الاتحاد

الملحق الثقافي

«بيتزا» وعمارات.. لكن الراتب أضمن

مطار دبي.. صورة لازدهار الاستثمار

مطار دبي.. صورة لازدهار الاستثمار

لم تكن أبوظبي في السبعينات مركز جذب للشباب الباحث عن وظيفة أو عمل فحسب، بل كانت كذلك تغري رجال الأعمال والباحثين عن فرصة استثمارية بفتح المشاريع الاستثمارية المختلفة. وتشجيعاً للمواطنين قامت القيادة الحكيمة بالسماح للمواطن بكفالة مختلف المشاريع والشركات والمحال التجارية. وكانت هذه الكفالات مصدر دخل للمواطن يتنامى ويكبر بتزايد عددها ومقدار الدخل الذي تستطيع أن تحققه. حتى نحن الموظفين الوافدين كانت تغرينا بعض الفرص الاستثمارية..

خليل عيلبوني

أذكر في ذات يوم من عام 1972 أن أحد أصدقائي، وهو الأخ علي الصفي، عرض عليّ أن أشاركه في شراء شاحنة قديمة وتشغيلها في نقل الرمل والحصا من أحد المواطنين، ولما كانت الشاحنة حقاً مقتصراً على المواطن وحده فإن عملية الشراء لم تكن أكثر من إعطاء المواطن صاحب الشاحنة مبلغاً من المال واستثمار الشاحنة فترة زمنية محددة تعود بعدها إليه.

كان كل ما استطعت توفيره في البنك من راتبي لا يزيد على خمسة وعشرين ألف درهم ولكن المبلغ في ذلك الوقت كان يشكل ثروة حقيقية بل كنت أطلق عليه اسم تحويشة العمر. وضع الأخ علي الصفي نفس المبلغ، وبدأ فعلاً يشرف على تشغيل تلك الشاحنة.. وبدأت أحلام اليقظة تراودني ليلاً ونهاراً.. فقد أصبحت من أصحاب المشاريع... ولكن هذا الشعور تبدد بعد أيام، عندما اكتشفنا أن الشاحنة تحتاج إلى عجلات جديدة.. ثم وجدنا أنه لا بد من إدخالها إلى الجراج وعمل عمرة للمحرك.. وهكذا بدأ الاستنزاف الذي جعلنا فجأة نتخذ قرار إيقاف الخسائر وإرجاع الشاحنة إلى المواطن الطيب الذي قام ببيعها على الفور لمواطن آخر.. وهكذا تبددت أحلامنا ومعها تبددت تحويشة العمر، مما جعلني أقرر عدم الدخول في المشاريع وأكتفي بالوظيفة وراتبها الذي لم يكن يبدو قليلاً في ذلك الزمن الجميل.. صديقي مفيد مرعي كان أكثر توفيقاً وقام بمشروع: فتح مطعم بيتزا ولكنه في النهاية اضطر للتخلي عنه لعدم توافقه مع اتجاهه الإعلامي. ولم ينجح فعلاً إلا عندما قام بإنشاء شركة إنتاج تلفزيوني، استطاع من خلالها تحقيق طموحاته الإعلامية والاستغناء عن راتب الوظيفة. ولم يكن مستغرباً أن نجد أن واحداً من العاملين معنا في الإذاعة، بدأ مشروع إنشاء شركة لبيع وإصلاح المكيفات ومن خلال كفالة أحد المواطنين له تمكن من الحصول على وكالة (O general) والتي لقيت شهرة فائقة في ذلك الزمن ورأيناه بعد ذلك يترك العمل في إعداد نشرة الأخبار في الإذاعة ويتحول إلى رجل أعمال يشار إليه بالبنان يعمل لديه أكثر من مائة موظف، ويتقاضى بعضهم أضعاف الراتب الذي كان يتقاضاه في الإذاعة ولا أعرف الآن بعد هذه السنوات الطويلة ماذا جرى له وإن كان اسمه مازال محفوراً في جدار الذاكرة (زهير شاهين).

