الجمعة 20 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الزار حفل راقص مع الجن
الزار حفل راقص مع الجن
3 أغسطس 2005

القاهرة - حلمي النمنم:
الدراسات العلمية عن الزار، محدودة لان النظرة العامة للزار تعتبره نوعا من الدجل والشعوذة وينظر اليه بازدراء من انصار الحداثة والمعاصرة والسلفيين، وظل الامر كذلك حتى ظهرت دراسة 'فاطمة المصري' عام 1975 'الزار·· دراسة نفسية تحليلية انثروبولوجية' حيث اعتبرت الزار تنفيسا يمارسه المقهورون وأسلوبا لمواجهة الضغوط الاجتماعية· وفي هذا الاطار تأتي دراسة عادل العليمي 'الزار ومسرح الطقوس' التي صدرت مؤخرا ضمن اعمال مكتبة الاسرة في مصر·
ويرى فريق من الباحثين ان الزار ظهر في مصر منذ الفتح العثماني أو بعده بقليل وانتقل الى العثمانيين من الشعوب الغربية ثم ظهر في مصر بعد ذلك ونقطة الضعف في هذا التصور ان العثمانيين لم يدخلوا المجتمعات العربية قبل مصر والثابت ان سليم الاول غزا الشام وبعدها بأقل من شهرين غزا مصر واحتلها لكن هناك من يذهب الى ان الاسم فقط هو الذي جاء الى مصر مع العثمانيين اما قبلهم فكانت العادة موجودة ومعروفة وتمارس منذ زمن بعيد·
وثمة رأي آخر، هو الاقوى علميا ويعود الى المؤرخ محمد شفيق غربال إذ يرى ان الزار ظهر في مصر في القرن التاسع عشر بعد الفتح المصري للسودان اي بعد عام 1820حين اصبحت العلاقات اقوى بين البلدين وهاجر بعض السودانيين الى مصر ونقلوا معهم الظاهرة بكل ما تضم من طقوس والفاظ غريبة على اللغة العربية وهناك مجموعة من الادلة تؤكد صحة هذا الرأي وتنفي ان يكون الزار معروفا في مصر قبل القرن التاسع عشر ومن هذه الادلة كتاب 'وصف مصر' الذي وضعه علماء الحملة الفرنسية حيث جمعوا مادتهم العلمية بين عامي 1801 و1803 وفي مجال العادات والتقاليد التي جمعوها في مجلد أشرف عليه دي شابرول وسمي 'سكان مصر المحدثون' لم يتركوا كبيرة ولا صغيرة إلا رصدوها، من حيث اجناس السكان ودياناتهم حتى الغوازي والعوالم جمعوا مادة وفيرة عنهن ولم يرد في هذا المجلد شيء حول 'الزار' وبالتأكيد لو كانت هذه العادة موجودة آنذاك لتحدثوا عنها·
وبعد علماء الحملة بأكثر من ثلاثة عقود يأتي كتاب الرحالة الانجليزي إدوارد وليم لين الذي سماه 'العادات والتقاليد عند المصريين المحدثين' حيث أقام لين في مصر سنوات طويلة وأعد كتابه على مهل ولم يذكر اي شيء عن الزار اي انه لم يكن ظهر وقتها ومما يقطع بهذا ان لين تحدث مطولا عن الجن والعفاريت في حياة بعض المصريين وخصص لهم فصلين كاملين حول ما سمعه في هذا الامر حتى الاشياء التي لا تخطر ببال احد ان تكتب·
البحث في المعاجم
ولم يتفق الباحثون على معنى كلمة 'زار' فربما تكون مشتقة من كلمة 'زارا' وهي بلدة تقع في شمال ايران وقد تكون مأخوذة من 'زار' وهي قرية عربية تقع في شرق اليمامة بالجزيرة العربية والاغلب انها من الزيارة ويقصد بها قدوم 'الأسياد في الحضرة'· وجاء في المعجم الوسيط لذي اصدره مجمع اللغة العربية ان 'الزار' حفلة راقصة تقام لطرد الارواح الخبيثة التي تمس اجسام بعض الناس في زعمهم· وفي الموسوعة العربية الميسرة جاء ان الزار هو مجموعة من الطقوس الشعبية لها رقصات وعبارات خاصة تصاحبها دقات معينة صاخبة على الدفوف وإطلاق البخور·
