ثقافة

الاتحاد

ميشيل أونفري.. الفيلسوف المشاغب

هاشم صالح

إذا كان هناك من فيلسوف مشاغب في فرنسا فهو ميشيل أونفري. وعلى الرغم من أنه من مواليد 1958 فقط، أي صغير السن قياساً إلى عمر الفلاسفة الآخرين، إلا أنه يحتل مكانة ضخمة في بلاد موليير وفولتير، ويحظى بشهرة واسعة جداً منذ عشر سنوات على الأقل. وربما كان السبب يعود إلى أنه يمشي عكس التيار، ويلفت إليه الأنظار بوساطة الاستفزازات ورغبته في تطبيق مقولة: خالف تعرف. إنه يجد سعادة بالغة في تحدي الجميع تقريباً. ولكن هذا لا يكفي لترسيخ شهرة المثقف. فالرجل يتمتع بمواهب لا تنكر وبطاقة فلسفية حقيقية. يضاف إلى ذلك أنه كاتب من الطراز الرفيع وذو أسلوب مشوق على عكس بعض الفلاسفة الآخرين ذوي الأسلوب الجاف الرديء.

اشتهر أونفري بسلسلة طويلة عريضة بعنوان: قصة مضادة لتاريخ الفلسفة. وفيها ركز على الفلاسفة الهامشيين المهملين عموماً من قبل التعليم الجامعي الرسمي الذي لا يركز إلا على المكرسين من أمثال ديكارت وكانط وهيغل إلخ. ولكنه ارتكب سقطة مريعة بعد تفجيرات باريس الكبرى بتاريخ 13 نوفمبر عندما صرح بأن على فرنسا أن تكف عن قصف المسلمين لكي تتوقف «داعش» عن ارتكاب التفجيرات في قلب باريس. هذا التصريح الذي التقطته «داعش» واستشهدت به كبرهان على صواب موقفها، وضعه في حرج شديد أمام الرأي العام الفرنسي. وانتهز أعداؤه، وفي طليعتهم برنار هنري ليفي، الفرصة لتسديد الضربة القاضية له. وهاجت عليه الهوائج. وانهالت عليه عاصفة من الانتقادات القاسية. فقرر الانسحاب من الساحة العامة وإغلاق حسابه على «تويتر» بعد أن شعر بأنه تجاوز الخطوط الحمر والصفر وارتكب غلطة حقيقية. ولكل جواد كبوة كما يقول المثل العربي. إنها غلطة الشاطر. ولكنه لم يتراجع عن موقفه ولم يعتذر. فقط قال بأنه منذ الآن فصاعداً سينسحب من الساحة الثقافية الباريسية ويلتزم الصمت معتكفاً بين جدران مكتبه، ورافضاً لأي مقابلة تلفزيونية أو أي تدخل إعلامي كائناً ما كان. وصدقناه واعتقدنا لفترة من الزمن أنه مات! أو أصبح طي النسيان. ولكنه سرعان ما عاد إلى الساحة مجدداً، ولم يستطع الغياب عن الأضواء أكثر من أسبوعين أو ثلاثة. وعلى الرغم من تصريحه بأنه لا يمكن إقامة أي مناقشة جادة في فرنسا حول هذا الموضوع الحساس، إلا أنه قال بأنه لن ينسحب من الحياة العامة، ولن يترك الساحة لأعدائه لكي يصولوا فيها ويجولوا كما يشاؤون ويشتهون على أنقاضه.

