يروي كتاب غومورا قصة مناطق معينة، من الجنوب الإيطالي، حيث تحكم الجريمة المنظمة سيطرتها القوية والعميقة على السياسات المحلية، وبشكل خاص على الموارد المالية الحكومية. إن «الكامورا»، وهي المافيا الإيطالية الأخرى كما تدعى غالباً، ليست كما يريد أعضاؤها أن نعتقد. فهي ليست تلك المنظمة القديمة الجذور، التي توظّف العنف في المناطق التي تكون فيها الحكومة أضعف كثيراً من أن تفرض قوانينها، بل ما من دستور أخلاقي لدى «الكامورا» يستند إلى أي من المثاليات النبيلة من احترام وكرامة. ففي مراتبها لا وجود لرجال ذوي شرف أصيل، ولا هم حتى مجرد مجرمين جهلة ومتخلفين. إن «الكامورا» قبل كل شيء عبارة عن منظمة أعمال تجارية، وحجم أعمالها ومبيعاتها غير قابل للمقارنة مع أي شركة أخرى في العالم. تنافسها في ذلك المافيا الكالابريّة، «إندرانيتا». لقد حاول روبيرتو سافيانو المؤلف في شرحه أن يمزق لثام اللامبالاة، وأن يظهر كم هي جبانة «الكامورا» في الحقيقة، وكم هي مقتصرة على وجه واحد ألا وهو التعطش إلى المال، والوحشية والقسوة التي ينطوي عليها قيامها بشكل منظم بتدمير بلد بأكمله، عن طريق تسميم اقتصاده، ومن خلال التخلص غير المشروع من النفايات السامة عبر طمرها في طبقة الأرض. رعاة أغنام يحلل سافيانو كيف إن «الكاموريين» ليسوا رعاة أغنام بسطاء، ضارًين كما يفترض المرء للوهلة الأولى. بل هم مستثمرون مغامرون على نطاق واسع، وعلى هذا الإدراك، قد فعل ما في وسعه ليجعل من «غومورا» أكثر من مجرد كتاب عن نابولي، بل كتاباً يحكي عبر نابولي، حكاية جميع المدن الكبرى ذات التركيبة المدنية الضخمة، التي قد نجد فيها الجريمة المنظمة بالضرورة. فيعرض للقارئ العربي بالخصوص، كيف إنه سوف يطابق، أو على الأقل يميز، الشوارع، والأساليب، والتصميم الدائم لمجرمي جنوب إيطاليا على التغرّب، وغالباً من خلال محاكاتهم شخصيات عظيمة من هوليوود، عبر تبنيهم لأسلوب حياة ووقفات تحاكي أسلوب غريبي الأطوار أو الهزليين. بالإضافة إلى ذلك، فإنه على ثقة من أن القارئ العربي سيتمكن من التعرف إلى الأشخاص العاديين والشعور بشعورهم في صراعاتهم واهتماماتهم. إنهم أهل جنوب إيطاليا الذين، في غمرة واقع معولم كلياً، ليس بإمكانهم سوى المطالبة بالتمتع بالأشياء عينها من الحقوق والمنافع التي يتمتع بها العالم العربي، وإنه يشير بشكل جوهري إلى إيجاد حكومة تستند إلى سيادة القانون فيها. لكنهم كثيراً ما يعانون من الإنكار الكلي من الآخرين؛ من أولئك ذوي الدور الأكثر أهمية وحيوية. وكل ما يصفه هنا، بالنظر إلى عوامل التقارب الثقافية والتاريخية، لن يكون غير مألوف بالنسبة إلى الحياة اليومية في عالم الأمة العربية. فقد كانت جماعات الجريمة المنظمة المغربية، والتركية، واللبنانية جميعها، لوقت طويل على اتصال بجماعات الجريمة الإيطالية. يكفي أن يشير إلى أنه خلال عشر سنوات خلت، أظهرت تحقيقات عديدة أجراها فريق قوى الأمن المكافحة للمافيا في نابولي، وجود علاقات متينة