والزار كلمة عربية مستعارة من اللغة الامهرية وتأخذ دائرة المعارف الاسلامية بالاصل الامهري لهذه الكلمة وهذا اللفظ معناه عند الاحباش 'شر ينزل بإنسان ما' وعلى هذا فإنها ليست عربية الاصل لكن بعض الباحثين يقطعون بأن الاصل عربي بمعنى 'زائر النحس' وهي مجموعة من اشباه الطقوس الشعبية تعمل على طرد الجن والعفاريت التي تتلبس بعض الناس ولذا فإن للزار لدى معتقديه وظيفة علاجية، وتذهب دائرة المعارف الاسلامية الى ان المعتقدات الشائعة في الزار انتقلت من بلدان الحبشة الى العالم الاسلامي كله، وتقوم على فكرة ان الجن قد يتجسدون بعض الوقت في الكائنات البشرية ويقال ان التسمية مشتقة من 'زار' اسم الاله الاعظم عند الكوشيين الوثنيين في الحبشة· ويقال ان الكلمة ليست من اصل سامي ولكنها انتقلت الى 'الأمهرية' -اللغة الاثيوبية- من لغة 'الجلا' وهي لغة قبائل وثنية خضعت للحكم الاثيوبي·
ومنذ انتشاره في مصر يتعرض الزار حتى اليوم لمقاومة شديدة من علماء الاسلام ومن المفكرين المستنيرين والمصلحين على السواء، وقد يكون أقدم تناول لهذه الظاهرة هو مقال الكاتبة زينب فواز في صحيفة 'النيل' عام 1892 حول الزار، وكانت الكاتبة قد دُعيت الى حضور حفل 'زار' فهالها ما رأت وما سمعت، وقدمت وصفا للحفل وما يحدث فيه وهو وصف مكتمل وشنت هجوما شديدا على الزار 'توجد طائفة من النساء يسمونهن الكوديات ويعملن الزار وهؤلاء افظع وأشنع من طائفة الدجالين إذ هن دجالات ايضا ولهن افعال تشمئز منها النفوس وتقشعر منها الابدان'·
واعتمادا على هذا المقال وضع الطبيب محمد جاهين وعبدالرحمن اسماعيل دراسة علمية سمياها 'رسالة خاصة عن الزار' تضمنت هجوما شديدا على تلك الظاهرة واعتمدا ايضا على شهادات النساء اللائي شاركن في هذه الحفلات ويبدو ان مقاومة الزار تحولت الى هم عام وفي عام 1903 صدرت رواية بعنوان 'مضار الزار' كتب على غلافها العبارة التالية 'ثلاثة تشقى بها الدار·· العرس والمأتم والزار' وتتناول الرواية كودية زار استطاعت ان تهيمن على عقول اسرة وتوهم افرادها جميعا بانها عن طريق ملوك الجن تتولى رعايتهم وحمايتهم من الامراض والاخطار، وتنتهي الرواية بوفاة الابن وفشل علاج الكودية، ووفاة الام ضحية العلاج الضار الذي قدمته·
وتقول الرواية التي كتبها محمد حلمي زين الدين وطبعتها مطبعة عموم الاوقاف: 'هذا الزار هو الداء وهو الوباء وهو النار التي ترعى في أموال العائلات من كل الطبقات، بل هو السوس الذي ينخر في الشرق، إن هذه الفئة الضالة المضلة والطائفة الهالكة المهلكة لو وجدت في عهد السلف الصالح لقاوموها بالجهاد حتى يطهروا منها البلاد ويريحوا العباد' وظل هذا الرأي يشكل الموقف من الزار، حتى ان احمد امين حين وضع قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية اعتمد في تقديمه للزار على مقال زينب فواز· وفي عام 1961 تصاعد الموقف ضد الزار، حتى ان أحد كبار العلماء اصدر فتوى رسمية من دار الافتاء المصرية تقول ان الزار بطريقته المعروفة امر منكر وبدعة سيئة لا يقرها الدين، وبسبب هذا الموقف لم يقبل الدارسون على دراسته وتأمله، وإن كان صفوت كمال الباحث في الفولكلور اقدم على تسجيل بعض حلقات الزار وجلساته لتكون متاحة بين الباحثين اذا قرر أحدهم دراسة تلك الظاهرة غير ان الموقف من الزار بدأ في التغير مع انتشار الدراسات النفسية وشيوع تلاميذ مدرسة التحليل النفسي في مصر، وهكذا وجد هؤلاء في الزار حالة من