أونفري بين ليفي ورمضان
أثناء انسحاب أونفري النسبي، راح منافسه اللدود برنار هنري ليفي يحتل الساحة الإعلامية بكتابه الجديد عن «روح اليهودية» أو عبقرية اليهودية. كل الجرائد والمجلات الباريسية راحت تنشغل به عن بكرة أبيها. هذا ناهيك عن الإذاعات والفضائيات التلفزيونية. إنه يستطيع أن يجيش فرنسا المثقفة بأسرها في لمح البصر. إنه يمتلك أقوى شبكة علاقات عامة في تاريخ فرنسا. ولكن تطرفه في التعصب الأعمى لطائفته وجماعته يرتد وبالاً عليه. على الرغم من أن الكتاب ليس غبياً على الإطلاق، بل ويحتوي على صفحات لامعة لا تنكر وتستحق القراءة والاهتمام، إلا أن وجهة النظر المتحيزة تضر بموضوعيته. وقد وصل الأمر بطارق رمضان إلى حد اتهامه بأنه العميل الثقافي الأكبر للموساد في فرنسا وكل أنحاء العالم. ومعلوم أن المفكر الإسلامي الشهير هو الآخر عدو لدود لبرنار هنري ليفي. وقد كان ذكياً في تفكيك كتاب هذا الأخير عندما لخصه بعبارة واحدة: روح الصهيونية تقضي على روح اليهودية! بمعنى: أن اليهودية كدين كبير تستحق كل إعجاب واحترام، ولكن الصهيونية كمشروع لاحتلال أراضي الغير بالقوة شوهت صورة اليهودية وأساءت إليها بما لا يقاس. لا يعني ذلك أن طارق رمضان يدعو إلى تدمير دولة إسرائيل، فهو يقر صراحة وعلى شاشات التلفزيون بمشروعية وجودها في المنطقة. ولكنه يرفض استمرار سياسة التوسع والاستيطان السرطاني على حساب الشعب الأصلي للبلاد. فهل هذا كثير يا ترى؟ هل ينبغي أن يطمس الحقيقة كلياً لكي يرضوا عليه؟ لا أعرف كيف سيرد عليه برنار هنري ليفي بعد هذه الضربة الموجعة ولا أقول القاضية. لقد عرف كيف يمسكه تماماً. ومعلوم أنه في المصارعة الحرة، فإن أفضل شيء هو أن تتمكن من الإمساك بالخصم في نقطة الضعف التي يعاني منها. والمصارعات الفكرية لا تقل ضراوة عن المصارعات الجسدية على طريقة محمد علي كلاي وسواه. لا أحد يرحم أحداً. هذا لا يعني أني متفق مع طارق رمضان على كل شيء. ولكن ينبغي الاعتراف بأنه حقق انفتاحاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة على الفكر الفلسفي، وخرج إلى حد لا بأس به من عقلية الإخوان المسلمين المتحجرة.. قد لا يكون هذا الانفتاح كافياً بالنسبة لنا نحن الحداثيين الذين خرجوا كلياً من تلك العقلية القروسطية المضادة لحركة التاريخ ولتطور المجتمعات العربية. ولكنه تطور إيجابي جداً، إذ يصدر عن حفيد حسن البنا بالذات. وبالتالي فلنعط لكل ذي حق حقه. أعتقد أنه أصبح أقرب إلى جده الآخر جمال البنا المجدد والمصلح الكبير. وهذا شيء يبشر بالخير. أنظروا كتابه الأخير: عبقرية الإسلام.
