الاتحاد

دنيا

ماجد بو طانوس: الأحمر الأرجواني اكتشاف فينيقي وغرام ملكي

أنجز مصمّم الأزياء ماجد بوطانوس كتاباً موّثقاً بالصوّر والمستندات عن تاريخ الأزياء اللبنانية، ابتداءً من العهد الفينيقي حتى أواخر القرن التاسع عشر. فرسم بذلك ملامح التداعيات الحضارية التي جعلت لكلّ زيّ مرحلة يفصح عن واقعها الجغرافي، وارتباطها الزمني والديني والثقافي والاجتماعي. أضاء بو طانوس في كتابه الفريد من نوعه على أصل فولكلور الأزياء التي توارثها لبنان والتي خلّفت بصمتها الواضحة في أزياء هذا العصر. «الاتحاد» التقته وأجرت معه الحوار التالي:

في الوقت الذي يجتهد المصمّمون اللبنانيون لتقديم آخر صيحات الموضة، أصدرتَ كتاباً يبحث في جذور الأزياء اللبنانية. • هل تسير عكس التيار، فتُبحر في الماضي بدلاً من المستقبل؟ - إنا حائز على دبلوم جامعي في تصميم الأزياء وتنفيذها، وأعمل أستاذاً محاضراً في معاهد تصميم الأزياء. من هنا نقطة اختلافي عن سائر الزملاء الذين تخصّصوا فقط بالعروض. صحيح أنّني صاحب دار للأزياء الراقية منذ العام 1993، وأقمت عروضاً كثيرة في لبنان والدول العربية، ولكن نقطة الثقل في مهنتي كانت تحرير المقالات عن تاريخ الأزياء، ونبش أصلها ونشأتها وتطوّرها في لبنان. • ما هو المفهوم العلمي لعبارة «فولكلور الشعوب»؟ - إنّه مجموعة اختبارات الإنسان القديمة، والعادات والمعتقدات والأزياء والخرافات وأساليب العيش القروي. الفولكلور هو الطب والفلسفة والدين والفن والعلم.، وهو الأفراح والأتراح. باختصار، إنّه كل ما تحدّر إلينا عبر الأجيال وبقي، وسيبقى. • بأيّ رياح تأثرت الأزياء اللبنانية بحسب ما بيّنت لك الأبحاث؟ - ارتبطت الأزياء بشكل وثيق بكل حضارة تعاقبت على بلادنا، بدءاً من العهد الفينيقي (أي اللبنانيّين الأوائل)، مروراً بالعهد الروماني، والعربي، والعثماني، ثمّ عهد الأمراء المعنيّين والشهابيّين، وصولاً إلى الرّبع الأخير من القرن التاسع عشر حيث بدأ الانفتاح على الأزياء الأوروبية. • فلنبدأ بالعهد الفينيقي، بمَ تميّز نسيج تلك الحقبة؟ - شكّل الصوف المادّة الأولى التي استُعملت في صناعة الثياب أيّام الفينيقيّين. فالغزل والحياكة صناعاتان قديمتان يعود تاريخهما إلى أكثر من 3 آلاف سنة ق.م. كما اشتهرت المدن الفينيقية بصناعة الحرير، وكان هوميروس قد أشاد بجمال النسيج الحريري المصنوع في مدينة صيدا مثلاً. أمّا القطن فاستقدمه الفينيقيون من الهند. والكتّان أدخله المصرّيون إلى فينيقيا بسهولة، لأنّهم كانوا يسيطرون على البلاد المحيطة بها. • بمَ امتاز الزيّ الفينيقي؟ - كانت ملابس الفينيقيّين في البداية تشبه إلى حدّ كبير ما ارتداه الأشوريّون والبابليّون والفرس في بلاد ما بين النهرين. وكانت عبارة عن سروال فوقه قميص يصل إلى الركبتين، يُطلق عليه اسم «خيتون». وهو النسيج المعتمد في القمصان الشائعة اليوم، مثل «الجلابيّة» في مصر، و«الهدوم» في المغرب، و«القمباز» المعتمد في بعض مناطق لبنان وسوريا، و«العباءة» في بلدان الخليج العربي. أمّا النساء فكنّ يغطيّن الجسم بعباءة تنحدر من الرأس حتى الأرض. ولكن بعد الاختلاط بالأجنبيات شاعت لدى الفينيقيات الملابس المكشكشة، كما كثرت أنواع الزركشة والتخريم. وقد لعبت فينيقيا دوراً ممّيزاً في نشر الأزياء بين جميع شعوب سواحل آسيا القديمة، بحكم تفوّقها في التبادل التجاري والإبحار. • صَنَعَ صباغ الأرجوان شهرة الفينيقيين الذين اكتشفوه على سواحلهم وصدّروه إلى العالم. ما هو تاريخه بالتحديد؟ - اللّون الأحمر الأرجواني كان يعني بالإغريقية «فونيكس»، وبعد أن صبغ الفينيقيون الأنسجة بهذا اللون، عُرفوا بهذا الاسم تيمّناً باللفظة. استخرج الفينيقيون اللون الأرجواني من أصداف الموريكس البحرية المنثورة على شاطئ صيدا وصور وجوارهما. صبغوا بها الأنسجة القطنية والصوفيّة الحريرية، وبما أنّ عملية استخراج هذا الصباغ لم تكن سهلة آنذاك، فإنّ الثياب الأرجوانية بقيت حكراً على الملوك والأمراء. ولون الأرجوان كان أحمر بنفسجياً، وحمرته ناصعة، وهو لا يزال حتى اليوم اللون الملكي المعتمد عالمياً. • هل أسدلت الحقبة الرومانية تأثيرها على الزيّ في منطقتنا آنذاك؟ - ارتدت النساء في العهد الروماني قميصاً طويلاً مطرّزاً، مع زنّار على الخصر، وفوقه رداء مفتوح من الأمام، بالطول نفسه. وتزيّنت بالحلى على أنواعها، ووضعت المشابك لتوثيق المعطف. واعتمدت الأفعى رمزاً للخصوبة ولمواسم الحصاد الوفيرة، لذلك استخدم شكلها كثيراً في صياغة الجواهر لا سيّما الخواتم. واشتهرت تلك الفترة بالصنادل الرومانية التي تُربط في أعلى الكاحلين. أخذ اللبنانيون عن الرومان المشالح من الكشمير أو الحرير أو الصوف التي كانوا يتزيّنون بها على كتف واحدة. • بين العهد العربي والعهد العثماني حقبة زاخرة بالحضارات التي انعكست على بلادنا، لا سيّما على صعيد الأزياء. ماذا بيّنت أبحاثك في هذا الشأن؟ - انحصرت ملابس القبائل العربية بالقميص والحلّة والإزار والشملة والعباءة، وهي مصنوعة من القطن أو الصوف. واشتهرت مدينة بعلبك اللبنانية في تلك الحقبة بصناعة النسيج البعلبكي. وكان الولاة العرب يتبادلون هذه الأقمشة هدايا فاخرة. كانت ملابس النساء تتألّف من الغلالة، وهي ما رقّ من الثياب والدّرع أو المدرّعة، وهي عبارة عن قميص يُلبس فوق الغلالة، مشقوق من الأمام، ومصنوع من الكتان صيفاً، ومن الصوف شتاء. أمّا الأميرات المسلمات فكنّ يرتدين الملابس المحاكة بالذهب، والمطرّزة بألوان قوس القزح. • شكلّت أغطية الرأس في الماضي جزءاً من الأزياء المعتمدة للرجال والنساء على حدّ سواء. ما كانت أبرزها؟ - أبدأ بالطربوش ذي الأصل الفارسي، والذي وصل إلى لبنان في أواخر القرن السادس عشر، ولبسه أهالي بيروت وطرابلس وصيدا فقط، ثمّ تغلغل تدريجياً إلى القرى الجبلية. ولكن الطربوش الباقي حتى اليوم هو «العزيزي»، نسبة إلى الأمير محمد علي في مصر، شكله أسطواني مبطّن بالقش وله ذؤابة من خيوط حريرية سود. دخل الطربوش «العزيزي» إلى لبنان مع عهد المتصرّفية وشاع استعماله بين عامة الشعب. • كان الطرطور اللبناني أبرز غطاء للرأس لدى النساء. ما هي جذوره؟ - يقال الطرطور أو الطنطور وهو غطاء نسائي للرأس يعود تاريخه إلى أيّام الوثنية. وهو عبارة عن قلنسوة طويلة، أسطوانية الشكل، مخروطية تنتهي في أعلاها بما يشبه قرن الوعل، بطول 40 سنتم أو أكثر، ويكون من الفضّة أو النحاس، ويحمل نقوشاً أو آيات مقدّسة. أمّا طنطور الأميرات فكان يصل إلى 60 سنتم طولاً، ومصنوع من الذهب المزدان بالجواهر. يُقال إنّ لابسات الطنطور كنّ يُبعدن الفراش عن الحائط متراً واحداً للتمكّن من النوم والطنطور على الرأس! • ماذا عن خان الإفرنج الذي طرح الأزياء الأوروبية الجاهزة للمرة الأولى في لبنان؟ - كانت الأميرات في تلك الحقبة مسرفات في الأناقة، ويبتعن الكثير من الأزياء من خان الإفرنج في بيروت، ويغيّرنها كل 10 أيّام عبر إعطائها للجاريات، لأنّ غسل ثياب الأميرات كان معيباً. ومن جهة أخرى، كان الحداد يقتصر على جارية القصر التي يجب أن تتشح بالسواد إذا مات الأمير، فيما تبقى زوجته الأميرة من دون حداد. • ما هي المراجع التي اعتمدتها لإنجاز هذا الكتاب؟ - قرأتُ حوالى مائة مرجع عربي وأجنبي، فضلاً عن كتب دينية عدّة، وذلك على مدار 15 عاماً من المطالعة والأبحاث والإعداد والكتابة. لقد تحوّل كتابي إلى مستند علمي يوثّق كل شيء عن أزياء لبنان من العهد الفينيقي حتى القرن التاسع عشر، وبإمكان الجامعيين الاستناد إليه في أطروحاتهم، كما يمكن لمن يريد تأليف عمل تاريخي لبناني مسرحي أو تلفزيوني أن يعود إلى الصور القديمة التي يتضمّنها الكتاب.

اقرأ أيضا