وسبل موثوقة لتهريب المخدرات والبضائع المزيفة من كافة الأنواع. فعلى سبيل المثال لا الحصر كما يروي المؤلف، لقد كانت المافيا التركية تزود اتحادات الجريمة الإيطالية بالأسلحة مقابل الحصول على المخدرات. خليط من المجرمين وعليه فإن «الكامورا» من هذا المنظور، هي منظمة الجريمة الأوروبية الأولى التي تأوي تونسيين في صفوفها، محققة بذلك خطوة واسعة، قد فشل المجتمع الأوروبي حتى اللحظة في تحقيقها، ألا وهي: إيجاد اتحاد من الولايات الأوروبية التي تأخذ في الاعتبار بشكل مناسب دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي يمكن لها أن تستظل تحت مظلة موحدة من حيث الأصول، والثقافة، والتقارب الإقليمي. لقد كانت «الكامورا» على قدر كاف من النفوذ مكّنها من أن تجمع منظومة متنوعة من الثقافات، مركّزة للأسف كما يصفها روبيرتو على جوانب تحملها كل منها. وحقيقة أن ظاهرة لا أحد سوى «الكامورا» نفسها، هي من احتكرت إمكانية الوحدة بين ثقافات حوض البحر الأبيض المتوسط، لهي أمر خطر ويدعو إلى القلق، لأنه يعني أنه يوجد مستوى من الشراكة الإجرامية الفعالة المسبقة، والتي يصعب للغاية التصدي لها، في غضون وقت معقول، من خلال شكل من أشكال الشراكة القانونية والسياسية التي تساويها قوة واندماجاً بين عناصرها. وإن تفاعل روبيرتو مع الأمر، وتفاعل السكان المدنيين، وتفاعل وسائل الإعلام، والصحافة، والمفكرين، تكمن في أن تجمع معاً الجوانب الأكثر رقياً من الثقافة المتوسطية، لتحارب عبر حرية الكلمة وعبر ترجمة الكتب، كل من يحاول فرض الصمت على الأصوات التي لا يلائمه ارتفاعها. لقد تخطى روبيرتو سافيانو الخطوط الحمراء وفضح ما لم يتجرّأ أحد على كشفه من قبل، عبر نشر حقائق سرية وتفاصيل دقيقة وحرجة متجاوزاً الخوف ومتصدياً لإجرام المافيا الإيطالية. عبر توجيه الاتهامات التي تدينها، مشفوعة بالأدلة الثابتة، دون مبالاة بالعواقب التي قد تصيبه. لقد شكّل هذا الكتاب صرخة عالية أدهشت الكثيرين، وحوّلت القصة الواقعية إلى فيلم سينمائي عرض بنجاح كبير، حظي من خلالها المؤلف بجائزة فياريجيو الأدبية في إيطاليا، إضافة إلى مجموعة من المرافقين الآمنين الذين وضعتهم الشرطة لحراسته. بعد أن وصلته تهديدات بالقتل إثر نشر كتابه، مما جعله دائم التنقل من مكان إلى آخر متوارياً عن مافيا كامورا التي أصدرت الأمر بقتله. فهو يعيش وعلى مدى عامين ماضيين وأكثر، حياته تحت حماية متواصلة من الشرطة، فعلى مدى عامين ماضيين وأكثر، لم يكن وبحسب قوله قادر على الخروج لشراء بقالته، أو لمشاهدة فيلم، أو للذهاب إلى المسرح، أو حتى لمجرد التمشي. كل ما يفعله يجب أن يكون مخططاً له مسبقاً مع الشرطة، ومرافقاً بحماية منها. قد يتطرق إلى ذهننا في نظرة سريعة إلى قضيته، أن الكامورا قد ربحت. في الواقع، إن حياته فعلاً أشبه بالجحيم، وهي حياة في جزء منها فقط. ويمر في أوقات في قمة الإحباط، يتمنى فيها لو أن الزمن يرجع به إلى الحين الذي كان قد كتب فيه غومورا، كي