على أي حال لنعد إلى ميشيل أونفري. أنا شخصياً سعدت بعودته إلى الساحة على الرغم من أني لا أشاركه إطلاقاً توجهه المادي الإلحادي الصرف. وهو توجه يعلنه على رؤوس الأشهاد ويفتخر به على مدار الساعة. ولا أعرف لماذا؟ ما هو هذا الكشف العظيم الذي اكتشفه بأنه لا يوجد أي شيء خارج العالم الطبيعي الذي نراه ونحس به ونلمسه بأيدينا. هذا حقك أن تتخذ هذا الموقف يا سيد أونفري ولكن ليس من حقك أن تفرضه على الناس بالقوة وكأنه حقيقة مطلقة. فهناك مفكرون عديدون مثلك وأهم منك يقولون بأن هناك شيئاً ما وراء هذا العالم، شيئاً يتجاوز الماديات.. ينبغي العلم بأن الإنسان بحاجة إلى منظور شاقولي عمودي، أو تعال سماوي، لكي يستطيع أن يعيش ويخلع المعنى على وجوده بصفته كائناً فانياً لا محالة. لماذا نحرمه من هذا التعالي الذي يطمئنه نفسياً لحظة الفراق عن هذا العالم؟ لماذا نبتر التعالي السماوي بتراً وندمر كل إمكانية للعزاء بعد الموت؟ من بين هؤلاء المؤمنين بالتعالي نجد حتى مفكراً حداثياً ماركسياً سابقاً أبعد ما يكون عن الدين والتدين مثل ريجيس دوبريه. من يصدق ذلك؟ بمعنى آخر لا تكفينا الماديات وحياة اللذة والمتعة والشهوة والإباحية المطلقة المجسدة لفلسفة أونفري وإنما تلزمنا المثاليات أيضاً. والتدين بهذا المعنى الروحاني الميتافيزيقي غير المسيس لا غبار عليه. ومن المتدينين على هذا النحو نذكر فولتير وكانط وروسو في الماضي، وفي عصرنا الحالي بول ريكور الذي كان أكثر تبحراً في العلم من ميشيل أونفري. لقد بالغ الغرب في هذا الخط الشهواني الإباحي الشذوذي مؤخراً إلى درجة مخيفة تجبرنا على أن نطرح أسئلة عدة على هذا المرض الذي أصاب الحضارة.
لكن لنعد إلى النقطة المركزية التي أحدثت الفضيحة. هل كان ميشيل أونفري يقصد بأن «داعش» ليست إلا رد فعل على عدوان الغرب على الشعوب العربية والإسلامية، وقصفه لها بالصواريخ والطائرات وقتل الملايين بدءاً من غزو العراق؟ هذا التصريح المتهور أعطى مبرراً لـ«داعش» وتخريجة للإرهاب في نهاية المطاف. نقول ذلك على الرغم من أنه ضد «داعش» فكرياً وسياسياً، وكل شيء وضد الإرهاب بطبيعة الحال. فهو كمفكر نيتشوي يكره التزمت الديني كره النجوس. بل ولا يؤمن بأي دين بما فيه الدين المسيحي الذي تربى عليه.. ولكنه يعتبر أن «داعش» تمتلك جنوداً لها في الضواحي الفرنسية كما يقول. ثم يضيف: وبالتالي فلن تكف عن تحريك جنودها في عقر دارنا بغية تفجير مدننا قبل أن نكف عن قصفها. ويقترح عقد هدنة بين «داعش» وفرنسا لكي تتوقف خلاياها النائمة عن الهجوم بالكلاشينكوف على باريس. بل ويقترح اسم جان بيير شوفنمان لإجراء المفاوضات معها. ثم يقول: لنتركها تحكم العالم الإسلامي أو على الأقل المناطق التي تسيطر عليها كما تشاء وتشتهي فهذه ليست مشكلتنا. هذا حقها! ما علاقتنا بذلك؟ أليس من حق المسلمين أن يعيشوا كما يشاؤون؟

