ثقافة

الاتحاد

بأية لغة يكتب أصحاب الألسنة المفلوقة؟

التواصل تحققه الترجمة (الصور من الأرشيف)

التواصل تحققه الترجمة (الصور من الأرشيف)

عبد السلام بنعبد العالي

«بأية لغة تتعين الكتابة ؟»، لست أنا الذي أطرح هذا السؤال، بل إننا نلفيه في كتاب «أتكلم جميع اللغات، لكن بالعربية». نعلم أن كثيراً من الكتّاب لا يكلفون أنفسهم طرح سؤال من هذا القبيل، فالكاتب يكتب عادة « باللغة الأليفة لديه، لغة أسرته»، كما يقول كيليطو الذي سرعان ما يتساءل: «لكن من هي أسرتنا؟ هل ننتمي إلى أسرة واحدة أو أكثر؟ هل لدينا أمّ واحدة؟ وما شأن الأب؟»، وقد ينتهي الكاتب بأن يعلن، على غرار الخطيبي، الذي نقرأ له في عشق بلسانين: «بما أنا ابن اللغة، فقد أضعت أمّي، وبما أنا ابن الازدواجية اللغوية، فقد أضعت أبي وسلالتي».

المسألة ليست بالتلقائية ولا اليسر اللذين تُطرح بهما عادة. فاختيار لغة بعينها أداةً للكتابة قد يحكم على الكاتب بالضياع، وعلى الكتابة بالفشل، أو، على الأقل، قد يؤجلها إلى حين. ذلك بالضبط ما حدث لصاحب تكلم جميع اللغات، وهو ما يؤكده في أحد حواراته الشيّقة التي ظهرت مؤخراً مع أمينة عاشور. فعندما سئل عن سبب تأخره مقارنة بزملائه الذين كانوا قد سبقوه إلى النشر، أجاب: «كانوا يعرفون بأية لغة عليهم أن يكتبوا، العربية أم الفرنسية، أما أنا فكنت متردداً بين اللغتين. وهكذا، فما كان منتظراً أن يكون مصدر غنى وثراء، تحوّل عندي عائقاً».