التفريغ الانفعالي وإخراج المكبوت مثل قول د· فوزية حافظ عام 1972 'إن الزار من الناحية العلمية يعتبر جلسات علاج جماعية تقوم على أساس إثارة الانفعالات المكبوتة وإطلاق عقالها تحت ضغط الموسيقى الصاخبة والانفعالات في الزار والتشنج العصبي والعضلي الذي يصيب السيدات المستفيدات من الزار وما يتكبدنه من إجهاد يؤدي بهن في النهاية الى حالة الاسترخاء والراحة العصبية المؤقتة وهو كل ما يقدمه الزار من فائدة على انه نوع من الايحاء الذاتي يمكن الاستفادة منه خصوصا بين اصحاب الثقافة المحدودة'·
ولا يقوم الزار بغير ايمان مطلق بوجود الجن وقدراتهم الخارقة والاعتقاد في الجن موغل في القدم عالميا وعربيا قبل الاسلام ومع نزول القرآن الكريم وما جاء به عن الجان؛ فقد اكد وجود هذا العالم الغيبي -غير المرئي- وأعطاه اعترافا وشرعية، وتستخدم جماعات الزار كلمة جن ويطلقون عليها 'أسياد' ولا يستخدمون أبدا كلمة أرواح فالروح عندهم هي روح الأقارب أو الاصدقاء الذين ماتوا أو يزورونهم في المنام، كما انهم لا يستخدمون كلمة عفريت وينفرون منها -رغم انها وردت في القرآن الكريم- فالعفريت هو الذي يظهر لمقتل الانسان وهو عفريت الشخص الذي مات والذي يحوم حول مكان قتله وفي بعض المناطق يتخوف الاهالي من الاقتراب أو دخول أي مكان قتل به انسان خشية ظهور عفريته، ولا يستخدمون كلمة مارد أو مردة، فهذه الكلمة تستخدم في القصص الشعبي فقط، ولكن يمكن لهم أن يستعملوا كلمة شيطان بالمعنى الذي ورد في القرآن الكريم·
أغنياء وفقراء
ويختلف حفل الزار من مكان الى مكان فهناك زار يقام في الجبل لأسياد الجبل وهناك زار يقام في البحر 'النيل' لأسياد البحر وزار البيوت لأسياد البيوت والفيصل هو نوع الاسياد الذين سوف يقام لهم الزار·
ويتنوع الزار من طبقة اجتماعية الى اخرى فالثراء يؤثر بشكل ملحوظ في الاعداد للزار من نواح عديدة مثلا وجود فرقة واحدة أو ثلاث فرق كاملة للزار كما ان الذبائح تختلف كما ونوعا وفقا لثراء من سيقام له الزار، كذلك النقوط وثمن البخور او ما يقال له 'فتح العلبة' الذي يدفعه احباب العروسة للكودية وحدها، اما الزارات الفقيرة فتكتفي غالبا بفرقة واحدة تقوم بتأدية كافة مراحل الزار وقد تكون الذبائح في هذه الحالة أرنبا او دجاجة أو زوج حمام وفي الزارات الثرية قد تكون الذبيحة عجلا أو أكثر وقد تكون خرافا·· وأشهر مكان يقام فيه الزار بالقاهرة هو حي 'ابوالسعود' وهو قريب من منطقة مصر القديمة وتقام فيه يوم الثلاثاء تحديدا اربع حضرات في بيوت مختلفة، ولا أحد يعرف لماذا يوم الثلاثاء بالضبط ولكن الاغلب في ذلك ان سيدي 'ابوالسعود' توفي ليلة الاربعاء اي يوم الثلاثاء، وسبب اقامة الحضرة في مسجد ابي السعود هو الاعتقاد في حضور الشيخ، خاصة ان نسبه يمتد الى سيدي زين العابدين ابن الامام الحسين بن علي رضي الله عنهما، ومن هنا يعتبر المكان مبروكا، ومعظم زوار سيدي أبوالسعود من النساء، وهن جمهور الزار غالبا، ذلك ان سيدي أبوالسعود يستعان به كولي في علاج العقم ولذلك تتجه اليه النساء العقيمات وأيضا بعض الرجال، وفي العادة تذهب السيدة صباحا لزيارة المقام والتبرك ثم تلتحق باحدى حضرات الزار، ويروي سكان الحي والمترددون على المقام الكثير من الحكايات، بعضها يكاد يكون اسطوريا، حول قدرة الشيخ على علاج العقم لدى السيدات ولدى الرجال أيضا!!
