الاتحاد

الاقتصادي

خفض العملة المحلية وإلغاء دعم الطاقة شرط الإقراض لمصر

عمال في أحد المصانع في مصر

عمال في أحد المصانع في مصر

القاهرة (الاتحاد) - تتحرك العلاقة بين مصر وصندوق النقد الدولي نحو المواجهة خلال الفترة القليلة المقبلة، بحسب توقعات خبراء اقتصاديين، أشاروا الى تدهور العلاقة بين مصر والمؤسسة الدولية على خلفية إقدام صندوق النقد على تعديل سياساته تجاه إقراض مصر، ما دفع المؤسسة الدولية الى إعلان شروط جديدة ومتشددة لإقراض ثلاثة مليارات دولار جرى الاتفاق عليها في مايو الماضي.
وتركزت شروط الصندوق على قضيتين تمثلان حساسية كبيرة للحكومة المصرية وهما الإلغاء الفوري والكامل لدعم الطاقة وتخفيض قيمة الجنيه واستند الصندوق في شروطه الجديدة على عمليات الخفض المتتالي لتصنيف مصر ائتمانيا من جانب مؤسسات التصنيف الدولية وفي مقدمتها مؤسسة “موديز” التي منحت تصنيفا سلبيا غير مستقر على المديين القصير والمتوسط الأمر الذي يعني تغير واقع الاقتصاد المصري حاليا مقارنة بأوضاعه في مايو الماضي.
وبناء على رفض مصري قاطع لتخفيض قيمة الجنيه بادر صندوق النقد بطرح شروط جديدة تتعلق بالإنفاق العام وضرورة اعتماد سياسات مالية أكثر تشددا.
وبحسب هؤلاء الخبراء، فإن الفجوة التمويلية الكبيرة التي تعيشها مصر حاليا والتي تدور حول 12 مليار دولار لن يستطيع صندوق النقد الوفاء بها، حيث إنه محكوم بنظام أساسي لا يتيح للدول الاقتراض أكثر من ضعف حصتها في رأسمال الصندوق بما يعرف بحقوق السحب.
الجدير بالذكر، أن حصة مصر في الصندوق تبلغ 1,5 مليار دولار أي أن مبلغ الثلاثة مليارات دولار التي دار التفاوض حولها كانت تمثل سقف الاقتراض من الصندوق.
وذكر الخبراء أن الوصول الى اتفاق مع الصندوق سيمثل شهادة صلاحية تستخدمها الحكومة المصرية في التفاوض مع جهات مانحة أخرى وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي ومؤسسات مالية إقليمية، للحصول على مزيد من القروض لسد الفجوة التمويلية التي تقدر بنحو 12 مليار دولار كان مخططاً جمعها من عدة مصادر تمويلية دولية وإقليمية إلا أن عدم التوصل إلى اتفاق مع الصندوق يزيد من تعقيد الموقف بالنسبة للحكومة المصرية ويجعل البحث عن مصادر تمويل بديلة أمراً حتمياً.
ويشير الخبراء الى أن مصر تلقت رسالة الصندوق السلبية وبدأت البحث عن بدائل عربية أو إقليمية حيث جرى تنفيذ الاتفاق مع صندوق النقد العربى والذي حصلت بموجبه على الشريحة الثانية من القرض البالغ 470 مليون دولار، وكانت قد حصلت على الشريحة الأولى البالغة 200 مليون دولار قبل عدة شهور.
كما دخلت الحكومة المصرية مفاوضات مباشرة مع الصندوق السيادي لأبوظبي خلال الأيام القليلة الماضية، بهدف الحصول على 750 مليون دولار في إطار حزمة المساعدات التي أعلنت الإمارات عن استعدادها لتقديمها الى مصر.
