صحيفة الاتحاد

ألوان

«زايد التراثي».. جسر تواصل بين الأجيال

«زايد التراثي» ملتقى الأجيال (تصوير عبدالعظيم شوكت)

«زايد التراثي» ملتقى الأجيال (تصوير عبدالعظيم شوكت)

أحمد السعداوي (أبوظبي)

لا يزال مهرجان الشيخ زايد التراثي المقام بمنطقة الوثبة بأبوظبي، يقدم فعالياته المدهشة التي تحمل رسائل عديدة للأجيال الجديدة لتكريس أهمية التراث في نفوسهم، وإحياء مظاهر الحياة القديمة التي عاشها الآباء والأجداد، والتي تنوعت بين حرف تقليدية وأهازيج شعبية وملابس فلكلورية، وكذا ألعاب شعبية وغيرها من الفعاليات التراثية التي تسابق أشبال وزهرات الإمارات في التعرف عليها، ومتابعتها بمعية الأهالي الذين توافدوا بأعداد كبيرة على الحدث التراثي الضخم، المستمرة فعالياته حتى السابع والعشرين من يناير الجاري، مؤكداّ رسالة زايد التراثي بوصفه جسراً بين الأجيال تنتقل من خلاله عادات وتقاليد وأساليب حياة الأقدمين إلى الصغار في إطار من الجاذبية والدهشة لا تخطئها عين المتجول في ساحاته وأرجائه، وذلك عبر عديد من الفعاليات، ومنها فريق «أميرات التراث» الذي ظهر في المهرجان للمرة الأولى هذا العام، إلى جانب الورش المفتوحة التي أعطت دروساً عملية في كيفية حفظ تراث الأقدمين.

دروس عملية
انتشر الصغار في ساحات المهرجان ليتلقوا دروساً عملية في التراث، من خلال ورش العمل المفتوحة والمتنوعة، ومنها تدريب الصقور على الصيد وممارسة الصناعات التقليدية الإماراتية مثل عمل الشباك وصناعة القوارب، حيث يقول الوالد عبيد الحمادي، إن الحرف البحرية كانت ولا زالت تمثل أهمية كبيرة لدى أهل الإمارات، ففي «زمن الأولين» كانت صناعة الشباك بأنواعها والقوارب توفر للكثيرين مصادر دخل وتعينهم على الحياة، ولذلك كان أهالي المناطق الساحلية يتقنون هذه الحرف ويعلمونها لأبنائهم وأقاربهم، وفي العصر الحالي، صار التمسك بهذه الصناعات يعني لنا التمسك بهويتنا وتاريخنا الذي نعتز به.
وأكد سالم علي، الذي اصطحب أفراد أسرته في جولة بين ساحات المهرجان، أنه ضيف دائم على المهرجان بشكل سنوي، ويشجع أبناءه على زيارته ليتعرفوا إلى تاريخهم ويشاهدوا نماذج من تراث الآباء والأجداد ويتعلمون مبادئ بعض الحرف التراثية، سواء كانت متعلقة بحياة أهل البيئة البحرية من صناعات المحامل الشراعية بمختلف أنواعها والشباك والسفن، أو حتى ملامح الحياة البدوية مثل الصيد بالصقور وتدريبها وكيفية التعامل معها وإدراك أهمية هذا النوع من الطيور بالنسبة لتراث أهل الإمارات باعتباره من أبرز ملامح تراثهم.

حياة الأجداد
أما هيثم البلوشي (مواطن)، فأكد من ناحيته أن اهتمام إدارة المهرجان بتوفير ورش مفتوحة أمام الجمهور لتعلم وممارسة حرف الأقدمين، وكذا ألعابهم ووسائل التسلية وقضاء الأوقات الخاصة بهم كان له الدور الكبير في تشجيع أولياء الأمور على اصطحاب أبنائهم لزيارة هذا الحدث التراثي بمنطقة الوثبة، والذي تزامنت إقامته مع العطلات المدرسية، ما أتاح الفرصة لقضاء أوقات ممتعة ومفيدة بين ورش العمل التي اشتملت تعريف الصغار بحياة الأجداد وكيف كانوا يتعاملون ببراعة مع المكونات البيئية المتوافرة حولهم، سواء كانت النخيل ومنتجاته أو البحر بخيراته من ناحية صيد الأسماك أو التجارة أو استخراج اللؤلؤ، كما أن الحرف النسائية العديدة تعكس الدور الكبير الذي قامت به المرأة قديماً في المجتمع الإماراتي عبر العصور، وأنها شريكة للرجل في مسيرة البناء والتقدم منذ مئات السنين.
مسابقات ترفيهيةالشقيقان حمد الكعبي (16 سنة) وسعيد الكعبي (13 سنة)، اللذان كانا في جولة داخل جناح دائرة الثقافة والسياحة بالمهرجان، أوضحا أنهما زارا المهرجان بصحبة الأهل، واستمتعا بفعاليات كثيرة تناسب جميع الفئات العمرية، وهو ما وجداه بالفعل من خلال وجود مسابقات ترفيهية عديدة قدمتها الأجنحة المشاركة، إضافة إلى التركيز بشكل كبير على الجانب التراثي، حيث استمتعا بركوب الهجن والخيل، والتعرف إلى كيفية ركوبها والتحكم فيها، وقيمة كل من الهجن والخيل بالنسبة للإنسان الإماراتي، وأنهما كانا من أهم الوسائل التي اعتمد عليها وسهلت له التنقل والترحال من مكان إلى آخر.

