الاتحاد

الملحق الثقافي

عملية غسل دماغ جماعي عرضت أجيالاً للإذلال الثقافي!

متى نشأت الثقافة العربية الحديثة؟ وهل تأثرت بالثقافة الأوروبية؟ وكيف نفهم التقدم والتقدمية؟ وما النتائج المترتبة على الرؤية التقدمية في الثقافة العربية؟ وهل هناك عصر انحطاط عربي؟ وكيف يمكن الخروج من أزمة الثقافة العربية الحديثة وأزمة المثقف العربي، للوصول إلى نخب عربية منسجمة مع ثقافتها وحضارتها؟.
هذه الأسئلة وغيرها يطرحها الدكتور محمد عادل شريح المتخصص في الثقافة السياسية والأيديولوجية في كتابه الجديد (ثقافة في الأسر)، والذي يرمي من خلاله إلى تفكيك المقولات النهضوية العربية.

اختلاط الأصول المعرفية

ينطلق الدكتور شريح في تحليله للتحولات التي طرأت على الثقافة العربية في القرنين الأخيرين، نتيجة لاحتكاك العالم الإسلامي بالغرب، فيرى أن الثقافة العربية الحديثة ما هي إلا الثقافة التي نشأت نتيجة هذا الاحتكاك، بعد أن تأثرت به أشد التأثر، إلى حد اختلاط المنظورات الثقافية والأصول المعرفية. وهذه الحالة من الاختلاط لم تقتصر على الثقافة العربية الإسلامية، بل هي ظاهرة كونية نجدها في كل الثقافات المعاصرة للشعوب المختلفة، وهي تعود إلى طبيعة الحضارة الغربية الحديثة وبنيتها الفكرية التي ترى العالم من منظور واحد هو ما صار يعرف باسم المركزية الغربية، وهي لا تكتفي بهذه الرؤية منظوراً تفسيرياً، بل تعمل على تغيير العالم بما يتناسب ويعزز هذه الرؤية ضمن استراتيجية تحولات فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية كونية، تعززها قدرة هائلة على الإنتاج المادي والصناعي والإنتاج الثقافي والإعلامي، مع عدم التردد في اللجوء إلى القوة العسكرية إذا لزم الأمر. يرى الدكتور شريح أنه على الرغم من صعوبة تحديد خط زمني فاصل ودقيق لبداية نشأة الثقافة العربية الحديثة، إلا أن هناك شبه إجماع من المؤرخين على أن الحملة الفرنسية التي قادها نابليون بونابرت هي الحد الفاصل بين مرحلتين تاريخيتين وثقافتين، تم إطلاق اسم عصر النهضة على مرحلة ما بعد الحملة الفرنسية، فالثقافة العربية الحديثة هي ثقافة (عصر النهضة)، وما تلاها وما نتج عنها من تيارات فكرية وتلونات أيديولوجية ومنظومات قيمية وسلوكيات اجتماعية، نتجت عن هذا الاحتكاك الكبير بين ثقافتين فاعلتين، وعالمين كبيرين، هما العالم الإسلامي والغرب. ويبحث عادل شريح في كتابه عن معنى الثقافة والمثقف في المصطلح العربي وعن الثقافة الاجتماعية والثقافة العالمة، كما يدرس (التنظير الثقافي) عند مالك بن نبي، ومحمود شاكر ومصطفى جبري وغيرهم، ويبين مفهوم الزمان في بيئة الثقافة العربية الإسلامية، ومعنى التقدم والتقدمية، والنتائج المترتبة على الرؤية التقدمية في الثقافة العربية. ليستنتج أن الثقافة العربية الحديثة قامت بلي عنق التاريخ وأنتجت لنا وعياً تاريخياً وزمناً ثقافياً يتناسب مع العقيدة التقدمية، فقسمت لنا التاريخ العربي إلى عصور ازدهار واستقرار وانحطاط وانحدار، لتؤسس بعد ذلك للنهضة الشاملة. لكن ذلك لم ينجح برأي المؤلف في الواقع العربي مع عظم الجهود التي بذلت من قبل الحداثيين على اختلاف تلاوينهم. وهو يتفق في ذلك مع عابد الجابري الذي انتقد التقسيمات الحديثة لأنها جاءت شكلية وفارغة من مضامين حقيقية. لكنه يختلف معه بأن الثقافة العربية لن تحقق زمنها التقدمي إلا بدفع الفكر العربي باتجاه العقلنة وبتحقيق العقلانية، بما تعنيه من تماه بالحداثة الغربية، أو الوضعية المادية.

