الاتحاد

عربي ودولي

رحلة قرنق من قرية بالقرب من بور إلى صخور الأماتونج


الخرطوم - أحمد طه:
برز العقيد جون قرنق إلى العالم كقائد لأكبر مليشيا مسلحة تخوض أطول حرب في القارة السمراء وقودها أكبر قبيله في أفريقيا وعرف بحنكته القيادية وشخصيته الكريزمية التي أهلته للإمساك بكل خيوط اللعبة العسكرية والسياسية في الجيش الشعبي للحركة SPLA وجناحها السياسي .SPLM وتعتبر تجربته في خوض هذه الحرب إضافة جديدة إلى فنون حرب العصابات·
حصل قرنق على السلاح، والعتاد، والمال، ووقود الحرب من رجال ودفع إليها بأطفال شبوا في كنف حركته ·· حملوا السلاح قبل أن يشبوا عن الطوق وهم الآن في الثلاثينات لا يعرفون أباً، أو أماً، أو أسرة غير د/جون والبندقية التي أوصاهم بها مثل أمهم وأبيهم وأسرتهم في واحدة من أشهر خطبه الميدانية حتى صارت نشيداً حماسياً تبثه إذاعة الحركة يومياً عدة مرات·
كما استطاع أن يجمع حوله عدداً لا يستهان به من المقاتلين كانوا وقوداً للحرب - لم ينضب واستمرت الحرب لعقدين كان المقاتلون في حركته في اطراد بالرغم من الخسائر التي تكبدها خلال الحملات الحكومية والحروب الداخلية التي خاضتها الحركة مع أعدائها من الجنوبيين أنفسهم· كما استطاع أن يستقطب حوله عدداً كبيراً من المثقفين الجنوبيين الذين لعبوا دوراً هاماً في نشر فكر الحركة عالمياً من خلال مكاتبها التي شملت معظم المدن المهمة في قارات العالم المختلفة·
عواصف وأعاصير
واجه قرنق خلال حربه الطويلة مع الحكومة العديد من الأزمات التي كانت كفيله بأن تعصف به وبحركته· ولكنه استطاع تجاوزها بذكائه وبشدته وبدهائه - كان أكثرها خطورة تلك التي واجهها من القادة التاريخيين في الحركة أمثال كاربينو كوانين ووليم نون ونجا من عدة محاولات لاغتياله - تعامل قرنق مع هؤلاء بقسوة إنتهت بهم إلى السجون تحت الأرض والتصفيات الجسدية·
كما واجه ضربة قاسية من زملائه التكنوقراط د· مشار ود· لام عندما استقطبوا مفجر التمرد في بور (كاربينو) وضابط مخابرات قرنق المحترف (أروك) وعقدوا من وراء ظهره إتفاقاً هشاً وتهافتوا وأسرعوا الخطى نحو الخرطوم حيث أعلنوا اتفاقية الخرطوم للسلام·
لم يقووا على الصمود، فعاد التكنوقراط إلى الغابة من جديد نافذين بجلودهم بعد أن لقي أروك مصرعه في حادث طائرة مثير للجدل ولقي كاربينو حتفه في الدغل بأيد جنوبية جراء تردده للاستقرار بين الغابه وبيت الضيافة في شارع الجامعة بالخرطوم·
بالرغم ما كان يحمله قرنق لرفاقه الناجين من بغض نظير أفعالهم تجاه أهله في بور وخيانتهم لخط الحركة، استطاع بحنكته أن يضمهم إلى حظيرة الحركة مرة أخرى داخل سياج مضروب حولهم بلا أعباء تنظيمية ولم يجردهم من رتبة الكماندو التي يحملها كلاهما·
مايو تو - وانقلاب الترابي - البشير
عند استيلاء القوات المسلحة على الحكم في انتفاضة شعبية وانقلاب أبيض على حكم نميري - بادر قادة المجلس الانتقالي بدعوته للحوار والدخول في منظومة الحكم الجديد· رفض قرنق الدعوة للمشاركة مطلقاً في الانتفاضة مايو - تو في إشارة إلى جنرالات النميري الذين سطوا على انتفاضة الشارع·
