الثلاثاء 28 يونيو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
عربي ودولي
مصرع قرنق وتهديد وحدة الجنوب والسودان
4 أغسطس 2005

محمد أبو الفضل:
بعيدا عن تفسير طبيعة الحادث الذي أودى بحياة جون قرنق زعيم الحركة الشعبية والنائب الأول للرئيس السوداني ، وبصرف النظر عن مصرعه بصورة عادية أم بطريقة مدبرة ، فان غيابه عن الساحة السودانية سيؤدي لتغيير كبير فى عدد من الحسابات السياسية ، على صعيد القوى الجنوبية ومستوى الحكومة المركزية، فقد كان عنصرا مؤثرا فى معظم التوازنات السياسية والإجراءات العسكرية طوال السنوات الماضية، وتوقعت له دوائر متعددة أن يلعب دورا أكثر إيجابية وأعمق تأثيرا مستقبلا ، عقب البدء فى تنفيذ اتفاقيات نيفاشـا ، وما حملته من مكونات جديدة وتحولات دقيقة ، وأصبح عند أوساط داخلية وخارجية رهانا أساسيا للحفاظ على وحدة السودان، وحضوره مهما لتخطي الإشكاليات التى طفت على السطح فى أقاليم السودان المختلفة فى الآونة الأخيرة·
فقد امتلك شبكة واسعة من العلاقات السياسية أهلته ليكون مفتاحا لاحتمال تجاوز الخلافات وعبور الأزمات التى نشبت بين حكومة الخرطوم وعدد من القوى فى الشمال والشرق والغرب، باعتباره كان واحدا من أبرز حلفاء الحكومة ومن مصلحته تذويب فجوتها مع غالبية معارضيها ، لضمان أعلى درجة من الأمن والاستقرار فى الفترة الانتقالية ، ولعل ردود الأفعال العفوية - العاطفية التى حدثت فى الخرطوم تحديدا بعد إعلان وفاته تؤكد وزن هذا الرجل وتعلق آمال كثير من المواطنين به فى الشمال قبل الجنوب، لذلك فرحيله يقود لتداعيات يصعب حصرها قبل الإلمام تماما بتفاصيل الحادث ومعرفة آليات تعامل القوى الجنوبية المعارضة مع قيادة الحركة الشعبية الجديدة والتقديرات الثانية لعدد من القضايا الحيوية التى لم يحسمها الزعيم السابق نهائيا·
وقرنق الذى دارت حوله خلافات كبيرة وتعرض لاتهامات كثيرة أجمعت معظم القوى الشمالية على شخصيته الوحدوية ، وراهنت عليه كحصان لتخطي المأزق الحاصل بسبب سوء تصرفات الحكومة وجمـوح تصورات بعض الفصائل الجنوبية ، وعندما طرحت هواجسي بشأن احتمال امتلاكه أجندة خفية تقود إلى انفصال الجنوب أو أفرقة السودان كله ، حسب بعض التقديرات الأمريكية ، على أن القيادي المعارض فاروق أبو عيسى أكد في لقاء خاص بالقاهرة قبيل سفره مؤخرا ، للمرة الأولى منذ سنوات ، إلى الخرطوم ثقته الشديدة فى قرنق وقناعاته الوحدوية ، وقال بحكم معرفتي به عن كثب لم أشعر فى أي يوم أنه يفكر بطريقة تهدف للانفصال ، ورفض دوما طرح قضايا عنصرية ، مثل الابتعاد عن الشمال لأنه مسلم أو الانفصال عنه لأنه عربي ، وطلب أكثر من مرة التوسط لدى حكومات عربية لتبديد مخاوفها حيال توجهاته ، لكن للأسف لم أجد استجابة كبيرة ، لأنهم - الحكومات - متوجسون بقوة من أفكاره المعلنة ، وباعتقاد أبو عيسى أن مصر من الدول العربية القليلة التى فهمت قرنق جيدا وتعاملت معه على أنه قائد وحدوي ،وأضاف فى هذا اللقاء أن فرص قرنق كبيرة لاكتساح أى انتخابات رئاسية أمام البشير، إذا جرت وفقا لتحالفات الوقت الراهن وتصاعد غضب الناس من النظام الحالي ، ودلل كلامه بالاستقبال الحاشد الذى وجده قرنق فى الخرطوم عند عودته إليها ، ما يكشف حجم الرجل فى الشارع السوداني ·