ومن المنتظر، أن تواصل الحكومة المصرية جهودها واتصالاتها للتفاوض مع أطراف عربية أخرى في مقدمتها السعودية وقطر والكويت حول اتفاقيات تقديم الدعم المالي لمصر وكذلك اللجوء الى مؤسسات التمويل الإقليمية وفي مقدمتها البنك الإسلامي للتنمية وبنك التنمية الأفريقي للحصول على مساعدات عاجلة لإنقاذ الوضع المتدهور للمالية العامة.
وأوضح الخبراء أن هذه الجهود تتزامن مع إجراءات تقشفية حازمة بدأت الحكومة تنفيذها خلال الفترة الماضية على الجهاز الإداري للدولة، حيث تقرر وقف المشتريات الحكومية وإلغاء الكثير من بنود الإنفاق الحكومي، بهدف مواجهة انفلات عجز الموازنة المتوقع له أن يتجاوز النسبة المقررة عند إعداد الموازنة والذي كان يدور حول 134 مليار جنيه.
وتشير التوقعات الى أن هذا العجز سوف يتجاوز 180 مليار جنيه بعد قيام الحكومة السابقة بالتوسع في الاقتراض المحلي لسد مطالب الاحتجاجات الفئوية وزيادة أجور العاملين بالدولة من دون دراسات واقعية تتعلق بكيفية تدبير الموارد اللازمة لتلبية هذه المطالب، خاصة أن حكومة عصام شرف كانت تعول كثيراً على إمكانية استرداد جزء من الأموال المصرية المهربة الى الخارج أو تحصيل جزء من المتأخرات الضريبية على بعض كبار الممولين والتي تزيد على 60 مليار جنيه من أعوام سابقة.
وبوصول العلاقة بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي إلى مرحلة الترقب الحالية، تجد الحكومة نفسها في مأزق شديد، خاصة مع تراجع كافة مؤشرات الاقتصاد الكلي وتآكل نسبة كبيرة من الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي مع حلول مواعيد سداد استحقاقات أقساط الديون الخارجية السنوية والتي تدور حول أربعة مليارات دولار سوف يتم سحبها من رصيد الاحتياطي المتبقي البالغ 20 مليار دولار، ما يعني وصول هذا الرصيد الى 16 مليار دولار خلال يناير الجاري وهو مبلغ لا يغطي أكثر من واردات أربعة أشهر.
وجاء قرار حكومة الجنزوري برفض مطلب صندوق النقد الدولي بخفض قيمة العملة المصرية، خشية اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية بسبب التضخم المتوقع في أسعار السلع الرئيسية الذي سينتج عن خفض قيمة الجنيه والذي من شأنه أن يزيد الموقف تعقيداً في مصر على الصعيد السياسي إلى جانب أن الإلغاء الفوري والكامل لدعم الطاقة سوف ينتج آثاراً سلبية على شتى مناحي الحياة الاقتصادية بما اضطر الحكومة لعرض جدول زمني لإلغاء دعم الطاقة في مجال الصناعة والاكتفاء مؤقتا بدعم الطاقة الموجهة للأغراض الاجتماعية مثل الإبقاء على دعم السولار وغاز البوتاجاز والكهرباء المنزلية.
وحسب معلومات حصلت عليها “الاتحاد” فإن قضية خفض قيمة الجنيه جرى استبعادها تماما من السياسات المالية التي تعتمدها الحكومة في الفترة المقبلة نظراً للأثار السلبية التي سوف تترتب عليها وأن البنك المركزي سوف يواصل سياسة مساندة العملة المحلية، خاصة على ضوء توقعات تشير الى إمكانية تحسن ميزان المدفوعات في العام الجديد في ظل انحسار موجة خروج الاستثمارات الأجنبية من البلاد .
