الاتحاد

الملحق الثقافي

شاعرٌ اكتسبَ ألوان القصيد من البيئة الإماراتيّة

شاعر يقف في الصفّ الأول في سُلّم شعراء دولة الإمارات، مُبدع واكب في حياته مسيرة القرن العشرين إلى آخر ربعه الثالث، وهو أحد الشعراء المطبوعين، الذين اكتسبوا الشعر من بيئتهم المحليّة الصافيّة، يوم لم تكن وسائل الإعلام والتعليم الحديثة قد لامست الأسماع والأبصار والأفهام. إنّه الشاعر محمّد بن ثاني بن زنيد الذي كان بحقٍ ابن بيئته التي رفدتهُ ورفدها وانطبعت أشعاره بطابعها، فظهرت جليّة في لُغته، وموضوعاته، وملامح خَياله، وأطياف صُوره. لا تخطئ العين الفاحصة بصماتها. ولقد امتد العمر بشاعرنا محمّد بن ثاني بن زنيد فأدرك عصر النهضة الإماراتيّة الشاملة، ورأى ما تحقق لوطنه وشعبه من عظيم الخير ببزوغ فجر الاتحاد وتفجر ثروة النفط. فعبّر بحسّ الشاعر الرقيق عن ذلك بقصائده وتغنى بما رآه وشاهده، مقارنة بما كان من شظف العيش وقسوة الحياة قبل عيد الاتحاد.

صوتٌ في المناسبات

الشاعر محمّد بن ثاني بن زنيد ساهم بقصائده الوافرات في المناسبات السياسية والاجتماعية التي مرت به. فكان صوته فيها مسموعاً مُميزاً. إذ كان على صلة وثيقة مع شعراء عصره المشهورين فبادلهم القصيد ودارت بينهم مُساجلات كشفت عن شاعرية فذّة ومَقدرة فنيّة مُميزة رفعت اسمه عالياً بين شعراء عصره من المُخضرمين الأوائل، فما كان منهم إلاّ أن سجلوا بن زنيد علماً من أعلام مسيرة الشعر النبطيّ في دولة الإمارات، وجعلت قصائده تدور على كلّ لسان لما فيها من جَمالٍ وقُوةٍ، ولما تُشكله من أُنموذج رفيع يحتذيه الشعراء الجُدُد في دروب الشعر النبطيّ من الأصوات الشابة... وقد صدر ديوان بن زنيد عن لجنة الشعر الشعبيّ في نادي تراث الإمارات في أبوظبي، ضمن سلسلة شعراء من الإمارات، الذي أشرف عليه الشاعر الكندي مصبح الكندي، وشرحه وأعدّه الشاعر محمّد إبراهيم الحديدي ود. غسان الحسن، وعلى الرغم من عدم إحاطة لجنة الشعر بنادي تراث الإمارات بجُلِّ أشعار بن زنيد إلاّ أنّها أصدرتهُ على ما هو عليه، مُشاركة منها في تكريم هذا الشاعر الفذّ، ومُبرزين ما في شعره من مَكامن التفوق والتميز، ومواطن الجَمَال والفَصاحة، وما احتوته قصائده من بَراعة في التصوير ودقة في التعبير، وذلك من خلال دراسة وتحليل بعض قصائده تحليلا أدبياً صافياً...

القصائد ونظرات

يحتوي ديوان الشاعر» بن زنيد» على ثلاث وعشرين قصيدة في القسم الأول، بينما جاء القسم الثاني تحت عنوان: «نظرات في بعض قصائد بن زنيد» للدكتور غسان الحسن. وقد أُدرجت عنواناتها قصائد ديوان الشاعر بن زنيد على النحوّ الآتي: «يا أهل الهوى، سيد الغواني، صفوة كل غيد، يا زين، هاض ما بي، الطيّارة، ونّيت، مدرجٍ طايح، مزن غيم، صويب الحال، طارشي، «مشاكاة إلى الشاعر سالم الجمري»، طاب فال الطارش...» ردّ الشاعر سالم الجمري»، يا حسرتي، البارحة، عين ريم، مهل يا الطارش، حبل الهوى، حسبي عليهم، الرند طلاع، دبي، هذا حرام « قصيدة موجهة إلى الشيخ أحمد بن سوقات»، مسموح لو يشره عليه» جواب الشيخ أحمد بن سوقات» ، وأخيراً قصيدة رضاب». وقد جاءت قصيدة الشاعر بن زنيد الموسومة « يا زين» لتصور ذلكم اللقاء الأثير مع» الزين» وهو يُحاكيه لكي يكون لقاءً سَمحاً وأن يدوم وصالهم ببابهِ المفتوح والمتواصل، وأنّ دمعه نضّاح يهمي من عيونه مثل الوَبل المزون المدرارة، حين يفارقه الزين وتبعد بينهما المفازات القصيّة، فيقول الشاعر مصوراً ذلكم المشهد بصورة فنيّة غاية في الروعة:

