الاتحاد

الملحق الثقافي

رواية النّكبات المزدوجة

يمكن تلخيص رواية «على ضفاف بابل» للكاتب خالد القشطيني في مبتداها بمحنة اجتماعية، تبدأ من شكوك عائلة سميرة بحملها من ابن الجيران (حسّون ابن عبد العلي)، ولجوء أخويها إلى الدّكتور عبد السّلام ساسون للكشف عليها، وما إذا كانت فعلا حاملا منه، وإمكانيّة التّخلّص منها إذا ما كان الأمر كذلك. ولما كانت النتيجة أن سميرة كانت حاملا من حسّون، وبدلا من قتلها على يد أحد إخوتها، حسب العرف العشائري والعائلي، فقد فضّلت العائلة الإعلان عن فقدان ابنتهم، فيما كان الدكتور عبد السّلام يهرّبها إلى البصرة عبر أحد زملائه العاملين هناك في المستشفى الملكي، بينما كان حسّون يعاني عذابات وآلام البحث عنها، إلى أن يقوده ذلك أخيرا إلى التّجنّد في الجيش العراقي، ليرسل إلى فلسطين وليكون مصيره الأسر هناك. وفيما كان الدّكتور عبد السّلام يشهد تدهورا في حالته العقليّة والنّفسيّة، كانت أمور اليهود العراقيين تشهد هي الأخرى توتّرا؛ لجهة العمل على إجبارهم طوعا أو عنفا للهجرة من وطنهم إلى فلسطين الموعودة بأن تصبح وطنهم، إلى أن يلتقي حسّون بالدّكتور في المكان الّذي ضمّهم سويّا؛ الأوّل كأسير حرب والثّاني كطبيب يشرف على صحّة الأسرى العرب، سهّل له الدّكتور طريق الهرب والعودة إلى العراق بعد أن يكشف له سر سميرة ووجودها في البصرة لدى زميله الدّكتور جورج مالك، الّذي لم يجده هو الآخر، بل ليستدلّ على مكان وجود سميرة في بيت للدّعارة، فيحرّرها منه، لينطلقا إلى المطار، في رحلة «نحو أيّ أرض في العالم لا يذبح فيه النّاس من تستجيب لنداء الحب أو يغتصبون جسمها وروحها ويستبيحون حياتها وكيانها».

هذه باختصار فحوى الحكاية التي حملت «على ضفاف بابل» على عاتقها سردها، نحو تحرير الحكاية من أسر أغلال العادات والتّقاليد الاجتماعيّة المتخلّفة، وفي ذات الوقت تحرير بشر الحكاية من أسر أغلال القهر العنصري، فكانت مهمّة التّحرّر مزدوجة، وهذا ما حدّده الرّاوي من البداية عبر انحيازه لعدد من شخصيّاته المحوريّة كالدّكتور عبد السّلام. تنبني الرّواية في العديد من مقاطعها كسرد بصري، خالقة نصّا حاذقا لم يكن يعوزه منذ البداية سوى اكتماله، واكتمال بنيته الفنّية كقصّة أو كحكاية طويلة، عملت تفصيلات السّرد الدّقيقة على تحويلها إلى رواية زاوجت بين الاجتماعي والتّاريخي، في ما أمكن للتاريخي أن يفيد في إيضاح أو إنضاج فكرة السّرد الرّوائي، لراو أنضج عمله في أتون ومعترك الحياة اليوميّة والتاريخيّة؛ لواقع إجتماعي كان يتحوّل على إيقاع نضوج واختمار «الفكرة الصّهيونيّة» وتسريبها في واقع بلداننا العربيّة رويدا رويدا؛ بالسّياسة مرّة وبالعنف الموجّه مرّات ومرّات. ولهذا أمكن للرّاوي العبور نحو العديد من المحطّات التي شهدتها أحداث التّرحيل القسري لليهود؛ من إصدار قانون إسقاط الجنسيّة، إلى عمليّة البساط السّحري ـ عمليّة عزرا ونحميّا ـ ودخول الحركة الصّهيونيّة وموسادها على خط زعزعة أمن الطّائفة اليهوديّة في العراق .. إلخ، حتّى أنّ الرّواية ذهبت حدّ اعتبار عزرا الكاتب ـ كاتب الرّواية التوراتيّة التّاريخية ـ «أوّل بوق يجاهر بالدّعوة إلى الصّهيونيّة، وقد ضغط على يهود بابل قبل نحو 2500 سنة للعودة من حيث أتوا إلى أرض إسرائيل وإعادة بناء كيانهم القومي والإحتفاظ بهويّتهم اليهوديّة». وفي الرّواية العديد من مواضع نفي إدّعاءات ومزاعم الحركة الصّهيونيّة، التي لم يكن ليصدّقها كلّ يهود بلادنا العربيّة؛ لولا موجات التّعصّب الشّوفيني والدّيني التي قوبلوا بها؛ بفعل الدّعايات الأيديولوجيّة التّعصّبيّة والمعتقدات الزّائفة لعنصريين من الجانبين، كما وبفعل عمليّات التّفجير والإغتيال وأعمال العنف التي لجأت إليها منظّمات صهيونيّة، عبر أذرع استخباراتيّة صهيونيّة وغيرها من أجهزة الأنظمة الحاكمة المتخلّفة يومذاك التي روّجت لـ «الوطن القومي اليهودي» على حساب الوطن الفلسطيني، من حيث أرادت على النّقيض من ذلك؛ أن تمنع قيام ذاك الكيان الغاصب، فكانت أعمالها وطرائق اشتغالها كمّن صبّ الماء في طاحون الأعداء. ولئن جرت أحداث الرّواية في الأربعينات من القرن العشرين، فلأنّ بنية الرّواية ووعي راويها كسارد، ما كان بإمكانهما أن يتجاوزا تلك الحقبة، رغم أنّ السّرد في تضاعيفه كان يؤشّر إلى ما يتجاوز المفهوم الزّمني الّذي لعبت الرّواية على مسرحه لعبتها الأثيرة، في الإمساك بلحظة التوتّر الاجتماعي، وصولا إلى لحظات التوتّر السّياسي/الوطني الذي جعل (عبدالسّلام ساسون) الشخصيّة المحوريّة في الرّواية يعكس وبأمانة كل لحظات التوتّر تلك، حتّى وهو يتماثل للشّفاء من نوبات الصّرع والجنون التي وضعته في مواجهة صراع مع الذّات، إلى الحدّ الّذي جعله يتخلّى عن البيت الذي منحته له الوكالة اليهودية في فلسطين بعد هجرته القسريّة إليها، لصاحبه الفلسطيني (عبد الغفور) المهاجر إلى أميركا، والّذي جاءه زائرا بعد نفيه وتشرّده.

اقرأ أيضا