنع مفكري الأمة العربية وعلمائها في المستقبل القريب، واللطيف في الأمر أن أغلب المشاركين من الفئة الأخيرة ينتمون للشُّعَب العلمية والفائز بالجائزة الأولى على الصعيد الوطني في المغرب من الصف 12 وتخصصه علوم فيزيائية، وكان من الطلبة الذين امتحنتهم، وأول كتاب قرأه هو كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد.
لذلك، فنصيحتي لكل الآباء والمدرسين، عدم تفويت فرصة تشجيع الطلاب على الانخراط في التجربة والمشاركة في «مشروع تحدي القراءة»، لأن لقراءة خمسين كتاباً نتائج إيجابية على نفسية التلميذ، وعلى ارتفاع نسبة تقديره لذاته، وتمكنه من اللغة العربية، وارتفاع منسوب ثقافته وحظوظه في النجاح والتفوق في دراسته، وتحييده عن مهالك الانحراف، وتعزيز قيم التسامح والمحبة والانفتاح الثقافي والفكري لديه.

التطرف يطلّ برأسه
وبما أن التطرف يبحث عن منافذ له في كل مكان، فلم يغب عن تحدي القراءة أيضاً، فقد لاحظت حالات وإنْ كانت نادرة ولا يقاس عليها، وربما غير مقصودة، لكن يُستوجب الانتباه لها، وتتمثل في قراءة بعض طلاب الصفوف الأولى من الفئة الأولى والثانية لكتب معظمها ينتمي للكتب الصفراء وكتب المتشددين، فهل اختار مشرفوهم وأسرهم ذلك النوع من الكتب أم أنه جهل منهم بقانون المسابقة القائم على تنويع الحقول المعرفية، وبخطر نوعية الكتب المقترحة.
إن التراث الديني العربي هو أعظم تراث عرفته البشرية، ولنا علماء ومفكرون لو اتبعنا خطواتهم لكانت أمتنا بخير، فهناك - كما يقول الباحث هاشم صالح - ثقافة دينية مستنيرة وعظيمة في تراثنا، ولكنها غائبة، أو مغيبة عن الساحة العربية عموماً. ولا وجود لها في برامج التعليم تقريباً. وأقترح بهذا الصدد تبسيط نظريات مفكرينا الأوائل عن الدين وشرحها بلغة عصرية وتقديمها كلقمة سائغة لأجيالنا الصاعدة، فإذا ما سيطرت عليهم كتب المتشددين، خرجنا أجيالاً من الجهلة المتطرفين.
إذن لا بد من تضافر الجهود لتمكين القراء الناشئين من كتب دينية مستنيرة يتم تبسيطها، كما اقترح هاشم صالح، خاصة ونحن نعيش فصولاً مظلمة من التطرف في العالم العربي، والمتطرفون ينتهزون الفرص كدأبهم في صنع الخراب، ويحاولون اختراق كل المجالات، فيندسون حتى في ما يراد به تكوين أجيال مستنيرة وقادرة على السير قدماً بأمتنا العربية.

