الإمارات

الاتحاد

«البزنس الحرام» في رمضان

فهد بوهندي، منى الحمودي، عمر الأحمد (أبوظبي)

من موسم للخير وتهذيب النفوس، إلى موسم للبزنس المحرم المغلّف بالاستجداء تارة، والخداع أحياناً.. هكذا يفعل المتسوّلون بشهر رمضان المبارك، فلا يتخلفون عن المكان والزمان.

في الشوارع الرئيسية، الحدائق، المقاهي، إشارات المرور، مفترقات الطرق، مواقف السيارات، محطات البنزين، أمام البنوك، والمساجد، والمقابر.

تتعدد الحكايات، وتتسع دائرة الظروف، ما بين امرأة يعاني زوجها من مرض خبيث، ولا تجد له الدواء، وما بين أخرى أغراها أحدهم بوظيفة مرموقة ثم فوجئت بخداعه، وثالث دخل الدولة كزائر يبحث عن فرصة عمل وضاقت به الحال، ورابع يحمل تقارير طبية مزيفة لإثارة الشفقة، وخامس يصطحب ابنه الذي يحتاج إلى عملية جراحية عاجلة.

أبطال هذه الحكايات، من الجنسين، ومن مختلف الفئات العمرية، نساء، رجال، شباب، فتيات، عجائز، تعددت جنسياتهم وهدفهم واحد.

يستغلّ هؤلاء الأجواء الدينية والرّوحانية التي تغشى الجميع في الشهر الفضيل، وتطلع المواطنين والمقيمين إلى مضاعفة الأجر والثواب، واجتهادهم في أنواع الخير، فيسعون جاهدين بكل السبل في استعطاف المجتمع، من خلال حركة نشطة لا يكاد يخلو منها مكان.

ولم يفت هؤلاء استخدام وسائل العصر، فاخترقوا خصوصيات الجميع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مستهدفين حسابات المشاهير في «تويتر» و«فيس بوك» و«انستغرام»، مطالبين المساعدة، عارضين صورا مزيفة، وقصصاً غير حقيقية.

بالمقابل، تترصّد الجهات المسؤولة في الدولة، ظاهرة التسول، معتبرة إياها آفة مجتمعية، تسيئ للوجه الحضاري المشرق للإمارات، فيما تكثف الفرق الشرطية دورياتها وتعزيز تواجدها وفق خطة مدروسة تستهدف الحد منها وتعزيز وسائل مكافحتها.

في السياق نفسه، أعلنت شرطة أبوظبي عن سلسلة إجراءات وقائية وتوعوية بالتوعية ضمن حملة لمكافحة آفة التسول ومخاطرها على المجتمع والجمهور.

في موازاة ذلك، رأى علماء ومفتون، أن التسوّل ظاهرة مكروهة في الإسلام، وعادة سيئة السمعة، مشيرين إلى أن المتسولين عادة ما يلجأون إلى المساجد التي ما جعلت إلا للعبادة والتثقيف، مؤكدين أن الإسلام حرم المسألة، واعتبرها عادة ذميمة.

في البداية، أشارت بدرية الحمادي إلى القصص المأساوية التي تسردها المتسوّلات، لنيل العطف والاستحسان، خاصة من النساء، بل منهن من تشير إلى أن مقصدها البحث عن عمل وليس التسول لطلب المال.

وسردت الحمادي بعض الأمثلة، منها: أن المتسولة تأتي للمنزل لإعداد الوجبات اليومية أو حتى للبيع لظروفها الصعبة وحاجتها للمال، فتستدر عطف أهله فتحصل على المال، فيما تدعي أخرى بأنها خياطة، وتريد المال لشراء «ماكينة» ومن ثم تعمل عملا شريفا يدر عليها الدخل.

وأضاف: يوهم هؤلاء الناس بأنهم لا يقصدون التسول، بل العمل، حيث يؤلفون القصص والحكايا لاستعطاف الأفراد، لذلك يعطف عليهم الناس بتقديم المال لهم بنية حسنة، «كونهم لا يقصدون التسول».

الطفل الضحية

من جهته، أشار محسن محمد، إلى أن هناك من يصطحب طفلا للتسول، بحجة أنه محتاج للعلاج، حاملاً معه أوراقا مزورة بمثابة تقارير علاج.

وأضاف: أغلب هؤلاء يأتون بتأشيرة زيارة، والغريب في الأمر عندما تقدم له مبلغ من فئة 10 دراهم أو 20 ردهما، لا يقبل بها بحجة أن المبلغ قليل ولا يكفي لتكلفة العملية الجراحية التي يجب أن يخضع لها ابنه، فيما يرفض نوع منهم الملابس والطعام، ولا يقبل إلا المال.

الحاجة والعون

ورأى رامي موقدي، أن ظاهرة التسول من حيث المبدأ سلبية، وبحاجة إلى توعية أفراد المجتمع حولها بشكل أكبر، بحيث لا ينجر الناس خلف عواطفهم.

وأشار إلى أن أمر التسول لا ينفي وجود أناس بحاجة لمن يقدم لهم العون، وغالباً ما تمنعهم عزة أنفسهم من طلب المال والطعام والملبس، لذا يتوجب علينا كأفراد وجماعات من المواطنين والمقيمين البحث عن هؤلاء وتقديم ما أمكن لهم.

وأضاف: ويتوجب على المؤسسات الخيرية وضع خطط وآليات للوصول لتلك الفئة التي هي بحاجة لمن يقف بجانبها، علماً بأنني من النوع الذي أعطي ما قسم الله لمن طلب مني لو بدرهم، ليس من مبدأ التشجيع على التسول لكن من باب: «وأما السائل فلا تنهر».

