الاتحاد

الملحق الثقافي

أرمنيان وعربي

رغم ما شهده الشرق عبر مجمل تاريخه من محن، من اقتتال ودم مراق، من حروب وتصفيات عرقية، ورغم ما عاشه الشعب الأرمني من تقتيل ومذابح على يد جيرانه من سكان الشرق ظل الشاعر الأرمني الأمهر أوفيديك إسحاقيان مؤمناً بالروح الشرقية العظيمة. لذلك تلفّت إلى الأدب العربي وافتتن بالمعري وشعره فكتب سنة 1909 ملحمة مطوّلة اختار لها عنوان «أبو العلاء المعري». كان إسحاقيان وقتها شاعراً مجيداً. أما بعد كتابته هذه الملحمة فأصبح أشهر شاعر في أرمينيا. أدرجت الملحمة في برامج التعليم الثانوي وفي جامعات أرمينيا كلها. فكادت شهرة المعري في أرمينيا تفوق شهرته عند العرب. والثابت تاريخياً أن مثقفي أرمينيا ومبدعيها من الشعراء والرسامين كانوا على وعي بأنهم يتحدّرون من الروح الشرقية وينتمون إلى ثقافة الشرق العظيم الذي حرص الغرب على تدجينه وسلب أمجاده الماضية ومصادرة مستقبل أطفاله. لذلك استلهم الرسام الأرمني الأشهر مارديروس ساريان ملحمة إسحاقيان ووضع رسوماً ولوحات رأى أنها تلخّص حياة المعري ومحنته أمام رعب الوجود. وعندها أرسل إسحاقيان نص الملحمة مع أكثر من عشرين لوحة إلى روسيا لنشرها هناك. وحالما أنجزت الترجمة إلى الروسية اندلعت الحرب العالمية الثانية فأغلقت دار النشر وضاعت رسوم الفنان مارديروس ساريان. بعد الحرب لم يتم العثور إلا خمس لوحات عثر عليها في مناطق مختلفة من الاتحاد السوفييتي. ترجمت الملحمة إلى 25 لغة منها الإيطالية والفرنسية والإنجليزية والجيورجية والروسية والفارسية وغيرها. أما الترجمة العربية الأولى فلقد أنجزها كل من بارسيخ تشاتويان وخير الدين الأسدي سنة 1940. وتمت الثانية على يد ناظار ناظريان ونزار خليلي ونشرتفي حلب سنة 2003. والناظر في نص الملحمة يدرك أن أوفيديك إسحاقيان يدرك أنه كان على يقين من أن المعرّي يجسّد صورة البطل الملحمي. والملحمة كجنس أدبي لا تنهض وتكون إلا متى اكتملت عناصرها البنائية ومن أهمها وجود بطل ملحمي يواجه قدراً لم يختره لكنه يختار أن ينازله، ووجود الرحلة والسفر باتجاه المجهول بحثاً عن الحقائق الكبرى التي تؤثث بالمعنى حياة بني البشر وتكشف عظمة الكائن حين يختار أن يجعل من حياته نزالاً لا يكلّ، وصراعا لا يهدأ أبداً حتى ليكاد يحطّم تحطيماً لكنه لا ينهزم ولا يستسلم. لهذا كله افتتح أويديك إسحاقيان الملحمة باللحظة التي بدأ فيها بطله الملحمي أبو العلاء المعري رحلته باتجاه المجهول بحثا عن الحقائق الكبرى. نقرأ: «أبو العلاء المعري/ شاعر بغداد الشهير عاش عشرات السنين/ في عاصمة الخلفاء الفخمة/ رأى الإنسان وتأمّل شرائعه/ وعرفت روحه النافذة الإنسان/ عرفته وكرهت شرائعه ونظمه/ ولأنه لم تكن له زوجة ولا أولاد/ وزّع كلّ ثروته على الفقراء والمعوزين./ وذات ليلة بينما كانت بغداد راقدة/ على شواطئ دجلة المكسوّة بأشجار السرو/ أخذ قافلته الصغيرة المحمّلة بالمؤن والذخائر/ وغادر المدينة سرّاً».

اقرأ أيضا