حياة قرنق ··والتهديد
وفى هذا اللقاء باغتنـي أبو عيسى ببث قلقه على قرنق ، وأوضح أن هناك مخاطر حقيقية تهدد حياته، فى وقت كانت مجرد الإشارة لذلك ضربا من الخيال والجنوح ، فسألته ما هي دواعي القلق ومن هي الجهة أو الجهات التى لها مصلحة فى غيابه وهل هناك خطورة على السلام إذا تعرض لمكروه ؟·
بتأثر شديد أجاب أبو عيسى ليس لدي معلومات عن مؤامرات محددة ، لكن هذا الرجل قائد ومفكر سياسي أضحى نموذجا تتعلق به قطاعات عريضة فى السودان ، وقلقي ينبع من تصاعد الإجماع على شخصيته والالتفاف حوله من الداخل والدعم والتأييد له من الخارج ، وهو ما يثير حفيظة بعض الأوساط السودانية التى تتمنى غيابه لأى سبب ، فقد امتلك قدرة عجيبة لفرض كثير من اجتهاداته على بعض مناوئيه مما أغضب البعض الآخر ، والمرجح أن يؤدي اختفاؤه من على الساحة الى خلط أوراق تستفيد من نتائجها شخصيات عدة تسعى الى العودة لمركز الصدارة السياسية أو تفسح الطريق لنفسها للحركة، ولا توجد جهة واحدة تخطط لذلك ، فهناك جهات شمالية داخل الحكومة ذاتها قلقة من صعود قرنق المتزايد، لكن الخطر الأكبر على حياته قد يأتي من الجنوب ، حيث توجد ميلشيات رافضه لقيادته ولا تتوانى عن القيام بأي شئ ضده ، وهو يعلم ذلك جيدا ، وباعتقادى أن قلة النضج السياسي فى الجنوب سوف تفضي حتما الى لجوء البعض لاستخدام العنف على نطاق واسع ، وفى هذه الحالة نضع أيدينا على قلوبنا ، حيث تتجدد المخاطر على السلام فى السودان ·
عندما سمعت التحليل السابق لم أتوقع حدوثه بهذه السرعة ، فما بين كلام فاروق أبو عيسى معي ومصرع جون قرنق ستة عشر يوما فقط ، ولم أكن أتخيل أن حجم الاحتقان والمرارة فى الجنوب بلغت حدا مؤسفا ، فغالبية تصريحات قادة الحركة الشعبية تقلل من الخلافات وتحاول التركيز على مظاهر الإجماع ، لذلك فوقائع حواري مع أبو عيسى الذى تشعب لملفات مختلفة تساهم فى الكشف عن ثلاثة محددات ، أولها الانشغال بمسألة غياب قرنق داخل التجمع الوطنى مما يقلل من صدمة المفاجأة ، وثانيها الشعور بوجود مخاطر على حياته من جهات متباينة ، ممـا يستلزم درجة صارمة من الأمن ، وثالثها امتلاك قرنق فكرا عقائديا يساعد على انتقال السلطة بسلاسة بعده ، فهناك قيادة هرمية تتولى الأمور ·
والشاهد أن غياب قرنق يطرح تساؤلات وتكهنات حرجة على الجنوبيين ، بشأن استكمال مشوار قرنق الى نهايته ، خاصة أن اجتماعات الحوار الجنوبى - الجنوبي التي جرت فى نيروبي قبل أسابيع كشفت عن جانب مهم من تقاطعات الحركة الشعبية وما يسمى بتجمع الفصائل بقيادة باولو ماتيب التى توحدت تحت لافتة ' قوات دفاع جنوب السودان '، وخلالها اشترط التجمع للاندماج فى الحركة الشعبية عدة شروط ، بينها حل الوحدات العسكرية للأخيرة وتكوين جيش مشترك يراعي الكثافة السكانية والمطالبة بخمس ولايات