يستعيد شيئاً من مذاق الحرية التي على الأرجح لن يستمتع بها يوماً مرة أخرى. في المواجهة وعلى الرغم من ذلك، فقد نجح كتاب غومورا بطرائق لم يكن يوماً يتصورها، وقدّم الدعم والتشجيع إلى السلطات في جنوب إيطاليا، التي تدأب وتكافح يوماً إثر الآخر، لتحرر أرضها من هيمنة الجريمة المنظمة. لقد أضحى نضاله، على نحو غير متوقع، معركة شعب بأكمله، وكلماته باتت كلمات شعب بمجمله. وإن هذا لهو ما تخشاه الكامورا أكثر من أي شيء آخر. إنها تخشى أن يتمزق حجاب الصمت الذي كان نقاباً يستر مصالحها لسنوات عديدة، وأنه ما إن تسلط الضوء على هذه المصالح فإنها لن تعود لتظلم ثانية أبداً. هذا ما يرجو حدوثه شعب بأكمله: أن يبقى اهتمام العامة والإعلام مسلطاً ومكثفاً، وأن وطنه سيستعيد أخيراً الحرية والكرامة اللتين يستحقهما بكل جدارة. إن كتابه بمثابة رواية بصورة بلاغ. فهو يعتبر نفسه بادئ ذي بدء صحفياً، على الرغم من أنه يملك رغبة قوية وكفاءة في مجال القصة، وما كان له بالكاد أن يمنع نفسه عن اتباع الأثر الذي أذاعت انتشاره الصحافة الحديثة، ألا وهو أسلوب الرواية الواقعية. إنه نوع من الكتابة الذي ينحو إلى الإبداع في الأدب، لكن دون التخلّي عن متطلبات الأساسين الموضوعي والواقعي. يتناول روبيرتو كيف كانوا الناس يطرحون عليه أسئلتهم، عمّا إذا كان حقاً قد شاهد كل ما وصفه برؤية العين، وعمّا إذا كان قد اختبر حقاً المواقف التي تحدّث عنها جميعها، يقول بأنه كان يجيبهم بالكلمات نفسها التي وضعها المخرج الإيطالي فرانسيسكو روسي، في ختام فيلمه الأساسي عام 1963 عن نابولي، «أيد على المدينة» (لي ماني سولا سيتا): «إن الواقع الاجتماعي الذي أفرز الشخصيات التي تحدّث عنها هنا، موثوق وحقيقي». فهو يأمل، وعلى ثقة، من أن قارئ النسخة العربية لغومورا سيسعى إلى العثور على طريقة شخصية ومناسبة للتصدي للجريمة المنظمة، والتهديدات الأخرى كافة، أينما كانت وكيفما برزت، في سبيل تأسيس دولة مبنية على سيادة القانون. نرى روبيرتو يحلّق في كتابه «غومورا» إلى فضاء بعيد يحدثنا فيه عن عالم أصبح وكأنه عالم السيطرة والقوة يحكم من قبل الجريمة المنظمة، التي تتربص بالناس في الجنوب الإيطالي، لتحيل حياتهم إلى عالم مضطرب مسكون بالخوف والرهبة. كتاب كبير وغزير، وجريء في تناوله قضية حساسة. يسرد الوقائع المذهلة التي اكتشفها المؤلف حول مافيا كامورا حيث تعني «كا» زعيم و»مورا» الشوارع، الذي تغلغل سافيانو فيها وفي بنيان هذا التنظيم الإجرامي العالمي. حيث كان متواجداً أيضاً في مسارح الجرائم، مراقباً نوافذ السيارات المهمشة ومعايناً جثث القتلى المليئة بالرصاص، وقد صعق هذا الطغيان والإرهاب جميع حواسه، وألهبت رائحة الجثث المحترقة ضميره، فانكب يكتب مشاهداته، واصفاً ردّات فعله، ومتحدّياً الظلم، ومناشداً فضح ما يجري لمعاقبة المسؤولين عنه، مما جعل زعماء العصابة يطالبون برأسه. الكتاب: غومورا المؤلف: روبيرتو سافيانو الناشر: الدار العربية للعلوم ـ ناشرون