هل ينبغي أن نحرق أونفري؟
تحت هذا العنوان الموفق «هل ينبغي أن نحرق ميشيل أونفري؟» رد كريستوف باربييه رئيس تحرير مجلة الإكسبريس على أونفري بمقالة طنانة رنانة. وأعتقد أنه من أقوى الردود عليه ومن أكثرها إفحاما وإقناعا. لقد عرف كيف يمسكه بتلابيبه. هنا أيضاً المصارعة حرة. أونفري يقول عادة في محاضراته الفلسفية أمام طلابه: أمام أي ظاهرة من الظواهر حتى لو كانت شديدة الغرابة والهمجية، لا ينبغي أن نضحك أو نبكي، وإنما أن نفهم. فهذا هو المبدأ الذي ورثناه عن الفيلسوف الكبير سبينوزا. وكريستوف باربييه يطبق عليه النصيحة نفسها، قائلاً: أمام ظاهرة عجيبة غريبة كميشيل أونفري لا ينبغي أن نعبده ولا أن نحرقه، وإنما أن نفهمه إذا أمكن. وأول شيء ينبغي قوله هو أنه ارتكب بتصريحاته المتهورة هذه خطأ أخلاقياً مضافاً إليه خطأ استراتيجي. لماذا خطأ أخلاقي؟ لأنه من الوقاحة ترك تنظيم ظلامي كهذا يرجم النساء ويقطع الأيادي ويرتكب الفظاعات بحق شعوب مغلوبة على أمرها. إن إطلاق يد «داعش» في إرهاب المسلمين وتطبيق قوانينها الخنفشارية أو القراقوشية عليهم، يعني عدم مساعدة شعوب بأسرها في حالة خطر. إنه يعني التخلي عنهم بكل بساطة. وهذه وقاحة ما بعدها وقاحة. ولا تليق بمثقف ناهيك عن فيلسوف. إنه يريد مغازلة «داعش» مقابل شراء طمأنينتنا هنا في قلب باريس. عيب وألف عيب. هذا موقف جبان لا يليق بمثقف يحترم نفسه. وأما الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه أونفري فهو اعتقاده بأن «داعش» سوف تتوقف عن مهاجمتنا إذا ما كنا لطيفين معها وراعيناها بل وخفنا منها. وهذه سذاجة ما بعدها سذاجة. على العكس، سوف تواصل ضربنا لأنها تعتبرنا كفاراً بكل بساطة. وبالتالي فمهما فعلنا فسوف تستهدفنا. يضاف إلى ذلك أنها لن تقبل بحدود المناطق الصحراوية التي احتلتها في غفلة من الزمن. ولن تتوقف عندها وإنما ستحاول التوسع إلى أقصى حد ممكن والهيمنة على العرب وربما المسلمين كلهم إذا أمكن. فماذا سيحصل في العالم عندئذ؟
يضاف إلى ذلك أن السيد أونفري يضلل الناس، إذ يقول بأن الغرب هو الذي بدأ قصف المسلمين. فغزو العراق حصل بعد ضربة 11 سبتمبر لا قبلها. ثم إن الغرب لا يقصف الشعوب الإسلامية! هذا خطأ فاحش. وإنما يقصف عصابات «داعش» فقط. بل وحتى هذه، فإن قصفه لها خجول، لأن الغرب يخشى من سقوط ضحايا جانبية: أي السكان المدنيين الذين أصبحوا رهائن عند «داعش» غصباً عنهم. علاوة على ذلك، فالغرب لا يقتل المسلمين لأنهم مسلمون على عكس «داعش» التي تقتل المسيحيين والازيديين لأنهم مسيحيون وازيديون. وبالتالي كفانا مغالطات يا سيد أونفري. هذا الفيلسوف الكبير ذو الآراء الخنفشارية أحياناً يريد إقناعنا بأن «داعش» لا تقتل إلا لسبب وجيه. وهذا مناقض تماماً للحقيقة. إنها تقتل بشكل تعسفي وعلى الهوية الطائفية. إنها لا تقتلك لأنك سيء أو جيد وإنما لأنك ولدت في المكان الخطأ: أي في جبال سنجار أو في قرى المسيحيين. كل هذا يجهله أونفري أو يتجاهله. يضاف إلى ذلك أنها تقتل المسلمين السنة أنفسهم إنْ لم يكونوا متزمتين مثلها. وأكبر دليل على ذلك الجريمة النكراء التي ارتكبتها مؤخراً بحق الشاعر العاني وابنه.
ثم يقول كريستوف باربييه: لنوسع الإشكالية أكثر أو قل لنعمقها أكثر ولنتساءل: هل ينبغي الاستنتاج من كلام أونفري أن أول خطيئة للغرب هي تأسيس دولة إسرائيل؟ ولكن لماذا لا نعود إلى الوراء قليلاً. ربما كانت أول خطيئة هي التقطيع الكولونيالي للمشرق العربي أيام سايكس بيكو 1916. ولكن هذا لا يكفي. لماذا لا نعود إلى حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798؟ وربما هذا لا يكفي أيضاً: لماذا لا نعود إلى فترة الحروب الصليبية عام (1095-1291)؟
في الواقع أن هذا التساؤل الأخير شرعي. لا أحد يريد أن يبرر ظهور «داعش» أو «القاعدة» أو «الطالبان» إلخ.. هذا أمر مفروغ منه. ولا أحد يريد إدانة الغرب على طول الخط اللهم إلا إذا كان مؤدلجاً كلياً على الطريقة القومجية أو الأصولية. ولكن ألا يحق لنا أن نطرح تساؤلات على أخلاقية السياسة الغربية تجاه العالم العربي أو بالأحرى عدم أخلاقيتها؟ لقد خانت هذه السياسة القيم والأخلاق والفضائل، إذ رفضت وضع حد للفاجعة الفلسطينية المتواصلة منذ ستين عاماً أو يزيد. وبالتالي فكلام أونفري صحيح عندما يقول هذه العبارة المهمة: «التيار المتطرف الإرهابي ناتج جزئياً عن سياسات الغرب الحربية العراكية». نلاحظ أنه لم يقل كلياً وإنما جزئياً فقط. من يستطع أن يدحض كلامه هذا؟

