الاتحاد

الملحق الثقافي

جمعة المغني

فلل حديثة تطل من خلفها البنايات الجديدة، ومن بين هذه الفلل يقع بيت جمعة المغني بين عدد قليل من البيوت القديمة التي نسيتها يد التحديث، ويشرف عبر ممر قصير متعرج على البحر، هكذا تبدو منطقة جميرا، في هذا الصباح الهادئ بشاطئها الساحر كلوحة رسمت بألوان مائية. وحده بيت جمعة المغني وما جاوره من بيوت هو كل ما تبقى من جميرا القديمة، التي بنيت في السبعينيات.

حين فتحت أم جاسم باب البيت أطلت الغرف المتراصة في شكل طولي يمثل رقم ستة، كمكعبات رصها طفل صغير، لتنتهي هذه الغرف بشجرتي نخيل، وبجوارهما عنزتان هزيلتان تصر شيلا زوجة جمعة على بقائهما، إيمانا منها ببركتهما وخيرهما. وكلما تقدمت أم جاسم في مشيها إلى ساحة المنزل طار الحمام بعد أن التقط فتات الخبز المنثور. ما أدري لأي شيء يربون الحمام، وما وراءه إلا الوسخ! نظرت خلفها بحثا عن الخادمة «زينت» وما أن اطمأنت حتى دفعها الفضول لفتح باب مجلس الرجال. بدا جمعة المغني نائما على الوسادة الضخمة، وبطنه المتكور يعلو جسده الممتلئ كأنه قربة منتفخة، وبجواره عوده وأكواب شاي موزعة على امتداد المجلس. تأملت بطنه وهو يصعد ويهبط على إيقاع الشخير. مطت شفتيها: ـ يا سلام على سهرة كل خميس! ونظرت للمكتبه المليئة بالمخطوطات والكتب القديمة، وفي بعض أدراجها تتراكم أشرطة كثيرة كم تمنت على جمعة أن يعطيها كتبه لتعلف بها غنمها طالما أنه لا يستطيع قراءتها، فيرد عليها كل مرة ضاحكاً: ـ أنت تريدين الغنم يتثقفن، يا أم جاسم هذه كتب مهمة، جمعت فيها تاريخ البلد والقصص الشعبية والأغاني القديمة، ويمكن أحد عنده قدرة ويطبعها في يوم من الأيام، حتى لو بعد وفاتي. وما أن أغلقت الباب مستديرة، حتى تفاجأت بعيني زينت خلفها تبتسم بمكر المدرك لفضولها قائلة: ـ ماما شيلا داخل صالة.

***

شيلا تلك الصغيرة التي نسيت لعبتها في كيرالا فرحة بالسفر، وبلقاء أمها التي رتبت لتزويجها بجمعة، وهي صفقة ما كانت لتحلم والدتها بها لولا أن أم جاسم مازحت خادمتها قائلة: لولا أنك متزوجة لزوجتك جمعة، وبعدها ترتب كل شيء بسرعة. وكانت أم جاسم قد زارت البيوت منذ سنوات طويلة بحثا لجمعة عن عروس، لكن كل البيوت أجابتها بالرفض، بجملة واحدة: ما له نصيب عندنا. وإن اختلفت طريقة الرفض من بيت لآخر، لكن إحدى الفتيات جابهتها بقسوة مستغلة ذهاب والدتها لإحضار الفواكه. أم جاسم: هذا غني وشاب. ـ نحن لا نتزوج منهم، وإذا كان غنيا فالله الغني عنه. أم جاسم: كلنا عبيد الله، وأنت كبرت يا بنتي، والستر أحسن لك. خفضت رأسها قليلا، ثم رفعته وهي تزفر زفرة قصيرة غاضبة. لو كملت مئة سنة لن أتزوجه، ويحسن نسله بعيدا عنا! أم جاسم: هذا مطرب مشهور. ـ هو لا يناسبنا أبدا، وهناك فرق كبير بيننا، وشهرته لا تغير شيئاً. وصادف دخول الأم، وهي تنطق عباراتها الأخيرة. وضعت الفواكه بهدوء، للحظات لم تتكلم، محاولة أن تمتص غضبها بنظرات جامدة لابنتها، التي انصرفت بسرعة. حاولت الأم أن تنتزع ابتسامة تلطف بها الموقف، غير أنها أخفقت. تنفست بعمق قائلة: لا تهتمي بكلامها، بعدها قليلة خبرة في الحياة، والله لا نردك يا أم جاسم لو طلبت شيئاً آخر، لكن نصيب جمعة يمكن في مكان ثان. وزوجي متدين لا يرضى يزوج ابنته لمطرب.