بوادر انفراج
إن أزمة القراءة التي ازدادت حدتها في السنوات الأخيرة، قد تجلت بوادر انفراجها مع الدورة الأولى لمسابقة «تحدي القراءة العربي». إذن علينا نحن الكبار أيضاً العودة لحظيرة الكتاب، ولندَعْ جانباً خمولنا، وثقافتنا التي تهفو لاستهلاك كل شيء إلا المعرفة، وكرمنا الذي نبذله في كل شيء إلا في اقتناء كتاب، ولننه عقوقنا العربي للقراءة ولنعلن تصالحنا معها، ولنأخذ العبرة من الصغار ولنُبد الحماس الذي أبدوه، فقرؤوا خمسين كتاباً في زمن قياسي حُدّد في ثلاثة أشهر فقط بالمغرب، لأن الإعلان عن المسابقة وصلنا متأخراً، وأصر وزير التربية الوطنية المغربي أن ندخل التحدي رغم ضيق الحيز الزمني.
لنجعل من الكتاب ذلك الأنيس الوفي المخلص الذي يمنحنا نفسه في يسر، يخبئ أحرفه في دفء الصفحات، وفي أدمغة الحواسيب والهواتف، يمنحها لنا في كرم وفي بذل كريم، ليساعدنا على مسح أثر الجهل القاسي الذي يريد جرنا إلى قاع مليء بغيلان التخلف التي سنكون وليمتها المصطفاة، فتبتلعنا عن آخرنا، وهي تقهقه نكاية فينا. لذلك فإن مشروع تحدي القراءة العربي قد جاء بالبلسم الشافي المتمثل في غرس حب القراءة في براعمنا لتنمو وتزهر عِلماً، وتكون صانعة الغد العربي المشرق، خاصة أن جحافل الظلمة بدأت تغشى بعض أركان عالمنا العربي والعقول المكدسة بالجهل والتفاهات والتطرف، تنشر ظلالها الحالكة وتوزع الخراب والموت.
إذن، لنواصل التحدي الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لنضمن مكاناً للجيل الصاعد في بقعة نور العلم والمعرفة، والتي ستمكنه من تحقيق نهضة الأمة العربية، فلتستمر المدارس العربية في تبني «مشروع تحدي القراءة العربي»، وليدخله الصغار والشباب آمنين ومعولين على عدم النكوص أبداً، ودون نية التخلي عما بدؤوه، ولنا في نتائج أول موسم من التحدي عبرة، فكيف سيكون حالنا بعد عشر سنوات وعشرين وثلاثين من تطبيق مشروع تحدي القراءة العربي، وكم سيكون عدد الكتب التي قرأها طلابنا ونحن أيضاً؟ وكم سيرتفع مؤشر القراءة العربي؟
في ظل هذه التجربة الرائدة، لا نملك إلا أن نتفاءل خيراً بالمستقبل، ولنجعل الكتاب منارة تهدي الأجيال الجديدة لبر آمن، وتبدأ بالبناء، بناء مستقبل عربي زاهر، أساسه المحبة والتسامح.

المناطق النائية تخرج من قوقعة العزلة
كان الترحيب كبيراً بمشروع تحدي القراءة العربي، من قبل وزارة التربية الوطنية بالمغرب ومديري أكاديميات التربية والتكوين والأطر التابعين لها لوعيهم بأهميته، كما أن المشروع حقق رواجاً للكتاب ونفض عنه الغبار الذي علاه طويلاً، وهو على رفوف المكتبات متحسراً على حظه، ومن حسنات مشروع تحدي القراءة أيضاً فكّه العزلة عن طلبة المناطق النائية والقروية فمكنهم من البروز والتميز، لأن أغلب من فازوا في تصفيات المرحلة الثانية بالأكاديمية التي اشتغل بها ينتمون لهذه الفئة، فمشروع تحدي القراءة العربي كان فرصتهم للخروج من قوقعتهم وشكل متنفساً لهم ونافذة مكنتهم من الانفتاح على عوالم جديدة، والأكيد أنه سيفتح لهم أبواب المستقبل أيضاً لتحسين وضعيتهم.

المغرب: ربع مليون طالب
بلغ عدد الطلاب المشاركين في مشروع تحدي القراءة العربي بالمغرب ربع مليون طالب، ونُظّم حفل تتويج أبطال تحدي القراءة على المستوى الوطني بالرباط يوم 15 مايو 2016 ورعاه وزير التربية الوطنية والتكوين المهني في الحكومة المغربية رشيد بن المختار، بحضور الأمينة العامة للمشروع نجلاء سيف الشامسي، وسفير دولة الإمارات سهيل مطر الكتبي، وفاز بالتحدي طالبان اثنان هما: مروان حمدي من مدينة فاس وعلي مزي من مدينة طانطان، وسيشاركان في التصفيات النهائية بدبي في شهر سبتمبر القادم، كما تم تكريم المتبارين الذين احتلوا المراتب العشرة، والذين سيحضرون الحفل الختامي بدبي أيضا.

اقرأ أيضا