ثقافة

الاتحاد

حلب.. مدينة تصنع مصيرها

حلب.. المدينة القديمة عام 1993 (أرشيفية)

حلب.. المدينة القديمة عام 1993 (أرشيفية)

سوسن جميل حسن

في شمال غرب سوريا، بحسب آخر تقسيم سياسي للمنطقة أقرته معاهدة سايكس بيكو، توجد أرض حضنت نشاطاً بشرياً عريقاً تطور منذ بضعة آلاف من الأعوام، هي مدن وقرى أثرية سورية تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظتي حلب وإدلب. وهي من أكثر تجمعات المناطق الأثرية في العالم يعود بناؤها إلى الفترة بين القرنين الأول والسابع للميلاد وأحياناً حتى القرن العاشر وهي من المناطق الهامة في تاريخ المسيحية، وقد بلغ عددها 800 موقع وقرية، إنها «المدن المنسية» التي خصصت لها الحكومة السورية مهرجاناً اقتصر على إقامة الحفلات والغناء والولائم، كان يسمى «مهرجان المدن المنسية». في قلب هذه البقعة الجغرافية التي تسمى جغرافياً الكتلة الكلسية، كانت بداية نهوض مدينة لا زالت مأهولة إلى اليوم، إنها حلب التي يعود تاريخها كمدينة إلى أكثر من خمسة آلاف عام.

