الاتحاد

الملحق الثقافي

ما هكذا تورَدُ يا سعْدُ، الإِبِل!

قد يُعَدُّ هذا المثلُ من أشهرِ الأمثال العربيّة، وأكثرِها تداوُلاً بين المثقفين، وأطرفِها ارتباطاً بمناسبتها الاجتماعيّة. وقد زعم ابن سلام الجمحيّ في كتابه «طبقات فحول الشعراء» أنّ الذي أرسلتْ هذا المثَلَ إنما هي النَّوَارُ ابنةُ جَلِّ بنِ عَدِيٍّ بنِ عبْدِ مَناةَ بْنِ أُدٍّ، وكانت امرأةً زَوْلةً جزْلةً (أي عاقلة أصيلة الرأي)، فلمّا اهْتداها مالك، أي ازْدَفَّها عروساً، خرج سعدٌ في الإبِل فعزَب فيها، ثمّ أوردَها لظِمْئِها (أي جاء يسقيها في ميعاد وُرودِها، أي شرابها)، ومالكٌ في صُفرة (يراد بالصُّفرة هنا: التَّزَعْفُر بالزَّعْفَران، وهي سيرة كان الرجال يتّخذونها حين يتعرّسون فقط). ولَمّا كان مالكٌ عَروساً، فإنّه لَمّا همَّ بالقيام لِيُرْوِيَ إبِلَه، منعتْه امرأتُه من النّهوض، فجعل سعدٌ أخوه وهو مشتمِلٌ (مجلَّل بثوبه، متلفِّف به) يُعالج سقْيَ الإبِل ولا يرفُقُ، فقال سعدٌ ساخراً من أخيه مالِكٍ العروسِ، معرّضاً به لبقائه مع النّوار:

يَظَلُّ يومَ وِرْدِها مُزَعْفَرَا وهْيَ خَناظِيلُ تَجُوسُ الْخَضَرَا!

(الخناظيل: جماعة الإبل المتفرّقة في المرعى، وواحده خُنْظُولة؛ والخَضَر: سعَف النخل، وجريدُه الأخضر، وهو مصدر خضِرَ يخضَرُ الزرعُ: إذا نعِمَ، وأخضرهُ الرِّيُّ، فاخضرَّ واخضارّ، فهو مُخْضَر). فقالت النَّوَار لمالك: ألاَ تسمع ما يقول أخوك؟ أجِبْهُ! قال: وما أقول؟ قالتْ: قل:

أوْردَها سعدٌ، وسعدٌ مُشتمِلْ! ما هكذا تورَدُ يا سعدُ الإبِلْ!

ذلك بأنّ الذي يسقي الإبِلَ، أو ينهض بأيّ عملٍ يتطلّب بذْل الجهد، ما كان ينبغي له لينهضَ به وهو مشتمِلٌ في لباسه، متلفِّف بثوبه، كالمحتفِل الْمُنَعَّم. فإذا كان مالكٌ، زوجُ النَّوَار، كان مزعْفَراً معطَّراً، فلم يَخِفَّ إلى سَقْيِ إبلِه، فعُذرُه في ذلك أنّه كان عروساً؛ ولكنْ ما بالُ أخيهِ سعْدٍ الذي لم يَكُنْه، ومع ذلك حين سقاها، لم يَسقِها إلاّ مُشتمِلاً محتفلاَ!؟ ويُضرَبُ هذا المثَلُ عند ما يُفعلُ شيءٌ على غير ما ينبغي أن يُفعَلَ عليه، فيقعَ التقصيرُ في إنجازه، وأكثرُ ما يُتْبِعه الضّاربُ له بتصحيح إنجاز الفعل على النحو المطلوب. ولذلك ما أكثرَ ما يرِدُ على الأذهان في مثل هذه المناسبة فيُضرَبُ لها. وقد استشهد بهذا المثل الوارد في هذا البيتِ النَّوَارِيِّ: عليُّ بنُ أبي طالب رضي اللّه عنه حين كان خليفةً، في مناسبة قضائيّة، وذلك أنّ جماعة من الناس سافروا، فلم يرجع منهم رفيقٌ كان معهم، فزعموا لأهله أنّه توُفِّيَ في بعض الطريق، لكنّ أهله ارتابوا في ذلك، ورفعوا القضيّة إلى القاضي شُرَيح، فطلب البيّنةَ منهم إذِ ادَّعَوْا، فعجزوا عن إثباتها، فبرّأَ المتّهَمين بعد أن اطمأنّ إلى أقوالهم. غير أنّ أهل الفقيدِ لم يقتنعوا بحكم شريح ولا ارْتَضَوْهُ، فرفعوا الأمر إلى الخليفة عليّ، فساءلَ العائدين المتهَمين، متفرّقين، لا مجتمعين، وهو ما كان جاءه شريح، فأقَرّوا بقتله! فاقتصّ منهم، مستشهداً ببيت النوار العجيبِ، معرّضاً بحُكم شُرَيح، مُنْشِداً:

أوردها سعدٌ وسعدٌ مشتمِلْ يا سَعْدُ لا تَرْوَى بهذاكَ الإبِلْ
وكان عليٌّ أقضى الناسِ

وهذه الصياغة أوردتْها المعاجم، منها لسان العرب لابن منظور، والصياغة المشهورة ما أورده ابن سلام، والمعنى واحد.

اقرأ أيضا