الاتحاد

دنيا

j st go whit it ..جبل من الأكاذيب بحثاً عن حقيقة واحدة

آثر المخرج الأميركي دينيس دوغان أن يفاجىء مشاهديه الباحثين عن مقالب فكاهية مضحكة، في فيلمه الأخير j st go whit it إذ بدا الفيلم في ختامه جدياً أكثر مما كانوا يتوقعون، أو يريدون ربما، العمل الذي قام ببطولته كل من آدم ساندلر وجنيفر أنيستون، إضافة إلى نيكول كيدمان، ونيك شواردسون وبروكلين ديكر، خرج هادفاً من حيث لا يتوقع أحد بما يتجاوز الأفكار المسبقة عن العمل، وبما يتخطى النمط المعروف عن ساندلر تحديداً الذي صنفته أعماله السابقة كممثل كوميدي بامتياز..



(أبوظبي) - هي السخرية المركبة، إذا جازت التسمية، التي يسعها توصيف ما يسعى الفيلم إلى تقديمه، وهو ينجح في ذلك إلى حدود بعيدة، بصورة مباغتة أمكنه تحويل المزاج العابث نحو مستو محسوب من الجدية والهادفية التي تدفع إلى التمعن في المدلول البصري، والتأمل في إشارات بسيطة من شأن تراكمها أن يصنع معطى مغايراً لمعانيها المجتزأة، الكم إذن يملك بعداً متناقضاً مع الكيف، وبأوضح: بوسع العدد الكثير من الطرائف أن يتحول إلى بعد مختلف ليس طريفاً بالضرورة.
براعة السخرية
داني (آدم ساندلر) جراح تجميلي يبرع في تعديل ملامح زبائنه، لكنه أكثر براعة في السخرية منهم، لا يقيم الرجل وزناً كبيراً لأخلاقية المهنة، وضرورة الحفاظ على أسرار مرضاه، الطبيب الذي يصنع الوسامة يبدو دائم البحث عنها في ملامح العابرين، ولأن صانع الأصنام لا يعبدها فإن داني لا يبدو مشدوداً نحو أولئك الذين يزيفون أشكالهم ليوهموا الآخرين بجمال مصطنع. هذه الانتقائية في تحديد المعالم الجمالية دفعت به نحو حالة متقدمة من فوضى المشاعر، لم يبد قادراً على الإعجاب بكثيرات ممن كن يدرن الرؤوس بسهولة. انطبق على صاحبنا المثل: من يرضى بنا لا نرضى به، ومن نرضى به لا يرضى بنا..
عاشق الزيف
يتناقش داني مطولاً في الأمر مع مساعدته كاترينا (جنيفر أنيستون)، هي لا تبدي آراء حاسمة، لكنها تكتفي بأن تجاريه حيناً وتسخر منه أحياناً أخرى، لا تبدو الأم العازبة لطفلين مثيرين للشغب معنية بما يمكن تسميتها حالة من المراهقة المتأخرة لرب عملها، لكنها لا تستطيع، ولا تحاول، كبح غضبها حيال بعض التصرفات الصبيانية التي تصدر عنه، كمثل أن يضع خاتم زواج مزيفاً في إصبعه اعتقاداً منه أن المتزوج أكثر قدرة على جذب الإناث من العازب، فالأنثى حينها تجد نفسها في منافسة تستسيغها عادة مع أنثى موازية لها، وعندما يكون الزفاف وهمياً يصير الانتصار متاحاً، وهذا أكثر ما يدخل الفرح إلى أعماق المرأة .
براعة داني في الكلام لا تقل عن مثيلتها في التجميل، هو قادر على تحويل مجرى الأحاديث نحو مستقر يختاره لها مسبقاً، وهو أيضاً يملك الكثير مما يستحق أن يُروى.
ابتكار الأكاذيب
كاترينا معنية بجعل حياتها أقل صعوبة، وبالمثل فهي اعتادت أن تصغي لهواجس رئيسها، وأن تساعده في حل المشاكل التي يوقع نفسه بها، هي تفعل كل ذلك دون أن تفصل بين واجبها المهني ودورها الإنساني.
أما داني الذي بنى أمجاده المهنية على الجمال المزيف، فهو لا يتردد في فعل الأمر نفسه حيال السلوك العاطفي.
وفي إحدى الحفلات التي يدعى اليها سيلتقي بالمر (بروكلين ديكر)، وهي فتاة جميلة دون حاجة إلى مفاعيل اصطناعية، يحسبها الضالة المنشودة، ويقرر الإيقاع بها، كانا لا يزالان في مقتبل علاقتهما عندما عثرت بالمر على خاتم الزواج الذي أعطى نتيجة معاكسة للمرجوة منه، إذ صودف أن الفتاة سبق لها العيش في أسرة مفككة بفعل الطلاق، وهي تدرك جيداً مخاطر التجربة، ولا تنوي جعلها تتكرر مع آخرين، وأن تكون هي نفسها السبب في ذلك..