نتائج عقيدة التقدم

ويرى المؤلف أن هذا الدخول السريع للفكرة التقدمية في بنية الثقافة العربية الحديثة، ولد مجموعة من النتائج المصيرية في تحديد التوجهات الفكرية والحضارية للفعل الثقافي العربي، وأهمها أن الربط بين خطاب النهضة وعقيدة التقدم ـ التي هي من الأفكار المكونة لأيديولوجية الحداثة الغربية ـ سيؤدي حتماً إلى ربط الصيرورة التاريخية والحضارية للفكر العربي الحديث بأفق النموذج الحضاري الذي أنتج هذه الأيديولوجية. كما أن الطبيعة المعيارية للزمن التقدمي تملي على الثقافة العربية شروطاً معرفية ونفسية تجعل مفاهيم من نوع: الإصلاح والتجديد، والتحديث والتطوير، والتثوير، قضايا مرغوبة تحظى بقابلية كبيرة لدى المثقفين العرب، وتحمل في طياتها مضموناً إيجابياً، لكنها تعمق عملياً توجهات الثقافة العربية نحو الحداثة الغربية (العصرانية)، وتسقط إمكانية البحث عن نمط حضاري يتناسب مع السياق التاريخي والحضاري. ففي النظرة التقدمية كما يرى شريح ينتقل مفهوم الحقيقة ليصبح مجموعة من الحقائق الجزئية التي تتركب في إطار الصيرورة التي تتجسد داخل التاريخ، وبذلك يتحول الثقل القيمي للتاريخ من الماضي إلى المستقبل، وتصير الحقيقة هي ما ستنجلي عنه الصيرورة، فيصير المستقبل صنو الحقيقة، ويصير السعي إلى الحقيقة متمثلاً بقطع العلائق مع الماضي والنهوض نحو المستقبل، ويصبح التجديد والتطوير والتحديث والإبداع قيماً بحد ذاتها بغض النظر عن محتوياتها. مما أدى إلى انقسام غريب في ثقافتنا العربية بين جموع الأمة التي تعيش في عالمها الثقافي الخاص المستمد من مرجعياتها الدينية وبين ثقافة النخبة. ويعتقد (شريح) أن عملية إدخال مفهوم الانحطاط في عقولنا، تبدو وكأنها عملية غسل دماغ جماعي، تعرضت له أجيال عديدة من أبناء أمتنا، أدى إلى مستوى متدن من تقدير الذات واحترامها، وعرض أجيالاً عديدة إلى عملية إذلال ثقافي، أفقدنا القدرة على التفكير بشكل مستقل. ويخلص المؤلف إلى أن تجاوز ثنائية مقولتي (النهضة) و(الحداثة) قد باتت ضرورية من أجل إعادة كتابة تاريخنا الفكري والثقافي المعاصر، ووضع الأمور في نصابها، لكننا ندرك أن هذه العملية لن تتم بسهولة ويسر، ذلك لأن الثقافة (النهضوية) العربية تستمد مشروعيتها وتسميتها من خلال إقرار وتثبيت مقولة الانحطاط، ومن ثم فإن ما يحتاج إلى مراجعة شاملة وتفكيك هو مفهوم (النهضة) عموماً.


الكتاب: ثقافة في الأسر
المؤلف: الدكتور محمد عادل شريح
الناشر: دار الفكر العربي

اقرأ أيضا