انتفاء البراءة
معلوم أن التردّد يفترض حرية الاختيار. لكن حتى إن افترضنا أن الكاتب حرّ في اختيار لغة كتابته، فيبقى السؤال مطروحاً في النهاية: كيف يتمّ النظر إلى اختياره؟ ذلك أن الاختيار ليس بالأمر البريء ولا الهيّن: :فهو يفترض مزاجاً وإحالات، يفترض تكافلا ما، هيئة معينة ووضعاً خاصاً: انظروا إليّ، شاهدوا من أنا!».
هذا الاتهام بعدم البراءة، هو الذي يجعل من يكتب باللغة الفرنسية عرضة لسؤال لا ينفك يوجَّه إليه: لماذا هذه اللغة؟ وغالباً ما يُرجعُ الأمرَ إلى الظروف التي تلقّى فيها تكوينه، وقد يضيف بأنه يرتاح إلى اللغة التي تحميه شيئاً ما من عواقب تخطي بعض التابوات، هذا إن لم يعترف بأنه لا يتقن غيرها. وعلى أية حال «فهو لن يقول لك بأن الكتابة بالفرنسية تحقق لكاتبها بعض الحظوة وتمنحه مزيداً من الاعتبار، وتمكّنه من جمهور مضاعف، وانتشار وَاسع».
إلى هذه الاعتبارات يضيف كيليطو اعتباراً آخر لعله أهمُّها جميعاً: «يمكن تصور افتراض آخر: الكتابة تجاوز للذات، حتى إن اقتضى الأمر أخذ مسافة مع اللغة الأم. فباستطاعة الكاتب أن يختار ــ لو توافرت له الإمكانات ــ اللغة البعيدة، الغريبة الأجنبية، كي يقترب من ذاته». وهو يسوق، مثالا على ذلك، حالة الخطيبي الذي تعني الكتابة عنده «هجران الذات والتحرر منها لاكتشاف عوالم جديدة».
ولكن، لم لا يُسأل من يكتب باللغة العربية السؤال نفسه؟ يردّ كيليطو: «عملياً، من يكتب باللغة العربية لا يتعرّض أبداً لهذا السؤال الماكر. لا أحد يستفسره لماذا يكتب بها، فالأمر لا يحتاج إلى دليل، الأمر طبيعي. ليس له أن يبرّره، وأن يبحث عن مشروعية لقراره اللغوي، فقد أحسن الاختيار». ثم يتساءل: «لكن، هل اختار بالفعل؟ وبصفة عامة، هل يختار المرء اللغة التي يكتب بها؟»، ذلك أنه ما إن يقع اختياره على لغة حتى يتبين أخرى مضمرة في ثناياها. فلو أنه كتب باللغة العربية سرعان ما يجد نفسه مستعملا الفرنسية، يتساءل كيليطو: «ما الحال بالنسبة لمن يكتبون بالعربية؟ إنهم كذلك، وبمعنى ما، ذوو لسان مفلوق، (أي أنهم مزدوجو اللسان) ليس فحسب لأنهم يتمكنون من اللغة الفرنسية إن قليلا أو كثيراً، ولأن بعض تعابير هاته اللغة ولويناتها تتسرّب إلى نصوصهم، وإنما خصوصاً لأن نماذجهم الأدبية هي نماذج فرنسية في جزء منها». هذا إن لم نذهب أبعد من ذلك ونؤكد مع كاتبنا الذي يعترف في أحد حواراته أنه «اكتشف الأدب الفرنسي» بفضل اقتباسات المنفلوطي، فنقول إن العربية لا تكون فحسب أداة تعبير، وإنما أيضاً طريقاً إلى نصوص كتبت بغيرها.
أما إن استعمل الكاتب اللغة الفرنسية، « فسيكون مثل كل الفرنكوفونيين الذين يصرّون على كونهم يتكلمون اللغة العربية وكون إنتاجاتهم تعكس ذلك. صحيح أنهم يكتبون بالفرنسية، إلا أنهم يؤكدون أنهم لا يغفلون العربية. فهم يدْعُون إذاً إلى قراءة نصوصهم كما لو كانت طروساً، فوراء الحروف الفرنسية، هناك حروف عربية». وهكذا «يَطْمَئِنُّون إلى أن الأرضية العربية أو الأمازيغية لا بد وأن تتجلى آثارها. وسيكون من غير المقبول بالنسبة لقرائهم، أن يكون الأمر خلافَ ذلك، وأن تمّحي مرجعية المولد».

