الاتحاد

دنيا

أحمد توفيق قائد خلف الكاميرا وجندي أمامها


القاهرة ـ جميل حسن:
عشق الفن منذ نعومة اظفاره ولم يحلم يوماً بالنجومية والتحق بكلية الحقوق تلبية لرغبة والده ·· وسرعان ما غير مساره الدراسي الى كلية الآداب بعد مشادة مع أحد اساتذة الحقوق وقدم المخرج والفنان الراحل الكبير احمد توفيق العديد من أدوار الشر·· وهو يحمل قلباً ناصع البياض·· فلم يحمل يوماً ضغينة لأحد وهو ثائر في أعماله·· وهو الهادئ الطباع البعيد عن الصخب في حياته ينفعل بالسيناريو فيخرجه·· ويستفزه الدور ويهز كيانه فيمثله، واثرى احمد توفيق المكتبة السينمائية بأدواره والمكتبة التليفزيونية بأعمال كثيرة أخرجها وعاش طوال حياته هادئاً قليل الصداقات·· عازفاً عن الحفلات الخاصة·· وفضل أن يودع الحياة في هدوء بعد معاناة مع المرض استمرت عدة أشهر·
قرأ أحمد توفيق أمهات الكتب وهو لايزال طفلاً ، فكان أكثر زملائه في المدرسة ثقافة ولباقة، ولد في حي شبرا شمال القاهرة وعاش فيه وكانت مدرسة صفية السلحدار متنفساً لإبداعاته عندما كان في المرحلة الابتدائية، فعلى مسرح المدرسة تألق في أدوار صعبة من مسرحيات عالمية ليحقق احمد توفيق المولود عام 1925 شهرة بين طلاب مدارس القاهرة، وفي سن الرابعة عشرة بدأ يتردد على دور العرض السينمائي وخاصة سينما 'مترو' التي كانت تقدم روائع الأفلام العالمية، ولم يترك فيلماً للفنان العالمي 'تشارلز لويني' إلا وشاهده لأنه رأى فيه الفنان الصادق الذي يمثل بتلقائية وينفذ بسهولة الى قلوب الجماهير، ولم يخف أحمد توفيق إعجابه بالممثلة العالمية اليزابيث تايلور التي شاهد كل أفلامها وبعد دراسته الثانوية·· أعلن أمام والده الذي كان يعمل موظفاً بالشؤون القانونية ووالدته ربة المنزل أنه يرغب في دراسة التمثيل وينوي تقديم أوراقه الى معهد الفنون المسرحية ، لكن الأب رفض وطلب منه دراسة الحقوق ربما يصبح محامياً أو قاضياً أو وزيراً، ولبى رغبة والده والتحق بكلية الحقوق وأمضى فيها عامين وعلى مسرحها مارس هوايته المفضلة وقدم مسرحيات عالمية مع زملائه وتوطدت علاقته بمستشار الاذاعة المصرية محمد فتحي الذي اشتهر بلقب 'كروان الاذاعة' وأشاد به فتحي عندما شاهده في مسرحية قدمها زملاؤه على مسرح المدرسة الثانوية· وبعد عامين في كلية الحقوق·· ترك احمد توفيق الكلية ليلتحق بكلية الآداب بعد مشادة مع أحد الاساتذة الذي سرَّب امتحان مادته للطلاب مما اغضب احمد توفيق وتشاجر معه·
يقول الفنان الراحل: كنت أمارس حياتي بحرية، ورغم خوف والديّ عليَّ فإنهما كانا يتركاني أشبع هوايتي في التمثيل وأتردد على المسارح وعندما علم والدي باتجاهي للدراسة في كلية الآداب لم يعارضني خاصة عندما علم بالمشادة مع أحد الاساتذة ، وبعد انتهائي من الدراسة في الآداب·· تقدمت بأوراقي الى معهد الفنون المسرحية عقب العديد من الاعمال الفنية في الجامعة والتي أشرف عليها المخرج حسن عبدالسلام وفي المعهد·· اجتزت الاختبار بسهولة عندما قدمت مشهداً 'لريتشارد الثالث' ومشهداً آخر من مسرحية 'الأستاذ كلينوف' يوم الاختبار لم أشعر باللجنة التي انبهرت بأدائي لأنني تعايشت مع الشخصية ونسيت أنني في امتحان·
كفاح
وأشادت اللجنة بأداء أحمد توفيق الذي لم يصدق أنه يقف أمام اساتذة كبار مثل عبدالرحيم الزرقاني ونبيل الألفي وزكي طليمات وجورج أبيض ومن بين 1700 طالب·· نجح أحمد توفيق مع خمسة من زملائه· ولم يعتمد على والده في الانفاق عليه مثل زملائه، فما ان انتهى من دراسته الثانوية حتى عمل موظفاً في هيئة البريد وواصل دراسته بالجامعة، ولأن التمثيل كان يملأ كيانه وطد علاقته بالإذاعي محمد فتحي وكان يتردد عليه ويدعوه لمشاهدة مسرحياته واخذه فتحي الى المخرج ابراهيم عزالدين الذي قدمه في أول فيلم مصري عالمي عن الاسلام وبعدها اعتمدته الاذاعة المصرية ممثلا وهو في سن الثامنة عشرة· وفي اثناء دراسته في معهد الفنون المسرحية شاهده المخرج صلاح أبوسيف يقدم مشروع تخرجه عام 1959 وكان مسرحية 'ثمن الحرية' وجسد فيها أحمد توفيق شخصية قائد الاحتلال الذي كان يعذب الفدائيين ليدلوا باعترافاتهم عن قائدهم الذي ينظم تحركاتهم، وبعد المسرحية استدعاه صلاح أبوسيف ورشحه لتجسيد شخصية 'سالم الاخشيدي' في فيلم 'القاهرة '30 وفي اثناء التحضير للفيلم أسند اليه أبوسيف دوراً في فيلم 'لا وقت للحب' الذي قام ببطولته رشدي أباظة· ولأنه كان الأول على دفعته في معهد الفنون المسرحية رشحه الدكتور عبدالقادر حاتم وزير الاعلام المصري في ذلك الوقت ليتولى ادارة ستديوهات التليفزيون المصري واختار احمد توفيق أصدقاءه عزت العلايلي ورشوان توفيق وانور رستم كفريق عمل يعاونه·