إذا كانت المدن لا تختار أقدارها، فإن حلب مدينة تختار مصيرها، وليس تاريخها القديم والحديث إلاّ برهاناً على امتلاكها لمصيرها. ليس العدوان المتعدد الذي تتعرض له اليوم هو الأول في تاريخها، وليست المطامع المنقضّة عليها ومحاولات امتلاكها وتطويعها هي الأولى، وليست الكوارث الطبيعية التي وقعت فيها بقليلة، فحلب مرّت فيما مضى بتجارب كبيرة أضعفتها لكنها نهضت من جديد لأن النسيج المجتمعي الحلبي يعيش وفق ثقافة تفهم الحياة وتقديرها وتسعى إلى إثرائها وتعمل على ازدهارها المتنامي.
في التاريخ
تصارعت على حلب إمبراطوريتان عاتيتان لمدة طويلة، فكانت تسقط في يد واحدة ويعود التاريخ ليسجل دورة جديدة فتسقط بيد الأخرى: امبراطورية الفرس الساسانيين وامبراطورية الروم البيزنطيين خلال القرن السابق لظهور الإسلام.
فبعد أن تمكن كسرى أنو شروان من اجتياح بلاد الشام وتدمير مدنها عام 540 للميلاد، فدمّر أنطاكية التي كانت عاصمة سورية مثلما دمّر حلب ومحيطها.
كانت الحروب ا?شد وا?عنف في مطلع القرن السابع الميلادي، وذلك حينما تمكن كسرى أبرويز من إلحاق هزائم متتالية بالبيزنطيين، فوصلت جيوشه إلى البوسفور واحتل مصر وبلاد الشام. دامت هذه الحروب ربع قرن حتى 628 للميلاد. وأدت إلى دمار واسع وتخريب المدن وقطع أشجار الزيتون التي كانت تعتبر مورد الرزق الرئيسي لسكان المنطقة، وكذلك الكروم.
ثم تمكن هرقل البيزنطي من ا?لتفاف حول الجيوش الساسانية عبر البحر ا?سود. واستعاد ما كان الفرس قد احتلوه.
ثم بدأت الفتوحات الإسلامية تزيد من رقعة الدولة الواعدة، فهزم الروم في معركة اليرموك، والفرس في معركة القادسية ونهاوند. وكانت حلب قد فتحت بقيادة خالد بن الوليد، ووصلت أوج ازدهارها في عصر سيف الدولة الحمداني.
لكن حلب والمنطقة الكلسية التي تنهض عليها تعرضتا من جديد لتدمير آخر حينما اجتاح نقفور فوكاس البيزنطي حلب وما حولها عام 962 للميلاد، في عصر الدولة الحمدانية، ولقد شهد التاريخ على الهمجية الفظيعة في التدمير والنهب والقتل والسبي والتهجير، مثلما لو أن التاريخ يعيد المشهد اليوم، وأخذ اثني عشر فرداً من شباب المدينة ليستخدمهم بأعمال السخرة في القسطنطينية مثل العبيد.
أما في التاريخ الحديث، فقد كان لديها ضربات موجعة، بعد فتح قناة السويس تحولت التجارة إلى البحر، بعد أن كانت حلب موقعاً تجارياً استراتيجياً هاماً، وكانت طريق الحرير تنتهي إليها. أما الضربة الأكبر فهي التي وقعت بعد سقوط الخلافة العثمانية وبعد الحرب العالمية الأولى عندما سلخت عن حلب أجزاؤها الشمالية وضُمت إلى تركيا عام 1920 بالاتفاق بين أتاتورك وسلطات الانتداب الفرنسي. فخسرت حلب التجارة مع مدن هذه الأقاليم خاصة المدن التي كانت تابعة لولاية حلب تاريخياً كعنتاب ومرعش وأضنة ومرسين. ثم جاء سلخ لواء إسكندرون ليحرمها من نافذتها البحرية.
في الفن والحياة
معروف أن الازدهار الاقتصادي يلازمه ازدهار حياتي ومجتمعي، والمجتمعات النشيطة سوف تقدم منتجها الثقافي ولا بدّ أن موقع حلب الاستراتيجي بالنسبة للتجارة على مرّ التاريخ ساهم في تلاقح الثقافات، وزاد من ازدهار فنونها وآدابها، وأثر تأثيراً فاعلاً في خلق ثقافة حياتية تخص مجتمع هذه المدينة. ثقافة عنوانها الأساس هو الحياة وطرق صونها وجعلها مزدهرة على الدوام.
ليست حلب عاصمة اقتصادية لسورية فقط، بل هي عاصمة الموسيقى والطرب. مدينة أنجبت موسيقيين وشيوخ طرب، وأنتجت موسيقاها ذات الأصالة بانية على تراث حرصت على أن تحييه وتستثمر ما يقبل الحياة فأنتجت وأزهرت، لا يمكن لها أن تموت، بل ستبقى عاصمة للطرب وصانعة للازدهار.
يقول الكاتب إياد جميل محفوظ في كتابه قيد الطبع «بيوت الخفاء في حلب الشهباء في القرن العشرين»: ولمّا كان مزاج أهالي حلب لا يستقيم إلّا مع وجود الطرب والقدود الحلبية استدعى الأمر أن يكون للخوجات سوقٌ رائجة في المدينة. والخوجات هنّ صاحبات فرق غنائية تشكّل الشكل الأبسط والأكثر شعبية للطرب وليالي الأفراح والسمر في حلب، «غالباً ما يقتصر عمل جوقات الغناء على إحياء أعراس النساء، وما أكثرها في حلب». كما أن ثمة أغنيات، وقدوداً، منسوجة على قياس حفلات أعراس النساء، تنشدها الخوجة بدلال وغنج. ويقول أيضاً: انتعشت المسارح الغنائية في المدينة في بدايات العقد الثاني من القرن العشرين.
