السبت 28 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
حب من ذلك النوع
حب من ذلك النوع
3 أغسطس 2005

سعاد جواد SUAD-JAWAD@ HOTMAIL .COM: من هي تلك الفاتنة التي تشع كأنها نجمة؟ تساءل الجميع ومن ضمنهم أنا، كنت مدعوة إلى حفلة عرس لإحدى المقربات، كان العرس جميلاً جداً وأجمل ما فيه تلك الفتاة رائعة الجمال، كانت تنتقل هنا وهناك، تتابعها العيون وكأنها فراشة رقيقة تضحك بصوتها العذب تنتقل بين الطاولات تسلم على هذه وعلى تلك، سألت صديقتي التي ترافقني عن تلك الفتاة التي ابهرتني بجمالها وخفة روحها فقالت: انها ابنة فلانة ألا تذكرينها؟ نعم لقد تذكرتها، انها احدى صديقاتي المقربات، لازلت اذكر صداقتنا الحميمة خلال فترة الدراسة ثم تزوجت هي قبلي وانجبت بنتاً كانت مثار الاعجاب لكثرة جمالها يبدو انها نفس البنت وقد كبرت وازداد جمالها تألقاً وروعة، اين منها مسابقات ملكات جمال الكون، اعتقد بأنها ستفوز بجدارة لو رشحت نفسها لتلك المسابقات، سبحانه من خلق وابدع·
جاءت البنت قرب طاولتنا فقامت الصديقة بتقديمها لي فسلمت البنت عليّ ومنحتني ابتسامة فاتنة، لم استطع اخفاء اعجابي بها وقلت لها: بسم الله ما شاء الله، أنت جميلة جداً، كم اتمنى لو كان ولدي كبيراً بما فيه الكفاية لاخطبك له، ولكن للأسف فهو لايزال صغيراً، ابتسمت البنت بدلال وقالت: وهل يبدو عليّ انني غير متزوجة؟ اتسعت عيناي بدهشة وقلت لها: وهل أنت فعلاً متزوجة؟ ردت بابتسامتها الساحرة قائلة: طبعاً أنا متزوجة، وليس ذلك فقط وانما أنا أم لثلاثة اطفال اكبرهم في الروضة، ازداد استغرابي ولكني تداركت نفسي وقلت لها: شيء طبيعي ان تكوني متزوجة، طبعاً، فالجميلات يخطفن بسرعة إلى عش الزوجية، المهم ان تكوني مع رجل يعرف قيمتك· ابتسمت باشراقة عذبة وقالت: لا يمكن ان تصدقي يا خالتي كم هو رائع، وكم انا محظوظة به، انه اروع إنسان على سطح الأرض، أنا لا ابالغ، صدقيني، انه هو سر جمالي وسر توهجي وتألقي، انني ارى نفسي دائماً من خلال نظرات تقديره واعجابه بي، هذا بالاضافة لكونه شابا مميزا، طموحا وذا شخصية رائعة، لا يمكن ان يضاهيه أحد في شيء·
اغمضت عينيها بسعادة وهي تحاول ان تخفي صورته التي ارتسمت في بؤبؤ عينها خوفاً عليه ثم ابتسمت واعتذرت منسحبة من جانبي وتاهت بين الحاضرات دون ان تستطيع اخفاء نفسها من تلك العيون التي تلاحقها اينما ذهبت·
احسست بشيء من الخوف عليها من الاصابة بالعين فصرت استرقي لها بداخلي واقرأ عليها سوراً من القرآن تحميها من كل تلك العيون المصوبة نحوها·
عاشقة
لا ادري لمَ بقيت صورة تلك الإنسانة الرائعة في ذاكرتي طوال الوقت فصرت اتحدث عنها وعن جمالها النادر كلما سنحت الفرصة لذلك، بعد مدة بسيطة اتصلت بوالدتها، صديقتي القديمة واخبرتها عن اعجابي بابنتها وطلبت منها ان تسترقي لها باستمرار خوفاً عليها، اخبرتني بانها لا تراها إلا نادراً فهي لا تحب مفارقة بيتها وزوجها الذي تعشقه عشقاً عجيباً لا يمكن ان يتخيله إنسان، ثم اخذت تنتقدها لان حبها لزوجها ينسيها أهلها وكل من حولها، وهي تبقى تدور في عالمه ولا شيء غير ذلك يهمها أو يعنيها·