وعند تباشير الديمقراطية الثالثة جلس قرنق إلى التجمع النقابي والميرغني رئيس الاتحادي الديمقراطي في أثيوبيا، وبدأت جسور التواصل والحوار تمتد إلى أبعد من ذلك مما آثار الغيرة السياسية لدى الصادق المهدي والجبهة الإسلامية التي كان قادتها يخططون للاستيلاء على الحكم والانقلاب على الديمقراطية متعللين بالوضع في الجنوب وضعف القادة السياسيين وانفلات القوات المسلحة وانشغالها عن الحرب في الجنوب بكتابة المذكرة التي استهدفتهم واستهدفت تحالفهم مع حزب الأمة·
وكان انقلاب الجبهة الإسلامية في ليلة الثلاثين من يونيو 1998 القشة التي قصمت ظهر البعير - كان إنقلاباً ذكياً استغلوا فيه موجة الغضب داخل القوات المسلحة وقلبوا النظام الديمقراطي باستخدام اسم قيادة الجيش· كان انقلاباً إسلامياً يمينياً متطرفاً ذهب مديره إلى السجن ومنفذه الفعلي إلى الظل وقارئ البيان العسكري إلى القصر توطئه لجمع الشمل من جديد بعد استقرار الأحوال·
كان أول قرارات مجلس الانقلاب الاتصال بقيادة الحركة في أديس أبابا - تم الاتصال وتحفظت الحركة على الانقلاب وطلبت إرسال وفد إلى أديس أبابا لتوضيح ما حدث في الخرطوم، وتم اختيار العميد بيويوكوان (شلك) والعقيد مارتن ملوال (إبن سلطان الدينكا) والعميد دومنيك كاسيانو (من قبائل الاستوائية) وكانوا أعضاء بمجلس قيادة الثورة الجديد، تم اختيارهم على أساس جهوي، ولم يكن لهم علاقة بالانقلابيين الإسلاميين، سرعان ما تغيرت أسماء الوفد وتشكل وفد جديد برئاسة العقيد محمد الأمين خليفة (مؤتمر شعبي معارض) والعميد كمال علي مختار نائب مدير فرع الاستخبارات العسكرية الذي أخفى تحركات الإسلاميين للاستيلاء على السلطة وسافر الوفد إلى أديس أبابا وعاد دون أن ينجز شيئاً وبقت الحركة على موقفها المتحفظ من التعامل مع الانقلاب الذي توجست منه وأسمته (انقلاب الترابي - البشير)·
الحرب الضروس
واجه جون قرنق حملات عسكرية شرسة هيأت لها حكومة الجبهة الإسلامية كل موارد الدولة المادية، والبشرية، والإعلامية، في محاولة لترجيح كفة الميزان العسكري، مستغلة مشاعر المسلمين والدفع بالشباب إلى حرب جهادية انتهت باستيلاء الجيش الشعبي لكل الريف الجنوبي عدا عواصم الأقاليم التي ظلت تحت سيطرة الحكومة المركزية بل وامتدت الحرب إلى الشمال وطالت مناطق لم تكن تابعه للاقليم الجنوبي في جبال النوبة، وجنوب النيل الأزرق، وشرق السودان·
عندما أحست الحكومة بالخطر، دعت إلى الجلوس إلى مفاوضات امتدت لعدة سنوات· كان قرنق خلالها يشك في مصداقية الحكومة للاتجاه نحو السلام الذي يتناقض مع دعوتها الجهادية ومشروعها الحضاري، كما كان يواجه ضغوطاً شديدة من (الصقور) في الحركة و(أبناء البندقية) من الجيل الذي لا يعرف عن الشمال سوى الموت ومرارة الحرب ولون الدماء كما كان هناك تيار معارض للسلام يقوده المثقفون الجنوبيون الذين لا يروا ثمناً للتفاوض غير الانفصال عن الشمال العربي الإسلامي الذي بدأ في استخراج مواردهم النفطية· ولكن قرنق بحنكته المعهودة استطاع المضي بالمفاوضات من مائدة إلى أخرى إلى أن انتهى بها المطاف إلى نيفاشا وبرتوكولها الذي قاد الاتفاق الذي لا يخلو من التشوهات وتكريس الثنائية الحزبية بين الحركة والمؤتمر الشعبي وتهميش الآخر شمالياً كان أو جنوبياً خارج منظومة الحزبين الموقعين للاتفاق·
تحرير الجنوب أم الشمال؟