وهو إذ يتعرض إلى هذا النشاط فإنه يقول: يبدو أن دخول المستعمر الفرنسي إلى سورية في عام (1920)، أعطى دفعة كبيرة لقطاع المسارح الفنية والمقاهي الليلية في سورية بشكل عام، وفي حلب على وجه الخصوص. على أنه ينبغي لنا الإشارة إلى أن هذه الظاهرة تطورت ونمت في مسارين مختلفين.
الأول في مجال الفن الرفيع، والطرب الأصيل الذي اشتهرت به حلب منذ الأزل. إذ لا يخفى على أحد تنافس عمالقة الطرب بالوطن العربي في نيل شرف الغناء فوق مسارح حلب في النصف الأول من القرن العشرين. وفي مقدمتهم الفنان الكبير (محمد عبد الوهاب)، وكوكب الشرق (أم كلثوم). لإظهار براعتهم أمام جمهور حلب العاشق لضروب الطرب، والفن الأصيل.. وفي هذا حكايات كثيرة باتت معروفة للقاصي والداني.
أمّا المسار الثاني فيتقفى آثار الفن التجاري، وما يتعلق بالمرابع الليلية.. وسرعة انتشارها في المدينة، ورواجها في الفترة نفسها. ومنها الكازينوهات الراقية التي كانت تؤمها النخبة من العائلات السورية والفرنسية. إذ إنها دأبت على استقدام الفرق الفنية الاستعراضية العالمية.
لا يمكن الحديث عن جوانب النشاط الموسيقي والطربي كلها، إنما من المهم التركيز على أكثرها خصوصية لناحية البصمة الحلبية في مجال الإبداع الغنائي والموسيقي، على أهمية كل الجوانب الأخرى، والتي إن دلت على شيء، فإنها تدل على قدرة الشعب الحلبي على الاستمتاع بالحياة واستثمارها وجعلها دائمة الإزهار.
فبعد عصر الانحطاط تراجعت الموسيقى كثيراً بعد هيمنة الثقافة التركية، لكنها عادت وازدهرت بإصرار مبدعي حلب ومواهبهم، فصارت القدود الحلبية نوعاً غنائياً يشكل علامة حلبية بامتياز، ولها مقامها المميز في تاريخ الموسيقى وكل الدراسات الخاصة بها.
تطوير الموسيقى
مثلما تلاقحت الثقافات والموسيقى في حلب، كان للحلبيين دور في تطوير الموسيقى في الوطن العربي عن طريق سفر شيوخ الطرب فيها وموسيقييها إلى باقي الدول، مثل الشيخ الحلبي علي الدرويش (1884- 1952) العالم الموسيقي والملحن والعازف المختص بآلتي الناي والقانون، والذي علّم الموسيقى ثلاث سنوات في معهد الموسيقى في القاهرة حتى عام 1931، والذي تعلّم على يديه كل من السنباطي ومحمد عبد الوهاب وعازف الناي الشهير عزيز صادق. ولا يمكن أن ننسى القامة الإبداعية أبو خليل القباني ومارون النقاش اللذين أسسا المسرح الغنائي الدرامي، وسافرا إلى مصر، كانا قد تعلما الموسيقى على يد الموسيقي الحلبي أحمد عقيل (1813-1903) وهو من رؤساء الذكر والمنشدين العريقين. كذلك الموسيقي عمر البطش الذي تتلمذ عنده سيد درويش وتعلم أصول العزف أثناء إقامة لمدة سنتين في حلب لهذا الغرض.
يمكن استذكار أسماء وأسماء، ساهمت وطوّرت فن الموسيقى والطرب في حلب وفي الموسيقى العربية بشكل عام، ندعو للمبدع صباح فخري بدوام الصحة والعمر المديد، فلا زال بأدائه وما قدّم للغناء والطرب من إبداعات خارقة حاضراً بيننا، كما لا زال هناك العديد من الفرق وشيوخ الطرب يحملون على عاتقهم حفظ هذا الإرث الثقافي الإنساني الثمين، كفرقة «نوا» على سبيل المثال، التي أسّسها ويديرها الفنان إبراهيم مسلماني. تهتم هذه الفرقة بإحياء ونشْر المُوَشّحات والقدود بنوعيها: الديني والغزلي، وتوثيق فصول من الذِكر المتوارَث في حلب، وذلك بعد مقارنة الوثائق المدوّنة قديماً بالمتواتِر الشفهي، لتقديمها بأقصى أمانة ممكنة، مع المحافظة على الروح والفطرة في أدائها.
مدينة تحمل هذه الروح، لا يمكن أن تستسلم، ستبقى مصرة على المقاومة والتحدي والنهوض من عثراتها ومن تحت رمادها كما نهضت من كوارثها قبل اليوم. حلب ستبقى عاصمة الطرب والموسيقى، وعاصمة الحياة.

سيبوني يا ناس
القدود هي: «منظومات غنائية أنشئت على أعاريض وألحان دينية أو مدنية، بمعنى أنها بُنيت على قد، أي على قدر أغنية شائعة، إذ تستفيد من شيوعها لتحقق حضورها، ومن هنا جاء اسم القد».
القد الشعبي وهو عبارة عن منظومات غنائية متوارثة، معظمها مجهول المؤلف، وبعضها معروف، مثل يا طيرة طيري يا حمامة لأبي خليل القباني، وسيبوني يا ناس لسيد درويش.
والقد الموشح عادة يكون مبنياً على نظام الموشح القديم من حيث الشكل الفني وبصياغة جديدة. وله ثلاثة مصادر:
الموشحات والأناشيد الدينية المتداولة في الموالد والأذكار، هل نذكر» تحت هودجها وتعانقنا، صار ضرب سيوف يا ويل حالي/ يا إمام الرسل يا سندي.. أنت باب الله معتمدي» . الأغاني الشعبية والفولكلورية والتراثية، والأغاني والموشحات الأعجمية التركية والفارسية على وجه الخصوص.


اقرأ أيضا

كورونا و«الحياة عن بُعد» في «الناشر الأسبوعي»