ميشيل أونفري وتجديد الإسلام
لكن على الرغم من كل ما قلته سابقاً، فاني لم أصل بعد في هذا المقال إلى بيت القصيد. ذلك أن القصة معقدة أكثر مما تظنون. والمناقشة الكبرى الجارية في فرنسا حالياً متشعبة جداً وتدور في قسم كبير منها حولنا نحن بالذات. نحن الآن موضوع المواضيع في فرنسا وعموم الغرب كله. باختصار شديد، فإن موضوع الإسلام لم يعد حكراً على المثقفين العرب وإنما أصبح في القلب من اهتمامات المثقف الفرنسي والإنجليزي والأميركي والألماني، بل وحتى الياباني والصيني والروسي إلخ. وهذا شيء جديد بالقياس إلى الماضي.. ويعود السبب في ذلك إلى شيئين: الأول حضور جاليات عربية وإسلامية ضخمة في الغرب، خاصة في فرنسا. والثاني هو التفجيرات الإرهابية الصاعقة إلى حصلت منذ 11 سبتمبر في نيويورك وحتى 13 نوفمبر في باريس، مروراً بتفجيرات مدريد ولندن إلخ. لكل هذه الأسباب أصبح الإسلام موضوع العالم كله وشغله الشاغل. أحياناً يطرح المرء هذا السؤال: هل أصبح العالم الإسلامي الرجل المريض للعالم؟
على أي حال، لن تحل المشكلة قبل إيجاد فهم آخر لهذا التراث الديني العظيم. هذه حقيقة أصبحت مؤكدة حالياً، ويتفق عليها علماء الشرق والغرب. وضمن هذا السياق، فإن السيد ميشيل أونفري شمر عن ساعديه ونزل إلى المعمعة وأتحفنا بكتاب جديد عن الإسلام بعنوان أركوني تماماً: التفكير في الإسلام. فأركون كان قد أصدر أبحاثاً عديدة بالعنوان نفسه. وعندما سألوا ميشيل أونفري عن هذه النقطة لكي يحرجوه أجابهم: صحيح أني لا أعرف العربية ولست مختصاً بالإسلاميات، ولكني كفيلسوف يحق لي أن أتحدث عن أي موضوع أشاء. أقول ذلك خاصة أني قرأت القرآن في الترجمات الكبرى وأعرف ما هو بالضبط. وقرأت الكثير من المراجع عن الإسلام. وبالتالي يحق لي أن أدلي بدلوي بين الدلاء.. موضوع الإسلام لا ينبغي أن يكون حكراً على العرب والمسلمين وإنما مفتوحاً ومشاعاً لجميع المفكرين لأن الإسلام أصبح مشكلة عالمية لا محلية. يضاف إلى ذلك أن هناك قراءات عديدة للإسلام لا قراءة واحدة. وقراءتي فلسفية بالدرجة الأولى. وبالتالي فلندافع عن تعددية القراءات إذا كنا حقاً ديمقراطيين.
ما هو رأينا بهذا الكلام؟ بصراحة ليس عندي أي اعتراض عليه. وإذا كان يستطيع مساعدتنا على تشخيص مشكلتنا المستفحلة، فسأكون له أول الشاكرين. نقول ذلك، خاصة أنه صادر عن فيلسوف متمرس لا يتحدث عادة عن أي موضوع إلا بعد القيام بقراءات استكشافية واسعة. فالرجل ليس سهلاً من الناحية الفكرية على الرغم من تصريحاته المتهورة واللامسؤولة أحياناً.. ولكن على الرغم من اختلافنا معه حول نقاط عديدة، إلا أنه يعرف ما يقول. أقول ذلك، خاصة أنه اتخذ الموقف نفسه الذي اتخذته أنا منذ فترة وعلى صفحات هذا «الملحق الثقافي» بالذات. وقد فاجأني ذلك كل المفاجأة وأثلج صدري. نعم لقد أدهشني خاصة أنه صادر عن شخص غير متخصص بالدراسات العربية والإسلامية. ما هو فحوى موقفه في كتابه الجديد؟ إنه يتمثل في نقطة بسيطة واحدة: القرآن الكريم يحتوي على آيات القتال وآيات السلم أو السلام. صحيح أن الأولى أكثر عدداً من الثانية، ولكن الثانية موجودة أيضاً. وبالتالي فيمكن أن نأخذ بها ونبني عليها لاهوتاً إسلامياً متعقلاً ومسؤولاً ومتصالحاً مع الحداثة والعالم كله.
يقول الفيلسوف الفرنسي ما معناه: أحاول تنشيط فكر الأنوار وتطبيقه على الإسلام كما طبق سابقاً على المسيحية وحررها من أصوليتها المتحجرة وظلاميتها. كتابي مجرد محاولة لفهم الإسلام فلسفياً. لقد قرأت القرآن مراراً وتكراراً، وتفحصت الأحاديث النبوية عن كثب واطلعت على السيرة النبوية وتوصلت إلى النتيجة التالية: توجد في هذا التراث الضخم مادة يمكن أن تفهم في اتجاه التطرف، ويمكن أن تفهم في اتجاه الاعتدال والتسامح. كل شيء يعتمد على طريقة القراءة والتفسير للتراث الإسلامي الكبير. الفهم المتطرف هو ما تركز عليه الأقلية المتعصبة. والفهم المعتدل هو ما تركز عليه الأغلبية الصامتة من المسلمين. ولكن المشكلة هي أن المتطرفين هم الذين يصنعون التاريخ وليس المعتدلين المتسامحين. والسؤال المطروح الآن هو التالي: هل توجد علائق أو جسور أو صلات وصل بين المتطرفين والمعتدلين؟ هنا يكمن التساؤل الأكبر وربما الخطر الحقيقي..
ثم يخلص ميشيل أونفري إلى القول: في كل الأحوال فإني أرغب في ظهور إسلام تنويري فرنسي مرتكز على قرآن متحرر من العنف. ينبغي أن تتغلب آيات السلم والصفح والغفران على آيات القتال والعنف. وينبغي على الدولة الفرنسية أن تفتح معاهد لتعويد النخب المسلمة التي تعيش عندنا بالملايين على إسلام الأنوار وتعليمه لهم. ينبغي تخريج أئمة جوامع على الطريقة الأنوارية لكي يحلوا محل المشائخ على الطريقة الإخوانية السلفية التي تزرع أفكار التطرف والإرهاب في عقول مواطنينا المسلمين. هذه هي وصية ميشيل أونفري للدولة الفرنسية. وهي وصية وجيهة ولا غبار عليها.
أخيرا يقول هذا الفيلسوف الملحد هذا الكلام الممتاز والمفاجئ: هناك طريقة للإيمان بالله تعجبني. وهي تتمثل بعبادة الله ضمن إطار الحياة الشخصية الحميمية للفرد بشرط عدم فرض ذلك بالقوة على الآخرين. نعم للدين كروحانيات سامية، لا للتدين المتطرف على طريقة الإسلام السياسي ذي الطابع العدواني.