بعد اشهر قليلة اتصلت بن صديقتي واخبرتني بانها ستذهب لتعزية فلانة·· شهقت عندما سمعت الاسم·· انها صديقتي والدة تلك الفتاة الجميلة، كاد قلبي ان يتوقف·· صحت مرعوبة·· خيرا ان شاء الله·· من المتوفى؟ قالت: انه زوج ابنتها التي كانت في الحفلة، أنت تعرفينها، لقد تحدثت معها حديثاً طويلاً يوم العرس وكنت تتحدثين عن جمالها النادر الذي أبهرك·
لم اصدق ما سمعت وبقيت افكاري مشتتة، يا الهي·· ما هو شعورها وقد فقدت زوجها الذي تعشقه؟ ما هو وقع الصدمة عليها؟ كيف يمكن ان تتقبل شيئاً مثل هذا؟
ذهبنا أنا وصديقتي للتعزية، كان المكان مكتظاً بشكل كبير، بحثت بين الوجوه الحزينة عن تلك الجميلة فلم اجدها، لم اتعرف عليها سألت عنها فأشاروا إلى فتاة ما، لم تكن هي، انها مختلفة تماماً·· ماذا حدث لها؟ كيف انقلب جمالها وفتنتها بهذا الشكل العجيب؟ تساءلت مرة أخرى لاتأكد·· هل هذه هي الارملة التي فقدت زوجها؟ قالوا نعم·· لم اصدق واعتقدت بأنني بحاجة للتأكد·· وجدت امها صديقتي، عزيتها وسألتها: هل هذه ابنتك هي نفسها التي كانت في العرس أم هي اختها؟ قالت: انها هي نفسها التي اعجبك جمالها وانبهرت بها· يا الهي!! لا اصدق كيف انقلب ذلك الجمال إلى هذا الشكل البائس؟ غير معقول ابداً، قررت أن اتأكد أكثر، جلست إلى جانبها، حاولت ان افتح مجالاً للحديث معها لعلي اتعرف عليها، سألتها: هل توفى زوجك بحادث؟ اجابت: ابداً·· لقد كان طبيعياً جداً·· عاد إلى المنزل مساء وتناولنا العشاء وجلسنا نشاهد فيلماً في التلفاز، فجأة تغيرت حاله وضاق نفسه وارتفعت حرارته اخذته إلى المستشفى ولكنه فارق الحياة في الطريق·
فجيعة
انهالت دموعها بغزارة فاحتضنتها وبكيت معها دون ارادتي، لقد احسست بمدى فجيعتها ومدى حزنها، بعد موجة البكاء والدموع الساخنة رفعت وجهها مرة أخرى امامي فنظرت اليها بتمعن وقلت لها: لا حول ولا قوة إلا بالله·· هل انت نفس الفتاة التي ابهرني جمالها في ذلك العرس؟ هل هذا يعقل؟ قالت: ألم اخبرك بأن زوجي سر جمالي وأنني كنت أستمد جمالي من حب زوجي لي ومن حبي له، ومن وجوده الرائع في حياتي؟ قولي·· ألم تصدقي وقتها؟ اجبتها: والله لا ادري، أنا غير مصدقة لاي شيء ولا اعلم إن كان ما أراه حقيقة أم مجرد خيال، عموماً، اتمنى ان يمنحك الله الصبر على فراقه، واعانك على تحمل مسؤولية اطفالك·
لم ترد عليّ وبقيت عيناها معلقتين نحو الأعلى وكأنها غابت عن الوعي، تركتها وانصرفت وكانت الافكار والتساؤلات تملأ رأسي، هل يمكن ان تكون المرأة جميلة عندما تحب زوجها؟ هل يمكن ان يضيف ذلك الحب اشعاعاً مميزاً؟ هل هذا شيء وارد ومقبول؟ والله لا ادري·
استحضرت ذلك الشكل الرائع من ذاكرتي، حاولت مقارنته بهذا، لا توجد مقارنة، وجه ذابل، عينان منطفئتان، شفاه زرقاء، جسد متهالك، يدان معروقتان، شيء لا يصدق·