نار العربية الدفينة
يذهب كيليطو أبعد من هذا في حواره مع عاشور، فهو يؤكد: «المفارقة هي أن من يكتبوا باللغة الفرنسية، يكونوا تحت تأثير اللغة العربية أكثر من أولئك الذين يستعملون العربية، هذا على وجه التقريب ما ينبه إليه إدموند عمران المالح عندما يكتب:»وأنا أكتب باللغة الفرنسية كنت أعرف أنني لا أكتب بها. هناك لغة أخرى مضمرة، إنها لغتي الأم، العربية، تلك النار الدفينة».
لعل هذا ما يدفع بعضَ المؤلفين إلى أن ينهجوا نهجاً بين- بين فيختاروا حلا وسطاً: يحرّرون دراساتهم ومحاولاتهم النقدية بالفرنسية أو العربية من دون تمييز، أما أشعارهم أو رواياتهم فيكتبونها حصراً بالعربية. هذه حال عبد الله العروي. لعلكم تخمنون أنها لن تكون حال عبد الفتاح كيليطو، لكون هذا التمييز يفترض فصلا واضحاً بين النقد والسرد، الأمر الذي يتعذر شيئاً ما في حالته. وعلى أية حال فإن افتراض نصوص تكون فيها مسألة اللغة مسألة عرضية، و أخرى مرتبطة بلغة بعينها ارتباطاً ضرورياً أمر قد لا يجد تبريره المتيسّر.
فضلا عما سبق، فإننا إذا نظرنا إلى هذه الرابطة بين اللغة والكتابة من وجهة نظر معينة ربما بدت رابطة واهية. ذلك أن من الكتّاب من يختار اللغة (البعيدة) طريقاً إلى الاقتراب. فـ «ربما تكون الكتابة بالضبط هي أن نضل اللغة؟». هذا ما يذَكرنا به كيليطو في الحوار المشار إليه، يقول: «أليست الكتابة استبدالا للغة؟ أليست، أوَلا ينبغي أن تكون، كما أشار إلى ذلك بروست، كما لو أنها تمَّت بلغة أجنبية؟ ألسنا غرباء بعدُ حتى عندما نكتب بلغتنا؟ مع الكتابة نعتمد شفرات ونتّبع قواعد أدبية ونتخذ مواقف ونتبنى نغمة وننهج أسلوباً، فهل أكون أنا نفسي عندما أكتب بالعربية أو الفرنسية؟ «فاللغة هي التي تتكلم فينا C›est la langue qui parle en nous «. الكاتب إذاً (ابن اللغة)، إنه مثل سارد الخطيبي الذي يقول في عشق بلسانين: «من تبنّ إلى آخر، أعتقد أنني ولدت من اللغة ذاتها».
ها نحن نرى أن سؤالنا المنطلق «بأية لغة تتعين الكتابة؟» قد غيَّر من قطبيته. لقد ظهر ذلك السؤال بدايةً كما لو أنه يفترض أن الكاتب هو هو وأن المتغيّر هو اللغة، وها نحن نتبين «أن اللغة تتكلم فيه، وأنه هو الذي لا يكون هو نفسه عندما تتغيَّر اللغةُ التي يكتب بها».
وبعد...فبأية لغة يكتب أصحاب الألسنة المفلوقة؟
عندما سئل إمبرتو إيكو مرة: ما هي لغة أوروبا؟ التي لم ترفع قط، كما نعلم، شعار التوحيد اللغوي على غرار التوحيدات الأخرى، ولم تنشئ سوقا أوروبية لغوية، ردّ قائلا: «لغة أوروبا هي الترجمة». يبدو إذاً أن الترجمة هي لغة التعددية، لغة أصحاب الألسنة المفلوقة، ولكن شريطة أن ندرك أن التعدّد ليس تساكناً بين عدة أشكال للأحادية اللغوية plusieurs monolinguismes.
في كتاب أمينة عاشور أجاب كيليطو عن سؤال عن كتاب الغائب: «بعد أن كُتبَتْ هذه المحاولة بداية باللغة الفرنسية، عَرفتْ عدة ترميمات، واتخذتْ صورتَها النهائية باللغة العربية، على الأقل وقت نشرها». تبدأ الكتابة إذاً بلغة لتنتهي بأخرى. إنها لا تُنجز، لا أقول إلا بعد أن تترجم، وإنما تنجز في/ وبـ حركة ترجمة. تنجز في خضم ترجمة. ربما كان هذا هو واقع الكتابة، فهي ليست ممكنة إلا في خضم ترجمات.
تسأله عاشور: «ألا يحصل أن تترجِم أنت نصوصك؟» فيردّ: «تلك، على وجه التقريب، هي طريقتي في العمل: كثير من نصوصي التي نُشرت بالعربية كتبت في البداية بالفرنسية، والعكس. فالنصوص التي تؤلف كتاب (les Arabes et l›art du récit) توجد في معظمها في الأدب والارتياب، هناك ذهاب وإياب لغوي بين الكتابين إلى حدّ أنني لم أعد أعرف أيَّهما كُتب الأوّل».
تُقحم الكتابة إذاً في حركة استنساخ إلى حدّ أن صاحبها نفسَه يعجز أن يتبيّن النصّ – الأصل واللغة المنطلق. ألا تسمح لنا هذه البيْنِية أن نقول عن علاقة أصحاب الألسنة المفلوقة بلغات الكتابة ما قاله سارد الخطيبي عن عشيقته الفرنسية: «ما كان يبدو أنه يوحّدنا هو حركة ترجمة استثنائية»!

ضد التجانس
كتب دولوز: «علينا أن نكون مزدوجي اللغة حتى داخل لغة بذاتها: علينا أن نحوز لغة أقلية داخل لغتنا نفسها بالذات، علينا أن نستخدم لغتنا نفسها استخداماً أقلياً. ليست التعددية اللغوية حيازة نظم عديدة يكون كل واحد منها متجانساً في ذاته فحسب، بل هي، أوَّلاً، خط الهروب أو التنويع الذي يمسّ كل نظام مانعاً إياه من التجانس».
ليست التعددية إذاً هي أن نكون أمام كثرة من اللغات، وإنما هي أن تتشابك هذه اللغات في عمليات ترجمة.

اقرأ أيضا

حيدر التميمي لـ«الاتحاد»: «علم الكلام» ضروري لتجديد الثقافة والفكر