جاء قرنق للتوقيع في نيفاشا بعد جولات مكوكية في أوروبا، وأفريقيا، وأميركا استخدم فيها حنكته السياسية واستبدل فيها بزته العسكرية ولغة الحرب بدبلوماسية رجل الدولة فاستطاع أن يقنع الجميع بعدالة قضيته وانتزع منهم ضمانات تحمي اتفاقه مع الشمال مدعوماً بالادارات الأميركية المتعاقبة والمنظمة الدولية المنحازه وأموال مجلس الكنائس الذي كان سائباً بين يديه ينفذ به أجندة المجلس في أفريقيا التي تواجه مداً إسلامياً عارماً في الغرب وفي الشرق تأتي رياحه الرئيسية من اتجاه الشمال عبر السودان الذي تبنى قادته حرباً جهادية لم يكونوا مكلفين الهيين بها ولم يقرأوا واقعهم جيداً فآثروا تبني فكر السلفيين الذين يواجهون منذ أحداث سبتمبر هجمات شرسة الخاسر الأكبر فيها الإسلام الذي يدعو للمحبة والتسامح والسلام·
عندما اقتنع قرنق بضرورة التوقيع على الاتفاق بقناعة شخصية أو بضغوط دولية كان يواجه صقوراً أخرى في الحركة لا يرون سبباً منطقياً لتبني قرنق القضايا القومية التي تهم السودان كله لأنهم لا يهمهم شماله بل جنوبه الذي ضحوا من أجله وقدموا أرواحهم فداء له ورأوا في دعوة قرنق القومية تكريس لطموح شخصية· ولكنه استطاع بدهائه وضعهم تحت ابطه ويظهر مسامحتهم من جراء ما ارتكبوه من أخطاء في حقه وحق أهله فجعل منهم هتيفة صامتين يؤدون دوراً دون أن ينبسوا ببنت شفة·
زلزال رمبيك
أخطر العواصف التي واجهته في اللحظات الأخيرة قبل التوقيع النهائي على الاتفاق هو خروج نائبه سلفاكير عليه وكان كير ضابطاً صغيراً برتبة ملازم يعمل مساعداً حين اندلع التمرد في بور فانضم كير إلى التمرد وصار واحداً من قادته التاريخيين والوحيد الذي ظل على قيد الحياة من رفاقه العسكريين وتدرج في الرتب مستفيداً من الأعاصير التي كانت تجتاح الحركة من حين لآخر حتى صار نائباً لقرنق، ولكنه عندما أحس بموقفه القوي والسند القبلي الذي يعتمد عليه، وهو ينتمي إلى قبيلة الدينكا توج بمنطقة (قوقريال) ببحر الغزال ذات الكثافة بين مقاتلي الحركة، أعلن موقفاً مضاداً لقرنق وأملى شروطه على قائده في مؤتمر عاصف برمبيك سبق التوقيع على اتفاق نيفاشا وكان مدعوماً بعناصر أخرى من قيادات الحركة مثل القائد جيمس واني ايقا القيادي الاستوائي والمقاتل المحترف - ولكن قرنق بدهائه وبعد نظره الاستراتيجي انحنى للعاصفة ووافق على كل المطالب الذي اقترحها مؤتمر رمبيك العاصف وكان أهمها ابتعاده عن العمل العسكري والتفرغ للعمل السياسي وآلت قيادة الجيش الفعلية·
وكانت أول قرارات قرنق بعد أن جلس على كرسيه الوثير في القصر نائباً أولاً لرئيس الجمهورية - إعفاء نائبه سلفاكير من قيادة الجيش وتعيينه نائباً له في حكومة الجنوب وأصدر قراراً آخرا بحل مجلس قيادة الحركة الشعبية وتعيين أفراده مشرفين على الولايات الجنوبية لفترة مؤقتة بلا صلاحيات دستورية كل منهم في اقليم لايمت إليه بصلة قربى قبلية أو تحالف قديم - وضمن بتعيين كير نائباً له هيمنة قبيلته على السلطة السياسية في الجنوب متمثلة في رئيس حكومتها ونائبه متجاهلاً القبائل الأخرى التي رأت في ذلك القرار هيمنة قبلية أشد سطوة من سيطرة الشمال·

اقرأ أيضا

الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا تجيز عودة روسيا