حاولت صرف هذا الموضوع عن ذهني خصوصاً وان صديقتي كانت مصرة ان جمال النساء يكمن فيما يرسمنه على وجوههن من مكياج، وما يلبسنه من ثياب تخفي العيوب وتظهر المحاسن، وفي تلوين العيون بالعدسات الملونة ووضع الرموش المستعارة والشعر المركب المستعار، وجميع ما يمكن ان يغير الشكل إلى الجمال المطلق·
كان رأيها منطقياً ولكنه غير مقنع تماماً، فما هو معروف بان جميع النساء يضعن المكياج ويتزين في الاعراس وهن يبدن جميلات طبعاً ولكن ليس بالشكل الذي كانت عليه تلك الفتاة انها كانت مثالاً لجمال مبهر للجميع·
بعد مدة بسيطة اخبرتني صديقتي بان تلك الفتاة ترقد في المستشفى لانها مضربة عن الطعام بسبب حزنها على زوجها وهي معرضة لخطر الموت لان جسدها ضعيف لا يستطيع المقاومة، قررت ان ازورها فلربما تفيدها زيارتي في شيء·
ذهبنا انا وصديقتي إلى المستشفى محملين بباقات من الورد الطبيعي الذي يمكن ان ينعش نفسيتها، استقبلتنا امها·· كانت تبكي بحرقة قالت: المجنونة تريد ان تنتحر لتلحق بزوجها لانها لا تستطيع مفارقته·· هل رأيتم جنوناً مثل هذا؟ انها لا تحس بعذابي انا امها ولا تكترث لتوسلاتي انها لا تفكر بأولادها الصغار الذين هم بأشد الحاجة اليها، انا لا استطيع انا اتحمل مسؤوليتهم الكاملة لوحدي ارجوك·· تحدثي معها علها تستمع اليك·
اقتربت منها، ارعبني المنظر، لقد ازداد شكلها اختلافاً، نحفت اكثر وبرزت عظامها واغمق لون بشرتها وجحظت عيناها واسودت شفتاها، كل شيء فيها اصبح مخيفاً وقريباً إلى الموت·
امسكت بيدها المعروقة، وأمسكتها بحنان، فتحت عيناها ونظرت إليّ والدمعة تحيط بمقلتيها، قلت لها: لقد ابهرني جمالك عندما رأيتك في العرس وقد اخبرتني بان جمالك كان من وحي حبك وعشقك لزوجك·· فهل ذهب ذلك الحب ورحل عن قلبك؟ نظرت إليّ باستغراب ولم تجب·· قلت لها: ان الحب الحقيقي لا يقود صاحبه إلى الموت·· انه يبقى متوهجاً يمدنا بالحياة وبالجمال إلى آخر لحظة من لحظات العمر، خصوصاً اذا كان ذلك الحب حقيقياً ينبع من الاعماق بصدق ليس له مثيل، فاذا كان حبك لزوجك من ذلك النوع فارجو ان تستعيني به لتعودي إلى الحياة من جديد، لتربي اطفالك ولتبقي جميلة الجميلات إلى آخر العمر·· فهل أنت مستعدة لذلك؟ ابتسمت لي وقالت: معك حق·· يجب ان يكون حبي من ذلك النوع·
تركتها وانصرفت ولم استطع ان امحوها من ذاكرتي لفترة طويلة وصرت اسأل عنها بين الفترة والأخرى حتى اطمأننت إلى انها قد اصبحت بخير ولله الحمد·
بعد اشهر قليلة دعتنا امها إلى منزلها انا وصديقتي لتشكرنا على مساعدتنا لابنتها على الشفاء فذهبنا، وكنت متشوقة لمعرفة ما قد اصبحت عليه تلك الفتاة·
فوجئت بأنني اقف امام ملكة جمال الكون مرة أخرى، يا للعجب فقد عاد ذلك الجمال المبهر اليها دون وجود المكياج والعدسات الملونة والشعر المستعار وغيره، كانت طبيعية وتلقائية وجميلة جداً جداً بشكل يلفت الانظار، ابتسمت لي وحيتني برقة وقالت: اشكرك لانك نبهتني إلى حقيقة كنت اجهلها، لقد استعدت ذلك الشعور الجميل الذي اعتقدت بانه قد مات مع موت زوجي وقد توهجت مرة أخرى لاعيش بذلك الشعور بقية عمري على ذكرى ذلك الحب الرائع·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©