أين أخطأ اونفري وأين أصاب؟
والآن ما رأينا بكل هذا؟ أولاً التوجه العام صحيح. ينبغي أن يتغلب إسلام الأنوار يوماً ما على إسلام التطرف والظلام. هذا شيء مفروغ منه. ولكن هذا لن يحصل بين عشية وضحاها وإنما سيستغرق أجيالاً عدة. فالتيار الثاني لا يزال مهيمناً على الشارع العربي وعلى المؤسسات وبرامج التعليم والفضائيات إلخ.. ولا يزال راسخاً في العقليات. ولن تكون عملية انتزاعه منها سهلة أبداً. هذا أقل ما يمكن أن يقال. ولكن الفيلسوف الفرنسي يرتكب بعض المغالطات في التقييم. فنحن لا نعتقد أن آيات القتال أكثر عدداً من آيات التسامح في القرآن الكريم، بل إن العكس هو الصحيح. نقول ذلك، خاصة أن العنف الذي تتضمنه آيات القتال مشروط جداً. وهذا ما برهن عليه أركون في دراسة طويلة معمقة كنا قد نشرناها في كتاب: «تحرير الوعي الإسلامي.. نحو الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة» (دار الطليعة بيروت 2011. صفحة: 153 وما تلاها) تحت عنوان: العنف والتقديس والحقيقة في السياقات الإسلامية. وفيه يبرهن أركون على أن العنف الهمجي أو المجاني الذي ترتكبه حركات التطرف حالياً لا علاقة له بالقرآن الكريم إذا ما فهمناه على حقيقته.
ثانياً نعتقد أن السيد أونفري يخطئ تماماً عندما يقول بأن النبي الأكرم كان ميالاً إلى العنف لأنه قاد المعارك بنفسه. ينبغي العلم أنه ما خاض المعارك إلا مضطراً، وفي آخر لحظة، وبعد أن تحمل الأذى والمضايقات سنوات وسنوات. وبالتالي فجوهر الإسلام ليس العنف أبداً وإنما الرحمة والصفح والغفران: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.