فى حكومة الجنوب ، وترددت معلومات مؤخرا أفادت بتجذر خلافات قرنق مع نائبه سيلفا كيـر، وحدوث تمرد فى مدينة رومبيك كرد فعل على إجراءات أحال بموجبها قرنق عددا من قيادات الحركة العسكريين ، فى مقدمتهم رئيس أركانه سيلفا كيـر الذى تولى مسؤوليات قرنق فى الحكومة المركزية والحركة الشعبية ، وفى هذا المناخ من المتوقع أن يؤدي صعود كيـر لإفرازات سياسية وعسكرية مختلفة،سواء على مستوى إدارته للحركة أو رؤاه للنظام السوداني ·
أجواء من القلق
فـى هذه الأجواء تبدو المخاطر على وحدة السودان كبيرة ، فغياب قرنق يفتح المجال لمزيد من الصراعات الجنوبية ، جراء التباين العرقي والسياسي والفكري بين قطاعات كبيرة ، واعتراض جماعات واسعة على ممارسات الحركة الشعبية وهيمنتها على مقاليد الأمور فى السنوات الماضية وامتلاكها زمام المبادرة فى الحرب والسلم، ناهيك عن وجود تحفظات مختلفة حول خيار قرنق الوحدوي ورغبته في سودان جديد يتولى قيادته بنفسه ، وهو ما اعتبرته قيادات جنوبية محاولة يائسة لفرض سطوته على الشمال والجنوب ، وبالتالي ربما تجد بعض الفصائل فرصتها فى الإعلان عن توجهاتها علانية واستغلال ظروف القلق والحذر لاستعراض قوتها وفرض نفوذها ، فى محاولة لإعادة صياغة المشهد فى الجنوب ، بما يقلل من سطوة الحركة الشعبية ويبعد القوى الجنوبية المعارضة عن حلقات التهميش السابقة ،من هذه الزاوية قد يتعالى صوت التيار الانفصالي في الجنوب ويستغل طول الفترة الانتقاليــة نسبيا ( ست سنوات ) فى فرض خياره مبكرا واهتـزاز وحدة السودان كله ·
وفى ضوء المعطيات التى تؤكد تعقيدات الواقع السياسي في السودان يمكن الإشارة الى ثلاثة سيناريوهات، أولها الالتفاف حول قيادة سيلفا كـير لعدم حدوث فراغ داخل الحركة الشعبية أو التأثير على تماسكها ووجودها ومن مصلحة دوائر إقليمية ودولية مساندة سيلفا كير لتقليص حجم المخاطر التى تهدد السلام ، لذلك من المنتظر أن يجد دعما كبيرا ، على الرغم من عدم الإجماع عليه كشخصية قيادية ، ويفرض المناخ الغامض حاليا على الحكومة التزامات محددة وخطوات واضحة تجعلها بعيدة عن شبهات التآمر أو التواطؤ ضد قيادة قرنق ، من هنا يصعب أن تستقر القيادة لسيلفـا فى هدوء مستمر· وثانيا استغلال بعض القوى الجنوبية حالة الارتباك التى تخيم على الحركة الشعبية وكثير من القوى السياسية فى الشمال والجنوب للمطالبة بتغيير خريطة المعادلات التى تسببت فى تمكين الحركة الشعبية من قيادة الجنوب والقتال والتفاوض باسمه ، وثالثها عقد مؤتمر جنوبي - جنوبي لتضييق الهوة واختيار قيادة جماعية تمثل الجنوبيين خلال الفترة الانتقالية وصولا الى المفاضلة بين خياري الوحدة والانفصال ، وخطورة قيادة من هذا النوع أنها سوف تكون عرضة لتجاذبات داخلية وخارجية يمكن أن تلقى بظلال سلبية على السلام فى السودان ، وتقود الى تفتيت الجنوب الى عدة مناطق تسيطر على قيادتها ميليشيات متناحرة ، فتصبح البلاد عرضة للتمزق الى أقاليم وكيانات متعددة ·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©