الاتحاد

دنيا

شحاذ الحب

بكى أحدهم في ليلة باردة، وقال: كيف أفْرضُ نفسي على إنسان لفظني؟ يمكن للمرء أن يتسوّل أيّ شيء، لكنه لا يستطيع أن يتحول إلى «شحاذ حبّ»، وحينما يصبح الحبُّ تسولاً.. يكون أي شيء إلا الحب، العواطف لا تستجدى، فإذا كان السؤال ذلاً فأذلّ الذلّ أن تتسول الحب، أذلّ الذلّ أن تقول لإنسان: أرجوك أحبني.. وأكثر الذل قسوة وتوحشاً أن تتشبث بإنسان يدفعك بقدمه، وليس بيده، تتشبث به ظناً منك أنه قد أحبك يوماً ما.. مفجع أن تتوهم الحب عند إنسان آخر.. وتظل تنتظر وتنتظر وتنتظر، ولا تجني إلا وهماً.. وعذاباً.. وانتظاراً.

موحش أن تظل تطرق باب قلب إنسان بحثاً عن حب ولا تسمع إلا صدىً يشبه عويل الريح في ليلة باردة. قاهر أن ينتظر شخص حباً غير موجود، حباً يلفّه كثير من الغموض والضبابية والزيف، هكذا هو، جلس في زاوية قصية من الحياة يرقب حباً ويتوقع عاطفةً جياشةً، مندفعاً بما يملأ صدره وما يفيض عن دواخله من مشاعر بيضاء شفافة وصافية، مستعد ليسكبها رقراقة تغسل درن الوحدة مقابل ابتسامة صادقة، لكنه يصطدم كل يوم بحائط زجاجي يرى كل أحبته من خلفه ولا يستطيع الوصول إليهم أو لمسهم، فغاص جرحه في أعماقه، تلوى متألماً، وزاده وجعاً كتمان أنين نفسه المجروحة، انكسر مرات ومرات، ينهض من جديد يرمم دواخله العليلة، تمر الأماسي ويجره الحنين لهاوية المذلة، يقف على أبوابهم فيشيحون بوجوههم عنه، تجفّ راحات أياديهم من الجود والعطاء، يطعنوا كبرياءه ويلوي ذليلاً، يصرخ فيدوي صوته، يتفجر غضبه ويقسم ألا يسعى للذل بأقدامه، ولكن ضعفه قادر على قيادته إلى الانكسار في كل حين. أقسم مرات عديدة ألا يسحق مشاعره، وأقسم أن يكتب حبهم بصمت، أقسم ألا يجود عليهم بعواطفه، وأن يترك الجمود ويحب نفسه ويرفعها ليحبه كل من حوله، ولكنه يجد نفسه دائماً يعود، ويقول: آآه كم عذبني طول الرجاء.


لكبيرة التونسي
lakbira.tounsi@admedia.ae

اقرأ أيضا