قراءتان
هناك في التراث الإسلامي الضخم مادة يمكن أن تفهم في اتجاه التطرف ويمكن أن تفهم في اتجاه الاعتدال والتسامح. كل شيء يعتمد على طريقة القراءة والتفسير للتراث الإسلامي الكبير. الفهم المتطرف هو ما تركز عليه الأقلية المتعصبة. والفهم المعتدل هو ما تركز عليه الأغلبية الصامتة من المسلمين. ولكن المشكلة هي أن المتطرفين هم الذين يصنعون التاريخ وليس المعتدلين المتسامحين.

صورة ناقصة
المشكلة في جذورها أن كل الطرق التي أخذ منها الغرب في تكوين رؤيته عن الإسلام، ليست هي الطرق التي تصل به إلى تشكيل رؤية موضوعية وعلمية وأخلاقية، ابتدأ من نشاط الاستشراق في السابق، إلى وسائل الإعلام اليوم إلى غيرها من طرق أخرى. ولعل من أكثر العوامل تأثيراً ما نعيشه من تخلف شامل يعكس عنا صورة سيئة وفاشلة، خصوصاً عند تلك المجتمعات التي قطعت أشواطاً من التقدم. فالصورة التي تقدمها هذه الأوضاع المشتعلة بالإخفاقات والإحباطات والتناحرات، أبلغ وأوضح مما تقدمه التعبيرات والنصوص والأفكار التي نصور بها رؤيتنا الحضارية. والغرب من جهته - أيضاً - استفاد من توظيف هذه الأوضاع الشديدة التخلف في تعزيز رؤيته لمجتمعاته وفي مجتمعاتنا أيضاً لمصلحة أطروحاته.
وما لم ننهض بهذه الأوضاع ونحسن منها، ونبتكر لنا تجربتنا الإنمائية في التقدم، فإن الصورة التي نقدمها عن الإسلام وعن أنفسنا ستظل ناقصة.
الاسلام والغرب
تأليف: زكي الميلاد وتركي علي الربيعو
ص (54 -55)

الإسلام الحقيقي
لا شك في أن الفرنجة المسيحيين الذين حكموا القدس من 1099 إلى 1185 أدركوا أن المسلمين أشد منهم تسامحاً بكثير. لقد كانوا يعرفون أن المسيحيين قد شغلوا مناصب عالية في بلاطات المسلمين في الشرق الأوسط، ووجدوا مسحيين سوريين يعملون أطباء وعلماء فلك عند الأمراء المسلمين. ورووا الحكايات عن كرم المسلمين، حتى في المعركة. فحكى مسيحي، هو أوليفروس المدرسي، عن السلطان الملك الكامل الذي هزم جيشاً من جيوش الصليبيين الغازية المتأخرة، ثم أعطى الناجين منهم الطعام: «من يمكن أن يشك في أن مثل هذا العمل الطيب والصداقة والأريحية هو من عند الله؟ إن الرجال الذين قتلنا آباءهم وأبناءهم وبناتهم وإخوتهم وأخواتهم وقضوا نحبهم يتعذبون، والذين استولينا على أراضيهم، والذين سقناهم عرايا من بيوتهم، أعطونا من طعامهم وأبقوا على حياتنا عندما كنا نتضور جوعاً، وغمرونا بعطفهم حتى ونحن تحت رحمتهم».
وهناك بعض المسيحيين، مثل أرنولد أوف لوبيك، أدركوا أن الفكرة الإسلامية عن الأخوة أكثر تسامحاً من النظرة المسيحية إلى اليهود والمسلمين بوصفهم أعداء المسيح. وقال أرنولد الكلمات التالية على لسان أحد المسلمين: «فلئن اختلفت عقائدنا، فإن خالقنا واحد، وأبانا واحد. يجب أن نتآخى، لا بسبب عقيدتنا، ولكن لأننا كلنا بشر. فلنتذكر إذن أبانا المشترك ونطعم إخوتنا».

كتاب الغرب والعالم،
الجزء الأول
ص (199)

اقرأ أيضا

من «العمى» إلى «كورونا».. ضوء في نهاية النّفق