يا زَين تَرِّج طِرْق لِمْزَاحْ
وادّارَكِنْيِه قَبِلْ لا رُوحْ
خَلِّ اجتماعِي مَعْك بِسْماحْ
والوَصْل بابِه دُوم مَفتوحْ
ودِّي اتّابِع قول نَصّاح
واتْعَتِق لِكْ يا سَيِّدي رُوحْ
مَالِك ابْجَتلي رِبْح واصْلاحْ
حاشَا وُفِي ذا هُوبْ مَسموحْ
دَمعِي عليك اليوم نَضّاح
كالوَبْلَ لَي مِن جَاد بِسْفوحْ
لا لَذّ لي قُوتٍ ولا سَاحْ
شِرْبٍ اِبحيث القَلْب مَيْروحْ
لي مِن بَغَيتْ اسْلي وِينْساحْ
بالي إلا انْ الحالْ مَضروحْ
حلّ الكِدَر بي عِقْب لَفْرَاحْ
وامْسيتْ اعضّ الصِّبْع وانوحْ
عليك يا مِن شَمْس لَصْبَاحْ
تِخْجَل ابساعِةْ نُورَك ايْلُوحْ
زِنْتْ ابْغَضاضةْ عُود مَيّاحْ
وامْضِيمَرٍ غايِر ومَمسُوحْ

ونّيت ساعة طاب... قصيدة «ونّيت» لابن زنيد التي أَنَّ فيها أنيناً مُوجعا حين ذهب للرقاد من «لاحِمل وِزاي» أي ألمه وما أصابه. وهو يحكي عن الألم الدفين الضنين في فؤاده المُستهام بالشوق المُبرح، فيقول:

ونّيت ساعة طابِِ بِرْقادَه
مِن لا حِمِّل وِزايْ
بِرْح الدَمِع سَكّابِ واقصادَه
بِمْهاجَرَة مضْناي
خِلِّي غَضِّ الشبابِ لي شادَه
قلبي دون اصْدِقاي
جَرْحَه لمّا دَنَا بي ما فادَه
يا بْن العِزيز ادْواي
بَيّح ابْقلبي غابي وان زادَه
عزّ الله وآشَقاي
يامِن يِجيب اخْطاب مِ العادَه
وِيْلبِّي مَع نداي
ش الراي في المُصطاب وافْواده
ناضي بْغير شْواي
كَدّر لِذيذ شْرابي بِوْعادَه
لي ما قِضَت مَنْواي
في تخليف اليُوابِ شومُرادَه
في ظَنّك يا ذَراي
ماجد وِطيت اسْبابِ بِحيادَه
في من فتتْ حَشاي
عَبْدٍ دَاسِ العِتابِ فَ اسْيادَهْ
ما جَرُّوا بَه شَراي
ومِن لا يِفْعَل خَرابِ تِلْدادَهْ
شينٍ على الوِلاّيْ
لوما خِلِّي سخا بي ما قادَهْ
رايَه على جَفْواي

عين ريم أما قصيدة «عين ريم» والتي أفتنت شاعرنا، فهي عنده كالمها التي تختبئ من قنصّ صيادها الماهر، وإن كان لها مدمع أسود:

هِب يا شَرتْا الصَبا البَارِدْ
بَسْتَخِصّك عن هِوىَ خِلِّي
بُوِيدِيلٍ اسمَر وْ وارد
يَضرب اجعُوبَه الى فِلِّ
خشف ريمٍ مِ المَها فانِد
فوق رَاس الطِعْس مِتعَلِّي
لو اتشُوفه جانِس وْ جَارِد
يَرْقِب القَنِّيص يِخْتَلِّ
مِن حِسِن عِينِه لها عَارِد
عين ريمٍ مِصْبِح امْطلِ
هَيْس قَلْبي شامِلِه زَارد
والحَشا يا سِيف مِعْتلِّ