وشهد العام المنصرم خروج استثمارات أجنبية من مصر تقدر بنحو 8,9 مليار دولار وذلك في شكل سندات وأذون خزانة قام المستثمرون الأجانب ببيعها ولم يعد لديهم الكثير منها وبالتالي فإن معدلات خروج الأموال في العام الجديد سوف تكون محدودة بطبيعتها ولن تؤثر كثيراً على صافي الاحتياطي النقدي .
ويشير تقرير للبنك المركزي تلقاه رئيس الحكومة الدكتور الجنزوري مؤخراً، إلى امكانية تحقيق فائض في حساب المعاملات الخارجية اعتماداً على تزايد تحويلات المصريين العاملين في الخارج والتي حققت نموا في العام الماضي بنسبة 33 % لتبلغ 12,1 مليار دولار وكذلك ارتفاع حصيلة رسوم المرور في قناة السويس والتي بلغت 5,1 مليار دولار في العام الماضي المنتهي في 30 يونيو 2011 وتحقيق السياحة إيرادات قدرها 10,6 مليار دولار بانخفاض قدره مليار دولار عن العام المالي الأسبق.
ووفقاً للتقرير، فإن المفاوضات المرتقبة خلال أيام مع بعثة صندوق النقد، التي ستزور القاهرة في يناير الجاري سوف تتركز بصفة أساسية على دعم الطاقة حيث أعطت الحكومة عدة إشارات إيجابية للصندوق منها قرار ببدء تطبيق الأسعار الجديدة للطاقة للمصانع الكثيفة الاستخدام لها وفي مقدمتها الحديد والأسمنت والسيراميك والأسمدة اعتباراً من أول يناير.
ويؤكد الدكتور سلطان أبو علي وزير الاقتصاد المصري الأسبق، أن الصدام المتوقع بين الصندوق والحكومة سوف يدور حول دعم الطاقة الموجه الى الأغراض الاجتماعية حيث يصر الصندوق على تقليص دعم الطاقة الى أقل قدر ممكن بدعوى ارتفاع نسبة هذا الدعم قياساً إلى الناتج المحلي الإجمالي حيث تدور هذه النسبة حول 8 % وتعد من أعلى المعدلات العالمية.
وأضاف: أن النقطة الثانية للصدام بين الصندوق سوف تدور حول أوجه الإنفاق الحكومي وسياسات الترشيد التي تتبعها حكومة الجنزوري حيث تخطط لاستخدام الوفر المالي الناتج عن هذا الترشيد في تمويل استثمارات عامة واستكمال مشروعات مؤجلة تسهم في دفع عجلة النمو الاقتصادي بالبلاد.
وأوضح أن الصندوق يفضل في مثل هذه الحالة تطبيق سياسات مالية مغايرة لا تعتمد على التوسع في الاستثمارات العامة بقدر ما تعتمد على تحفيز القطاع الخاص وهو ما يتنافى مع الواقع الاقتصادي في مصر في هذه المرحلة، حيث لا يزال القطاع الخاص متردداً وغير جاهز للدخول باستثمارات كبيرة بسبب استمرار غموض الموقف السياسي بالبلاد وتفضيله الانتظار لما بعد مرحلة الانتخابات الرئاسية.
ولفت إلى انه من المهم في هذه المرحلة أن تسعى الحكومة المصرية الى تطبيق اتفاقيات التمويل مع الدول العربية المانحة ومع مؤسسات التمويل الإقليمية خاصة البنك الإسلامي للتنمية وصندوق النقد العربي، نظرا للشروط الميسرة وفترات السماح الطويلة التي تتمتع بها قروض هذه المؤسسات وهو ما يلائم ظروف مصر حالياً والتي تتطلب تمويلا منخفض التكلفة وطويل الأجل وبعيدا عن المشروطية السياسية، خاصة أن الحكومة الحالية مؤقتة وعمرها محدد بستة أشهر ولا تستطيع وليس من صلاحيتها اتخاذ قرارات طويلة الأجل ومنها الحصول على تمويل مرتبط بشروط صعبة سواء كانت هذه الشروط اقتصادية أو سياسية.

اقرأ أيضا