وأول مسلسل أخرجه أحمد توفيق للتليفزيون كان 'رسالة من السماء' للكاتب السوري ظافر الصابوني وهو العمل الذي شارك فيه العديد من النجوم المصريين امثال أحمد مظهر وبرلنتي عبدالحميد وكريمة مختار وأمينة رزق وسناء جميل وحمدي غيث ومحمد السبع، وبعد هذا المسلسل توالت اعمال احمد توفيق السينمائية والتليفزيونية التي اخرجها وشارك في بعضها بالتمثيل· ومن أبرز اعماله السينمائية·· 'القاهرة '30 و'شيء من الخوف' و'ثرثرة فوق النيل' و'حافيه على جسر الذهب' و'على من نطلق الرصاص' و'الغرقانة' و'القبطان' ووصل رصيده السينمائى الى 32 فيلما، وأبرز المسلسلات التي أخرجها للتليفزيون·· 'الشاهد الوحيد' و'عم حمزة' و'لا يزال الحب مستمرا' و'محمد رسول الله' و'جاء الاسلام بالسلام' و'الثمن' و'الاسلام والانسان' و'عمر بن عبدالعزيز' و'هارون الرشيد' و'لن أعيش في جلباب أبي' و'الحسن البصري' ووصل رصيده التليفزيوني الى 53 عملا وآخر اعماله للتليفزيون 'قمر سبتمبر'· وآخر مسلسل شارك فيه بالتمثيل 'يا ورد مين يشتريك' الذي اخرجته زوجته رباب حسين· ولقيت كل اعمال احمد توفيق استحساناً من الجمهور باستثناء مسلسله 'رد قلبي' الذي هاجمه النقاد عندما عقدوا مقارنة بينه وبين الفيلم الذي يحمل نفس الاسم وقام ببطولته احمد مظهر ومريم فخر الدين· لكن احمد توفيق رد على النقاد بقوله: الدراما التليفزيونية تختلف عن السينما ورحب الرجل بكل الانتقادات مؤكدا أن النقد حليف الفن والمهم أن يكون موضوعيا ولا يخرج عن النص·
المثابر
تزوج الفنان الراحل من المخرجة رباب حسين وأنجب منها 'أحمد وهبة' اللذين لم يعملا بالفن، واكدت رباب حسين ان زوجها كان صبورا ومثابرا ولم يعبأ بالمرض الذي تمكن منه في الفترة الأخيرة·
واضافت: عرفته طيبا حنونا وعلاقتي به بدأت عندما عملت معه مساعد مخرج ولمست لديه صفات لم أجدها في غيره وعندما طلبني للزواج كان جاداً في طلبه وتزوجنا فكان الاستاذ الموجه لي والزوج الذي يحب بيته وابنيه وكان يشجعني على العمل ورغم مرضه في الفترة الاخيرة ورغبتي في الجلوس بجواره·· كان يطلب مني ان اذهب لعملي وكنت أجد فيه الناقد لأعمالي، حتى عندما عمل معي ممثلا في مسلسل 'يا ورد مين يشتريك' كان يتعامل معي مثل أي ممثل·· يطيعني ولا يمل توجيهاتي ولم يفرض عليّ رأيه، وعلمني كيف أقود فريق العمل في الاستديوهات وكيف أقرأ القرآن مرتلا لأن المصحف الشريف لم يفارقه طوال حياته·وقال الفنان رشوان توفيق: احمد توفيق لم يكن مجرد زميل أوصديق، لكنه كان أخا تجمعني معه جلسات الفن والدين وكان أقرب الى التصوف ويتعامل مع الفن على انه رسالة، وعرف بزهده فلم يتنافس على عمل ولم نعهد فيه كراهية لأحد وكان يستمع لمن حوله أكثر مما يتحدث وعندما كنت أزوره في أيامه الاخيرة كان يطلب مني أن أذهب لعملي وأتركه ليقرأ القرآن وافتقدت برحيله الاخ والصديق والانسان الذي يلازمني في أفراحي وأزماتي·
وقال الفنان عزت العلايلي: رحيل أحمد توفيق هز كياني فقد كان نعم الأخ والصديق وبدأنا سويا مشوار الفن ولم يسع يوما لنجومية وكان معطاء يفضل اصدقاءه على نفسه وبدأنا الفن معا في بداية البث التليفزيوني بمصرولم نفترق طوال النصف قرن الماضية، وترك احمد توفيق اعمالاً تشهد على براعته، واعتذر عن عدم المشاركة في أعمال صنعت نجومية الآخرين لأنه لم يجد فيها جديداً يقدمه أو رسالة يستفيد منها الناس·وأكد الفنان نور الشريف أنه تعامل مع أحمد توفيق كمخرج·· فكان الأكثر ثقافة ووعياً برسالة الفن، وتعامل معه كصديق·· فكان أوفى اصدقائه وكان حليما يعطي اصدقاءه ولا ينتظر المقابل وسخياً على الجميع، عندما تسأله في مسائل دينية تجد عنده الاجابة الكافية، وعندما تسأله في التاريخ يبادرك برد يشبع نهمك المعرفي·

اقرأ أيضا