صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

Mogon: كنز قرطاج

د·محمد لطفي اليوسفي

د·محمد لطفي اليوسفي

سنة 146 ق· م· تمكن جيش روما من اجتياح قرطاج وإحراقها بالكامل، بعد حروب دامت طيلة 118 سنة· والثابت تاريخياً أن جنرالات روما اعتبروا أرض قرطاج منذورة لآلهة الجحيم وفرشوها بطبقة كثيفة من الملح حتى تصبح أرضاً يباباً· يجمع المؤرخون الذين دوّنوا ما جرى على أن مجلس الشيوخ الروماني أوصى جنرالات الجيش بألا يعودوا إلى روما إلا بعد أن يظفروا بأعظم كنز تمتلكه قرطاج وهو الموسوعة التي ألفها ماغون (Magon) حول فنون الفلاحة· تحوي هذه الموسوعة 28 مجلداً· وستظل بمثابة أهم مرجع في فنون الفلاحة طيلة قرون عديدة· كتب ماغون (Magon) القرطاجني هذه الموسوعة فذاع صيته وطبقت شهرته الآفاق، وسرعان ما صارت الموسوعة محل أطماع دول العالم القديم· وحال وصولها إلى روما قام ديسيموس سيلانوس بترجمتها إلى اللاتينية· وسيكتشف الرومان بعد ذلك أن اليونانيين كانوا قد حصلوا على نسخة من هذه الموسوعة وقام كاسيوس ديونيزوس بنقلها إلى اللغة اليونانية في القرن الثاني قبل الميلاد· والراجح أن ترجمة كاسيوس ديونيزوس لم تكن أمينة ولم تطرح قدّام اليونانيين كل ما احتوته الموسوعة من معارف حول الفلاحة· لذلك أعاد ديوفاني دي نيسي ترجمتها إلى اليونانية من جديد في القرن الأول قبل الميلاد·
كيف وجد ماغون (Magon) متسعاً من الوقت ليؤلف هذه الموسوعة الكنز؟ فقد قضى عمره منشغلاً بالدفاع عن قرطاج مقيماً في ساحات الوغى· كان العضد الأيمن لأخيه هانيبال القائد القرطاجني الأشهر· وكان قد لعب دوراً حاسماً في صنع أمجاد قرطاج· فحين عقد هانيبال العزم على غزو روما كان على يقين من أن الأسطول البحري القرطاجني أضعف من أن يهزم روما في البحر، لذلك اختار أن يغزوها براً، فجيش جيشا مؤلفاً من خمسين ألف جندي، وتسعة آلاف فارس، وأكثر من ثلاثين فيلاً من فيلة أفريقيا، وعبر جبال البريني وجبال الألب مطارداً جيش روما ملحقاً به الهزيمة تلو الهزيمة· وكان الجنرال ماغون على رأس فرقة نجحت في إخضاع العديد من المدن الاسبانية والفرنسية· وهو الذي أخضع مقاطعة قادس الاسبانية التي تمردت على قرطاج· ثم استنهض المدن الاسبانية حتى تهب لقتال روما· وحين فشل في ذلك تحصن داخل مدينة ماغون الاسبانية التي مازالت تحمل اسمه إلى اليوم· يذهب بعض المؤرخين إلى أن ماغون ألف هذه الموسوعة في أخريات عمره حين انتهت الحروب ضد روما واحتمى هانيبال بملك سوريا المعادي للرومان وقتها· لكن العديد منهم يجمعون على أن ماغون جرح جرحاً قاتلاً في اللحظة التي كان يستعد فيها للعودة إلى قرطاج على إثر حملته على مدينة جنوة التابعة لروما· توفي ماغون سنة 203 قبل الميلاد، لكنه رفع اسم قرطاج عالياً وترك في الدنيا دوياً، وفي مكتبات الأرض موسوعة طوّرت الفلاحة في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط جميعها·