الرجل الأنيق

وسرد هلال السعدي، مشهدا آخر من مشاهد المتسولين، بالقول: تقدم شخص إلى مركبتي، كان يرتدي ملابس أنيقة وبكامل ««شياكته»، ويحمل قطعة صغيرة من القماش، وعرض على مسح المركبة. مقابل مبلغ من المال.

وأضاف: استغربت من حجم القطعة التي يريد بها مسح المركبة، وأنا على علم بأنه يعرض هذا الأمر حتى أعطيه المال وأستغني عن مسح المركبة.

وتابع: سألته كيف له أن يمسح المركبة بهذه القطعة الصغيرة، فبدأ بتمثيل البكاء، والقول بأنه يحتاج إلى أموال للعودة لموطنه، كونه قدم بتأشيرة زيارة لصديقه، الذي غادر الدولة وتركه وحيدا يواجه مصيره.

وتساءل: لماذا يسمح لمثل هؤلاء بأن يشوهون صورة الدولة، ولماذا تكون حجوزات تذاكرهم ذات اتجاه واحد، بل يجب أن تكون ذات اتجاهين «ذهابا وعودة»، حتى لا يكون هناك أي عذر لهم.

جريمة التعاطف

وتساءل خميس المنصوري عن سبب تعاطف أفراد المجتمع مع المتسولين، مضيفا: القانون جرّم هذا الأمر وهو واضح في هذا الشأن، مشيراً إلى أنه ورغم توعية «خطبة الجمعة» للمصلين حول أمر التسول، إلا أننا وبعد الصلاة، نفاجأ بنساء يقفن بلا حياء في باحة المسجد الخارجية أو مخارجه يسألون المصلين الأموال ويضعون أكياسهم في وجوه المصلين.

وتابع: ما يشعرك بالقهر هو المصلون الذين يقومون بالتبرع، راسمين علامة تعجب على وجوه الجميع، كون إنه لم يمر إلا وقت قصير على الخطبة التي دعت إلى مكافحة التسول.

التأشيرة

ورأت خلود البديوي أنه لابد من التدقيق في التأشيرات السياحية وإصدارها، وتكثيف الدوريات في الأماكن التي يستغلها المتسولون مثل المساجد والمحلات التجارية وغيرها.

وأضافت: وعلى جميع من يتعاطف مع المتسولين العلم بأن هناك العديد من الجهات والمؤسسات والجمعيات الخيرية التي لها دور خيري كبير وفعال في الدولة لمساعدة المحتاجين، وتقديم العون لهم حتى في حالة الحاجة للقيام بمشروع أو عمل ليكون مصدر رزق لهم، وللتخفيف من معاناة المتعفف والمستحق.

وشددت على عدم السماح لأحد بتشويه صورة الدولة الحضارية، ومن ثم المحافظة على سمعتها، وعدم تشجيع المتسولين والإبلاغ عنهم، خصوصا وأنهم يلجأون للسياح، مستغلين عدم معرفتهم بالقوانين التي تمنع التسول.

وذكرت أن هناك سيدة كبيرة في السن في أحد المراكز التجارية تجلس في ركن الألعاب والمطاعم وتبدأ بتوزيع الابتسامات لجميع المارين، وما أن يجلس أحدهم حتى تجلس بجانبه وتبدأ بسرد حالتها المالية الصعبة، وتبدأ بالدعاء لك ولجميع الأبناء والعائلة وغيرها من عبارات الاستعطاف حتى تعطيها المال ومن ثم تتجه لطاولة أخرى لتعيد ذات الأمر.

كبار وصغار

وأشارت عهود النقبي إلى زيادة الوعي في الوقت الحالي فيما يخص التسول، خصوصاً لدى فئة الشباب، مضيفة: يجب علينا نحن الآن أن يكون لنا دور في توجيه الصغار والكبار حول أوجه الصدقة الصحيحة، وأن من يستحق المال هو الجالس في منزله متعففاً السؤال، وهناك صناديق للتبرعات، فيما سهلت الدولة الأمر حيث أصبح الأشخاص اليوم قادرين على التبرع من خلال هاتفه المتحرك.

هوان يبيح المحظورات

ولفت سعيد المحرمي إلى أن من تهون عليه نفسه ويعرضها للذل، يستبيح كل محظور، فلا مانع لديه من الترويج للمخدرات، أو القيام بجرائم القتل أو السرقة، ما دام سيجني المال.

وأضاف: تكافح أغلب دول العالم التسول لما له من أضرار على المجتمع، فنحن كأشخاص لا نفضل الذهاب للسياحة في دول تنتشر بها ظاهرة التسول.

وتابع قائلاً: «من المستحيل أن أدفع فلساً واحداً لمتسول، كونهم متخصصين في الاستعطاف، مشيرا إلى أنه يزجر من يعطيهم المال، كون التسول ظاهرة «قبيحة» تشوه صورة الدولة أمام السائحين والذين يظنون في معظم الأحيان أن من يقومون بها من مواطني الدولة، خصوصاً مع ارتداء البعض الزي الوطني.

موقف إنساني

ورغم المواقف الحازمة التي يتخذها المواطنون والمقيمون مع المتسولين، إلا أن ريم علي، لا تستطيع منع نفسها من إعطاء المال لأي شخص يطلبه في الأماكن العامة، باعتبار أن الموضوع موقف إنساني، معتبرة أن من يطلب فهو بالفعل محتاج للمال.

 

اقرأ أيضا

«الصحة» تؤسس لـ«مستشفى المستقبل الافتراضي»