الاقتصاد الحر

كانت الإمارات تمثل في ذلك الزمن الاقتصاد الحر بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.. أي إنسان يستطيع أن يبدأ أي عمل، بأي رأس مال ولا يهم مقدار الربح الذي يحققه، فليس هناك نظام ضرائب، الأرباح كلها معفاة من الضرائب.. كأننا في سوق حرّة.. وهذا ما جعل سوق الإمارات بالنسبة للسلع منافسة لأهم أسواق العالم بسبب غياب الضرائب والجمارك. ونتيجة لذلك بدأت في الإمارات سياحة جديدة سميت سياحة التسوق، فأية سلعة في المحال التجارية تباع وتشترى بأسعار لا تستطيع منافستها أية أسواق أخرى.. كان كثيرون يأتون لشراء ما يحتاجون من الإمارات ورغم أن المطارات التي كانوا يحطون فيها بعد العودة تقوم بجمركة ما اشتروه إلا أنه مع ذلك تظل السلع التي يشترونها أقل سعراً منها في بلادهم. كان بإمكانك أن تدخل إلى الإمارات وأن تخرج منها دون أن يسألك أحد عن مقدار ما لديك من دراهم أو دولارات أو أية عملة أخرى. وكانت هذه الحرية في الحركة غير مسبوقة فمعظم المطارات العربية كانت تقوم بالتدقيق على ما يدخل مع المسافر أو يخرج من أموال فهناك قوانين صارمة كانت في كثير من الأحيان مصدر أخبار مثيرة في الصحف عن مسافر وجد بحوزته مبلغ كبير من الدولارات. في مطارات الإمارات لم تكن العملات مادة ممنوعة أو تحتاج حتى إلى تصريح. من البداية كانت الصورة واضحة وهي أن دولة الإمارات العربية هي السوق الحرة في العالم. ولعل هذه الحقيقة هي التي تجلت بأجمل صورها في إمارة دبي، فإنتاجها من البترول محدود ولا يمكن أن يقوم عليه اقتصاد قوي، إلا أنها مع ذلك وبفضل قيادتها الرشيدة استطاعت أن تجعل من الإمارة سوقاً حرّة ومجالاً آمناً لجميع الشركات العالمية التي أقامت فيها مقراتها ومصانعها ومراكز نشاطها. أعود إلى أبوظبي وإلى اكتشاف بعض الاخوة من الوافدين العاملين في مختلف الدوائر والوزارات والشركات الخاصة فرص الاستثمار الرائعة. فكانوا يندفعون إلى تلك الفرص بكل ما لديهم من إمكانيات.. وجميعهم نجحوا.. أذكر أحد الأصدقاء ممن كانوا يعملون في دائرة البترول في وظيفة جيدة ويتقاضى راتباً ممتازاً، ومع ذلك قام ببناء بعض الفلل وتأجيرها لمدة تتراوح من خمس إلى سبع سنوات بعدها يتخلى عن الفلل للمواطن مالك الأرض.. بحيث إن قيمة الأجرة لتلك المدة تغطي مصاريف البناء وتحقق ربحاً يعادل تلك التكلفة أو يفوقها.. وبتلك الاستثمارات في البناء، كانت تحل أزمة السكن وتتسع المساحات المبنية، ويستفيد المواطن والوافد من ذلك الاستثمار المشترك. بالطبع كانت تحدث مشاكل أحياناً تعود إلى عدم التفاهم بين المواطن والمستثمر ولكن انتهت تلك المشاكل فيما بعد، عندما قامت لجنة خليفة بهذه المهمة الكبيرة وموّلت مشاريع البناء لدى المواطنين بحيث تنفذ مشاريع عمرانية مخطط لها بعناية وبها نهضت أبوظبي الحديثة وتمكن المواطن من الاستفادة إلى أقصى حد ممكن من قطعة الأرض التي منحتها الدولة له وأصبح بعدها مالكاً لعمارة ضخمة تدر عليه أرباحاً طائلة. لا أدري لماذا لم أتجه إلى الاستثمار في ذلك الزمن.. كانت التجربة الفاشلة التي خضتها في البداية كافية لتبعدني عن أي إغراء بالدخول في تجربة استثمارية أخرى. بقيت موظفاً في وزارة الإعلام حتى عام 1975 ثم انتقلت موظفاً إلى وزارة البترول والثروة المعدنية حتى عام 1991، ثم مديراً لمكتب معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة المستشار الخاص لصاحب السمو رئيس الدولة حتى الآن. ولا أعتقد أنني شعرت بالندم على عدم خوضي تجارب الاستثمار في ذلك الزمن الجميل، فرغم قصص النجاح التي حققها كثير من أصدقائي إلا أن قصة فشل واحدة خضتها في البداية كانت كافية لتجعلني أنام قريراً هانئاً مطمئناً إلى أن لي راتباً أتقاضاه كل آخر شهر دون قلق من انخفاض سعر البترول أو انتشار موجات من الركود الاقتصادي.

اقرأ أيضا