كان على داني أن يبتكر كذبة جديدة من أجل اقناع الفتاة بكذبته الأولى: «نعم أنا متزوج من ديفيلين أدامس، لكنها فضلت عليَّ إدي (نيك شواردسون) وهو أحد أصدقائي للمفارقة».
في الكلام نصف الحقيقة، لجهة أن إدي هو صديق داني فعلاً، أما ديفلين فهي صديقة دراسة قديمة لكاترينا، كانت على صلة قديمة بها، خصومة مضمرة مغلفة بقدر من الود الزائف أيضاً، لا يسع المشاهد هنا إلا أن يتساءل ما إذا كان هناك شيء ما حقيقي وسط هذا الركام الهائل من الزيف.
ما تحمله كاترينا لديفلين كاف لدفعها إلى إطلاق اسمها على تصرفات قبيحة لا يتسع المقام لذكرها.
إجراءات مساندة
«أريد أن أرى زوجتك» تقول بالمر لداني، الذي يصير مضطراً لإبتكار كذبة أخرى: يجدر بكاترينا أن تتقمص شخصية صديقتها اللدودة، توافق الأخيرة وفي حسابها أنها تتقوم بدورها كمساعدة أمينة ومخلصة.
يحتاج الزيف إلى كثير من الإجراءات المساندة ليكون موازياً للحقيقة، يتعين على داني انفاق أموال كثيرة سعياً وراء مظهر لائق يناسب زوجة متطلبة تقف على حافة الطلاق، خلال اللقاء تبرع كاترينا في تجسيد دور ديفلين، وتبدو بالر مقتنعة بأن الطلاق يسير في منحاه الإيجابي، لكن ماذا عن الأطفال؟! تسأل فيجيب الزوجان الزائفان بأن لديهما طفلين، ويكون على داني مجدداً أن يقنع ابني كاترينا بالقول إنه والدهما، فيفاجىء بكون الولد محترف ابتزاز. فهو لا يطيل النقاش: المطلوب لقاء عملية التبني الزائفة رحلة إلى هاواي حيث يسعه تحقيق حلمه المزمن في السباحة مع الدلافين.
انهيار الجبل
هنا لا يعود ثمة مفر من القيام بالرحلة: داني وكاترينا وبالمر والطفلان، وأيضاً إدي العشيق الوهمي للزوجة المزيفة. جميعهم سيمضون رحلة عاصفة على حساب العاشق المهووس بالكذب، والذي يدفع أثماناً فادحة جراء كذبه دون أن يبدو عليه أنه ينوي التراجع.
مأزق يتناسل من مأزق هكذا تسير الأمور بجراح التجميل الذي يبرع في الخداع بمقدار براعته في ضخ السيلكون في أجساد زبائنه، لكن العقدة الأبرز تكون في صدفة لم يحسب لها أحد أي حساب: ديفلين أدامز الحقيقية، التي استدعي اسمها من ذاكرة قديمة، تقف فجأة أمام كاترين مستعيدة اللحظات الماضية، ومهددة بتقويض كل ما أنجزه داني بالتواطوء مع مساعدته وصديقه، وكل ما أسعفه به الحظ أيضاً..
هنا نكون أمام سلسلة من المفارقات المضحكة التي يكون فيها لإدي (نيك شواردسون) دور محوري خلالها، لكن العامل الأكثر تأثيراً هنا والذي يحدث تغييراً جوهرياً في مسار الفيلم، وفي نسقه الروائي أيضاً، يتمثل في جلسة تجمع كاترينا وداني إلى ديفلين التي تقترح عليهما أن ينظرا في عيني بعضمها البعض ويقولا ما يشعران به صراحة ودون زيف: هنا تكون مفاجأت كثيرة بانتظار الجميع: «أنا أصدقك أكثر مما أفعل مع الجميع»، تقول كاترينا، فيرد داني: «آنت الوحيدة التي لم أكذب عليها في حياتي».
يتنبه الاثنان فجأة إلى كون الرابط العاطفي الذي يجمع بينهما أكثر متانة من كل الصلات الواهية التي بنيت على سلسلة من الأكاذيب المتقنة الحبكة، يكتشفا وجود حقيقة صلبة لم ينجح الكثير من الزيف الذي راكموه فوقها أن ينال من حقيقتها، حقيقة أنهما متحابان في أعماقهما، وأن الأحداث التي انشغلا بها طويلاً لم تكن إلا امتداداً لعادة الغرق في اليوميات التي جعلتهما يؤجلان مصارحة نفسيهما بحقيقة المشاعر

اقرأ أيضا