***

احتضن جمعة عوده كما يحتضن طفلاً صغيراً، وتأكد من ضبط أوتاره. ثم التفت حوله ليطمئن على من بجواره، في حين أخذ أبو حمود يحشو المداويخ بالتبغ باتقان المستمتع، ويقدمها للجالسين ثم يتأمل وجه جمعة، هذا الوجه الذي قُدّ من شجرة إفريقية، فبدت سمرته لامعة، وأنفه كقمة جبل ضربت لتتسع فتحتا منخريه، وعليهما ترتاح نظارته السوداء. وما هي إلا لحظات حتى قال أحد الحضور قاطعاً همسات الآخرين، وبصوت يغالب الضحك: يقولون يا جمعة أنك تشكر الله على العمى! ردّ عليه جمعة بسرعة: لأنه أراحني من رؤية أمثالك! انفجر المجلس ضحكا، وترددت ضحكاتهم حتى طغت على دندنات جمعة، ولم يقطعها إلا دخول الخادمة زينت، وهي تحمل صينية الشاي. سأله أحدهم: أتبيع بيتك؟ الأسعار غالية في جميرا وخذ لك بيتاً صغيراً في مكان ثان. انتفض جمعة: ولأي سبب أبيعه؟ ومن يبيع جميرا وجيرانه وتاريخه؟! تغير وجه السائل، وصار يتلون، وازداد إحراجه لتعكيره مزاج صاحبه قائلاً بصوت منخفض: أولادك كبروا، وأنت ترى البيت صار قديماً. والبلدية بعثت رسائل تتكلم فيها عن الهدم، والبيوت تشوه منظر المدينة. أطرق جمعة طويلاً، ثم بكى، كانت دموعه تنهمر، وبصوت ضعيف ومتقطع: عيون الناس ضاقت على بيتي. كأنه الوحيد في جميرا، كأنه يشوه الدنيا كلها. وامتدت يد صاحبه تربت على كتفه ليهدأ، غير أنه أكمل: حتى زوجتي تريدني أبيع البيت، وأنا لا أملك إلا هذا البيت، وعودي وفني. الكل نسيني بعد ما كنت مشهوراً. ضاع المال، وبقى الفن في أشرطة في الإذاعات، ولا أحد الآن يعرفني. بدأت فقيراً وسأموت فقيراً، وأولادي لهم الله يحفظهم. نظر أبو حمود للجميع، ليبحث في أعينهم عن طريقة لعودة الأنس لسهرة الخميس، لكن اصطدم بوجوم حل على رؤوسهم. فقال: والله يا أسمراني، يا لون الشكولاته ما يناسبك الحزن! أنت أصل الطرب والفن. وحاول أبو حمود أن يأخذ العود من بين يدي جمعة، لكنه رفض أن يترك له العود قائلاً: كان صديقي، الله يرحمه، الكويتي، يغني ويقول:

فما الناس بالناس الذين عهدتهم
ولا الدار بالدار التي كنت أعهد

وتصاعدت الآهات في جلسة الطرب، في حين تراصت أجساد الصغار في الغرفة الأخرى وكانت أمهم تتابع أحداث الفيلم الهندي مع الخادمة، لكنها لم تبك هذه المرة كعادتها، لأن ذهنها مشغول في طريقة لبيع البيت.

***

«أعلنت وفاة المطرب جمعة محمد الشهير بجمعة المغني، حيث وافته المنية مساء أمس..». هكذا تناقلت الصحف المحلية ما أوردته وكالة الأنباء، فنُفي خبر وفاة جمعة المغني إلى زاوية صغيرة في أقصى صفحة الفن. بينما وقفت أم جاسم أمام البيت تتابع بفضول ما يحدث، وعيناها ترصدان كل ما يدور حولها، فتسأل كل من يدخل، وتنقل الأخبار لكل من تراه، تلوك العبارات بسرعة عجيبة، ولا تمل من تكرارها. هي تقول إن ابن عم جمعة، الذي ظهر لأول مرة في جميرا يسأل عن الميراث وعن زوجة جمعة إن كانت على ذمته أم طلقها، فأخبرته أن زوجة المرحوم باعت البيت بعد العزاء وسافرت إلى الهند، لأن البيت سجل قبل أسبوعين باسمها. وسألته: أتريد عنوان شيلا حتى تسأل عن الأولاد؟ لكنه أشار بيده غير مكترث بكلامها، وهو يمضي مسرعاً نحو سيارته. وأما أم جاسم فباعت كل الأبواب والشبابيك والمكيفات وكل شيء يستحق البيع من بيت جمعة، وأما الأشرطة وأغراضه وعوده فباعتها لشخص مهتم بالتراث، لا تتذكر منه إلا اسمه أبو سلمان، وهو كان كريماً معها فاشترى الأغراض بألفي درهم!

اقرأ أيضا