نظرات في بعض القصائد تحت هذا العنوان كتب الدكتور الناقد غسان الحسن القسم الثاني من ديوان الشاعر بن زنيد، الذي تناول فيه الحديث عن دقة اللفظ والمعنى في قصيدة «هاض ما بي»، وبلاغة الالتفاف في قصيدة «مزن غيم» عند بن زنيد، ثم قدّم للحبكة الشعريّة في قصيدة «الطيارة»، حيث كتب قائلاً: الشاعر بن زنيد في قصيدة «هاض مابي» يلفت في هذه الأبيات إلى مَواطن جَماليّة عديدة، لفظيّة ومعنويّة، في الشكلّ والمضمون، وأول تلك المواطن عنده هذا الجَمَال النورانيّ الغامر الذي أسبغه الشاعر على محبوبه، حتّى تراءى لنا وضيئاً يستقطبُ الأنظار ويُبهرها باشراقته، فهو في ذلك صاحب جبين لامعٍ فاقَ في لونه لون بدرِ السّماء في منتصف الشهر، ويقول بن زنيد في قصيدته:

بُو جبينٍ فاق عن لون البدِرْ
لي زها بالنور في نصف الشهرْ
والعجب لي من أتلبّس وافتَخرْ
في عَدالَه تستِحير الناظرينْ
لانِظر مثله ولا يوصف شراه
ييت في وصفه وحيّرني غِوَاه
هو وعَل باقول لو ظبي الفلاه
أو مهاةٍ مالها وصف وْثِنينْ
هو خشِف لوسولعي لو هو بَشَرْ
هو دِماني لو أُهو بزغ’ْ قمَرْ
لو أُهو عن خازن الجنّه نِفَرْ
حارْني يا اح بو لونٍ حِسِينْ

بينما لم يخرج الشاعر بن زنيد في مَردَّته «مزن غيم» عن مشاكاة سالم الجمريّ، عن الأسلوب البنائي الدارج بين الشعراء النبطيين في مثل هذه القصائد، من حيث ترحيب بالغ بالقصيدة القادمة وبصاحبها، غير أنّ ابن زنيد في ردّه ذهب مسالك مُتباينة في حديثه إلى صاحبه، ذلك أنّه خاطب صديقه بأسلوب المُخاطب طوراً: أنتَ كذا وكذا، وبأسلوب الغائب تارةً: هو كذا وكذا. وراحَ بين الأسلوبين مرّات عدّة. وبدأ الشاعر قصيدته «مزن غيم» بضمير الغائب:

حَي من قلّدنيَ اسناده
بالعِبا قصده أعجّل له
مرحبا بهْ عدّ رعّاده
مزن غيمٍ وَدْقه ايْهلّه
مرسلٍ لي لو انشاده
فيه متحفّظ عن الزلّه
عارفنِّي أنّي استاده
كيف ما يبغي افصّل لَه
الحبكة الشعريّة في الطيّارة

أما الحبكة الشعريّة في قصيدة الطيّارة، وهي ناقة محمّد أحمد بن دلموك التي فازت في سباق الهجن «الإبل»، فأشار الدكتور غسان الحسن، فعند قراءتها نحسّ بأنّ الشاعر بن زنيد قد نسجها نسجاً مُحكماً، تدرّج فيه من معنى إلى معنى ومن غرضٍ إلى آخر في عمليّة فنيّة إبداعيّة مُتقنة رغم أنّها صادرة عن قريحة شاعر عفويّ، ويقول فيها:

البارحة يوم اعْتِكار العَسَاعِيس
والنّاس غَرقَى في َرى النُّوم واذْهَالْ
مِن زُود فكري يا مَلا والهُواجيسْ
طَرْفي ابْلَذّاتْ الكَرى باتْ ماذَالْ
مَشْدوه قَلبي مِن جِدا صَفْوِةِ العِيسْ
هجْنٍ امْطاهِنْ من شَحِمْهِنْ لِهِنْ طالْ
ساهَرْتْ حتى بان للصبْح تَنْفيس
نورّه وْقَضّتْ جِمْلَةِ الخَلْق عِيّالْ
جَدّوْا مَدى غِرْبَالهِن في التقاييسْ
دربٍ ايْبِيِّحْ بالسَريرات لَغْتَال.

اقرأ أيضا