الاتحاد

الملحق الثقافي

الإنسان والجمال: تعايش أم خصام؟

كان الإنسان القديم يسعى إلى الجمال في كلّ الموجودات من ماء وهواء ونار وأحياء، فيجالسه مجالسة الأليف المشوق، يتّخذ مساكنه على ضفاف الأنهار، أو قرب المنابع العذبة، أو على الشّواطئ السّاحرة، حيث تأنس العين بزرقة الأمواج، وحمرة الشّفق، وبهاء الأصيل.

وهو على ما فيه من أثرة بالفطرة، وأنانيّة بالطّبع، عامل مصادر الجمال برفق وأناة، واقترب منها اقتراب المسالمة والمداراة، لعلمه ـ وعلمه محدود ـ بأنّ مقوّمات الجمال ذات حرمة لا تمسّ، وقداسة لا تدنّس، وهي بالنّسبة إلى الإنسان امتداد خفيّ، ومحاكاة لروحه، ومناظرة لجماله البديع، فكان يقبل على وصف الجميل بشغف إنساناً وطبيعة، ويهيّئ له الأساطير والطّقوس، أو يخلّده بالتّماثيل والعمارات، ثمّ يرفع من مقامه بالقول الأدبيّ الزّاكي شعرا ونثرا.

ولو عدنا إلى التّراث، لأخذتنا الدّهشة من العلاقة العضويّة التي ظلّت سائدة بين البشر والجمال، وقد عبّروا عنها في فنونهم وثقافتهم وحياتهم اليوميّة، كما في حروبهم الطّاحنة؛ حتى اغتنى الذّوق الإنسانيّ بكثير من الآثار والمنحوتات والرّسوم الجميلة والأنغام المطربة. وإذا كان الإنسان القديم يعني أجدادنا على سطح الكرة الأرضيّة، فهؤلاء الذين صحبوا الزّمان قبلنا لم نجد عداوة بينهم وبين الجمال كما هو حالنا اليوم، وعلى كلّ المشقّة التي كانوا يتكبّدونها لصناعة الحياة، وحفظ النّوع، واتّقاء الكوارث، فانّهم فاقوا أهل زماننا مودّة ورحمة، وأعانتهم بصيرتهم الثّاقبة على إدراك تجلّيات الجمال في مهودها، وملامسة أسرارها ونفحاتها الإنسانيّة. وقلّما نجد صاحب سلطان أخذته عزّة القوّة، للبطش بالأنهار والبحار والكائنات الحيّة والغابات الغنّاء؛ إذ كلّ همّه، وهمّ رعيّته من بني البشر: سدّ الحاجة على قدر معتدل، وترويض الطّبيعة، واستخدام ثرواتها بالمقدار الذي ينفع الإنسان من جهة أولى، ويدفع الضّرر عنه من جهة ثانية. وإذا ما سوّلت لهم أنفسهم تنفيذ مشروع أو تحسين معيشة، فالممارسة لا تتعدّى قضاء المصلحة دون الأخلال بالنّظام الطّبيعيّ الذي أعدّ بدقّة للتّوفيق بين الضّرورة ومتطلّبات الجمال. فإقامة الجسور، وجرّ المياه، وحفر القنوات، واقتحام البحار، وتأمين الطّاقة نفّذت دون إعدام فضيلة الجمال الكامنة فيها؛ بل كلّما عزم الإنسان على التّفاعل مع الطّبيعة بغاية الانتفاع، نراه زادها جمالا، وصوّرها مثالا، وجعلها أنموذجا يصبّ في مثلّث الحقّ والخير والجمال. إنّ الحضارة ليست عدوّ الجمال كما يعتقد الإنسان المعاصر، بل هي انبثاق منه واليه، وكم ساهمت الامبراطوريّات البائدة في التّعبير عن نفسها بتجسيد الجمال، واستلهام كنوزه، والتّمتّع به عبر الحياة اليوميّة أو الأعمال الفنّيّة الرّاقية. وانّه ليذهلنا ما نحن فيه وسط حضارة الرّقم والصّاروخ والذّرّة: تأسرنا معايير الرّبح والسّيطرة والاكتشاف والسّرعة القياسيّة، وهي على ما فيها من خوارق ومعجزات تشهد على عظمة الإنسان، تبقى عاجزة عن تشكيل حياتنا تشكيلا جميلا يلطّفها بالنّسيم العليل، والمورد العذب، والمرج الأخضر؛ وقد كدنا نفقد البعد الثّاني للحضارة: البعد الإنسانيّ الذي يتوّج ملكا فوق عروش مملكة الجمال، التي نبيدها بأيدينا، ونعاديها عن سابق تصوّر. ولا يشفي الغليل أن يدّعي أحدنا أنّ الإنسان الحديث يستطيع أن يعوّض ما يفقده من جمال بإنتاج جمال آخر، وفق التّقانات العلمية المتطوّرة؛ فهذا قول باطل لا تسنده جراحة التّجميل، أو استصلاح الصّحراء، أو استنباط المياه من الآبار، أو ابتداع أساليب مكافحة التّلوّث، فالعلّة في المبدأ لافي النّتيجة لأنّ التّقانات المتطوّرة ذاتها هي التي تقف وراء النّزعة العدوانيّة البشريّة، وهي التي جعلت الإنسان عبدا طائعا، حينما أفرغ في رموزها مطامعه، متخلّيا عن إرادته الخيّرة السّاعية الى الحسن بالفطرة والخلقة. أمّا الجمال المصطنع الذي تخدعنا به الالكترونيّات والرّموز وأجهزة اللايزر، فلن يقوم مقام الجمال الذي أودعه الخالق فينا، وفي الطّبيعة، وجعلنا نجسّده بالفنون، أو التّأمّل المباشر الذي يشعرنا بامتداد ذواتنا، وتسلّل أرواحنا الى الورود والرّياحين والجداول والآفاق والنّسيم. وقديما فطن الشّعراء لعظمة الجمال، فتغنّوا بسحر المطر، وحسن البشر، وروعة السّيول، وإيقاع الخيول، وبهاء الشّمس، وعرفوا ما بينها من تفاعل وتداخل، بحيث أنّ كلّ طرف منها يستمرّ ويحيا بحياة الآخر؛ ومن هنا نشأ أسلوب التّشخيص في الأدب الذي يمنح الطّبيعة روحا انسانيّة، ومصداقه قول الشّاعر العبّاسيّ ابن الرّوميّ (896 ـ 283) الذي شبّه رياض الرّبيع بالفتاة المتخايلة بأثوابها الجميلة:

ورياض تخايل الأرض فيها
خيلاء الفتاة في الأبراد

لقد تفوّقنا على أجدادنا علما وفكرا واختراعا، وهزمناهم في ميادين الفتك بالبيئة والإيقاع بكلّ ما هو جميل، لأنّنا قادرون على حشد أحدث الأسلحة لاغتيال الجمال في الطّيور والجنائن والمياه والفضاء والأنس... فاخترنا أن نكون في موقع الخصام الدائم للجمال؛ لكنّهم ظلّوا متفوّقين علينا في تذوّقه، والتّعايش معه، وكأنّهم اختاروا المسالمة الوادعة؛ وعلى ما وصفوا به من قسوة في الحروب، بقي الجمال يرتع في أحضان ممالكهم آمنا، يرسل بريقه الإنسانيّ إلينا، علّنا نعتبر، فنأخذ موقف المصالحة والمداراة لكلّ جميل في الكون.

اقرأ أيضا