وعندما تشعر المريضة بحالة 'المس' أي تجاوز الخط الفاصل بين عالم الإنسان وعالم الجن، وهو خط وهمي يفترض وجود عالمين بينهما حدود قاطعة، تذهب المريضة إلى الكودية المسؤولة عن عملية فض هذا المس· وتذهب في الغالب بناء على نصيحة من الأقارب أو الجيران الذين لهم خبرة بذلك· بالاضافة إلى استعداد المريضة نفسيا لتقبل هذه الفكرة والايمان بها· وتعرف الكودية بخبرتها وذكائها ما تعانيه المريضة ثم تأخذ منها 'الأطر' أي شيء من أثرها وليكن قطعة ملابس، وعندما تنام الكودية متوضئة وبعد قراءة بعض الأدعية تضع 'الاطر' أو الاثر تحت رأسها، وتنتظر الحلم، لأن الأحلام عندهم أحد أشكال الاتصال بالجن أو الأسياد، ومنها تعرف مشكلة المريضة وسرها، وهذا ما يعرف عندهن باسم كشف 'الأطر'·· وتختلف الكوديات في عملية الاتصال بالجن، فبعضهن يسمعن كلام الجن وبعضهن يشعرن جسديا بوجودهم وهناك من ترى الجن في الأحلام أو في الحياة الواقعية، ولابد للكودية أن تكون متدينة، حافظة لآيات من القرآن الكريم، وبعض القصص من حياة الرسول والصحابة وأولياء الله الصالحين وان تحفظ بعضا من الأحاديث النبوية والأدعية المتوارثة فضلا عن المعرفة بكثير من قدامى مشايخ الزار وأدعيتهم وكراماتهم وبعد ان تعرف سر المريضة تذهب إليها في اليوم التالي مباشرة أو خلال ثلاثة أيام وتصارحها بأسباب حالتها وما يجب ان تفعله بالضبط وأوامر الأسياد ومطالبهم، حتى يكون لها الشفاء·
العلاج بالوهم
ويقدم الزار عدة وظائف وأدوار منها ما هو نفسي، فهو يقوم على علاج الوهم بالوهم، واشباع الرغبات المكبوتة في بعض الحالات، بل يقوم في جزء منه على الحيل الدفاعية التي تحدث عنها فرويد كأن تزعم سيدة -مثلا- انها تزوجت من احد الجان، وانه حرم عليها ان تلمس أو تقترب من أي انسان، وذلك لمنع اتصالها بزوجها الذي لا يمكنها مصارحته بانها تكرهه ومن جانب آخر فانها تشبع رغبتها في الوهم مع هذا الجان، الذي يصل في ظل التوتر والكبت إلى تجسيد حقيقي للجان، وهناك حالات لسيدات يمسهن جان وتحديدا روكش أو 'روكوشة هانم' وهي جنية عبارة عن طفلة تحب الجلوس وتعشق الشيكولاتة وتلعب بعروسة، وفي هذه الحالة عندما تسمع السيدة الممسوسة دقة 'روكش' تتحول إلى طفلة وترتدي ملابس الاطفال وتأكل الحلوى والشيكولاتة وتلعب بالعروسة، وكل هذا يتم أثناء رقصة الزار وتظل ترقص حتى تصل إلى اغماءة قصيرة تفيق بعدها وهي منشرحة الصدر، ومن وجهة نظر علم النفس هي حالة نكوص للطفولة، وهي حالة نفسية يرتد فيها الإنسان إلى مرحلة الطفولة وهذه حيلة نفسية دفاعية تعبر عن عجز البعض عن مواجهة الحياة ومشكلاتها·
والطريف في الزار انه لا يمكن القول نهائيا عن المريضة انها مجنونة هي فقط تعبانة أو مشغولة البال وهذا ما يطالب به حرفيا علماء النفس وفي مثل هذه الحالات يمكن ان يكون الزار مفيدا وعلاجا حقيقيا، وهناك حالات بسيطة يمكن ان يحلها الزار، كأن تذهب فتاة عانس إلى الزار وتدعي ان جنيا يحبها ويحول بينها وبين الزواج، ويمنع أي شاب من التقدم اليها، فإذا تزوجت فيما بعد يكون الزار قد نجح، وإذا لم تتزوج لا يكون السبب انها ليست جميلة مثلا أو تجاوزت السن، ولكن الجني عنيد جدا ومتمسك بها عشقا· والزار يمكن ان يكون علاجا نفسيا جماعيا، فالعلاج يتم امام الجميع، والكل تعبان ولديه سبب التعب، ولا تشعر المريضة بالخجل من 'التفقير' أو السقوط على الأرض أو البكاء، كما انها تعلن سواء بالكلام أو بالحركة عن سبب التعب، وتعامل المريضة بكل اهتمام وعطف من الجميع، وتستمع إلى زميلاتها الاقدم في الزار وتتبادل معهن الخبرة·· وهذه كلها انماط من العلاج يقرها الطب النفسي الحديث·
وهناك زار الجبل وزار البحر، وكل منهما يعتبر رحلة خلوية، ففي زار البحر تأخذ النساء سفينة كبيرة من شاطئ النيل بروض الفرج ومعهن فرقة الزار والكودية بالاضافة إلى الأطعمة ويقضين يوما كاملا، إلى جانب مياه النيل، وتبحر السفينة مسافة قصيرة إلى جزيرة الوراق وهناك تفرش الملاءات، ويبدأ الحفل، وتتخلله فترات راحة لتناول الشاي أو طعام الغداء، وبعد الغروب يبدأن جمع الأشياء والاستعداد للعودة، وكله بأمر الأسياد والحقيقة انهن يكن قد قضين يوما ممتعا، مما يحقق لهن قدرا من السعادة، وزار الجبل يكون كذلك ويتجهن إلى حي الامام الشافعي، بجوار جامع سيدي عقبة، وهكذا يقضين يوما كاملا بعيدا عن ضوضاء المدينة وخارج منازلهن والروتين اليومي، وممارسة بعض الرقصات التي تبهجهن بسماع الموسيقى وزغاريدهن، وبهذا يخرجن من حياتهن الضيقة جدا إلى عالم ارحب وأوسع، يمكنهن فيه التعبير بحرية عن أنفسهن، بلا كبت ولا قيود ودون ضغوط، ورغم ان الشكل المباشر هو الاستجابة لطلبات الاسياد 'الجان' وتنفيذ أوامرهم، التي لا يمكن مخالفتها والا يكون العقاب صارما على من يعترض، فان الحقيقة أن الامر كله هو أسلوب من أساليب مواجهة مشاكل حياتهن·
ولهذه الأسباب وغيرها، بدأ بعض الباحثين التعامل مع الزار من منظور مختلف، ليس منظور التحريم الديني أو الادانة الثقافية باعتباره من أشكال الدجل والشعوذة، ولكنه فولكلور شعبي يجب تفهمه واحترامه، إذ انه يلبي احتياجا لدى قطاعات معينة في المجتمع، حرمت من الحقوق، فهناك من يذهب إلى الزار طلبا للمتعة والراحة وفراغ البال، فليس كل من يذهب إلى الزار يكون مريضا، فهناك المريدون والأحباب، كما يقال عنهم، هؤلاء يستمتعون بألحان وعروض الزار، وقد يكون فرارا وهروبا من واقع وزمان غير مرض إلى حالة أكثر رضا، وربما طلبا لربط الأنا الفردية بالكيان المشترك للناس أو الأنا الجماعية، وهو نوع من تحويل الفردية الواحدية الى فردية اجتماعية، ومن هنا فان الزار شكل للاندماج الاجتماعي في الواقع، وبعض الأطباء النفسيين يعتبرونه محاولة للتعويض من الحرمان الفردي أو العام، أو هو محاولة من الأغلبية الصامتة للخروج عن صمتها، وبما لا يجعلها تتصادم مع النظام العام·· وبهذا المعنى يصبح الزار لحظة حرية لا يجدها الفرد في حياته اليومية بكل همومها، في جو الزار يحصل المريض أو المريضة وكذلك المريد أو المريدة على أكبر قدر ممكن من الاثارة النفسية والانفعالية والجسدية وذلك من خلال الأغاني والرقص والموسيقى، فكل هذا يخلق جوا احتفاليا، فالزار مثل الفرح، بغض النظر عما فيه من حالات بكاء وصراخ أحيانا، كما ان 'التفقير' في هذا الجو الاحتفالي الصاخب يحدث نوعا من التطهير، بالمعنى الأرسطي، من الكبت الانفعالي والنفسي بل والجنسي أحيانا وهذا التطهير يحقق التوازن النفسي، حتى لو لم يكن المشارك فيه مريضا بالفعل
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©