مشاهد تمثيلية
من ناحيته، قال الخبير التراثي، على الشحي، المسؤول في قرية الأطفال بالمهرجان، إن القرية التي تضم مسرحاً شعبياً وألعاباً تقليدية إماراتية، تميزت هذا العام بوجود أكاديمية تراثية مصغرة للمرة الأولى ضمن فعاليات المهرجان، تحتوي على استعراضات تراثية يقدمها الأبناء والبنات في أعمار صغيرة، حيث تم تدريب الفتيات المشاركات من الزوار على هذه الاستعراضات ومنحهن الفرصة للاندماج مع فريق «أميرات التراث»، الذي يبلغ عدد عضواته 15 فتاة، ويقدمن عروضاً يومية على مدى أيام المهرجان.
ويلفت الشحي إلى أنه تم استحداث وسائل جديدة لتعليم التراث للأجيال الجديدة، عبر فقرات ومشاهد تمثيلية لتلقين الأطفال أسماء الملابس القديمة والأكسسوارات الإماراتية التقليدية، كما صنعنا مجسمات حديثة لسرير الطفل القديم، مزود بنظام صوتي، في حالة تحريك الصغار للطفل أو السرير يصدر صوتاً لهدهدة المولود حتى ينام، كما تم تعليم الفتيات عادات «التقميط» وهي إحدى وسائل العناية التقليدية بالأطفال اللاتي استخدمنها الوالدات والجدات في الزمن القديم، وتعني لفه بقطعة من القماش بما يساعد على تهدئته ونومه بعمق. وفيما يخص الأولاد فقد قمنا بتحويل لعبة الميزان التقليدية إلى مجسم للجمل، ليتم وضع أدوات الجمل عليها، بحيث يتعرف الصغار بشكل سهل على بعض المعلومات عن الهجن وعتادها.

اكتشاف المهارات
ويؤكد الشحي، أن قرية الأطفال هذا العام، تستهدف المساهمة في نقل تراث الأجداد إلى الأحفاد عبر جسر من المتعة والتعلم، وتفعيل برنامج استكشاف المهارات التراثية لدى المشاركين، فوجدنا معلقين للهجن من بين الأطفال لديهم موهبة كبيرة في هذا المجال تحتاج من يدعمها ويرعاها لصقل هذه المواهب، وبالنسبة للبنات اكتشفنا موهوبات في عرض الأزياء التراثية، واللاتي يحتجن أيضاً للدعم والاهتمام.
وفيما يخص فريق «أميرات التراث»، لفت الشحي إلى أن عضواته خضعن لتدريب استمر 45 يوماً قبل بداية المهرجان، لتقديم هذه العروض التراثية، كما تم إدخال أهازيج جديدة تدربت الفتيات عليها ونجحن في تقديمها ببراعة، مبيناً أنه تم تقسيم الملتحقين بهذه التدريبات إلى فئتين، الأولى من 4 إلى 9 سنوات، والثانية من 9 إلى 12 سنة.

مرح الألعاب الشعبية
من قرية الأطفال، التي تزينت بألعاب شعبية متنوعة أداها الأطفال وسط أجواء احتفالية بديعة، قال عابد الشامسي: إنه يزور المهرجان بصحبة أبنائه الأربعة، ليتعرفوا بشكل مباشر على أشكال الحياة القديمة لأهلنا في الإمارات، خاصة في الفترة التي سبقت ظهور النفط، حيث كانت الحياة بسيطة ومع ذلك أبدع الآباء والأجداد في إيجاد طرائق مختلفة لتمضية كل شؤون حياتهم، بما فيها التسلية والمرح، اعتماداً على هذه الأساليب البسيطة، فكانت ألعاب «المريحانة»، «خوصة بوصة»، ولعبة «شبير شبير»، والأخيرة كانت أكثر من يمارسها الفتيات الصغيرات.
وأشاد الشامسي بفكرة إحياء الألعاب الشعبية القديمة وعمل نماذج لها ضمن المهرجان، والتي أتاحت للجميع ممارسة هذه الألعاب في أجواء ممتعة، زادت من إقبال الأطفال والتعلق بفعالياته، وبالتالي تحقيق التواصل بين الأجيال، وهو الشيء الذي نعتبره على رأس أولويات أي فعالية تراثية.

أسرار البحر
يقول الطفل عبد الله سالم (10 سنوات): «إنه سعيد بهذه الزيارة إلى المهرجان»، موضحاً أنه يكررها مع أشقائه لأكثر من مرة في كل عام، ليستمتع بأجوائه المميزة، وليمارس بعض الألعاب الشعبية المتوافرة في قرية الأطفال بالمهرجان، خاصة لعبة «الميزان»، كما أنه عرف عن أسرار البحر واللؤلؤ وكيفية استخراجه من البحر ومقدار الجهد المبذول في هذه العملية، وصولاً إلى عملية فلق المحار والأدوات المستخدمة في ذلك.

حرف تقليدية تراثية تزين الجناح المغربي
أبوظبي (الاتحاد)

تشارك المملكة المغربية في المهرجان، للعام الثالث على التوالي بجناح يضم أكثر من 21 حرفياً وحرفية، ضمن 21 رواقاً، تعرض منتجات الكثير من الحرف التراثية التقليدية، ويتجول الزوار بين أروقة الجناح على نغمات فرقة الطرب الأندلسي وفرقة قناوى، اللتين تقدمان عروضهما المتميزة على المسرح المشيد وسط ساحة الجناح. ويقدم الرواق الأول للزوار مجموعة متميزة من سروج الخيل وزينتها وكل ما يخص الخيل من أكسسوارات مصنوعة من الجلود الطبيعية، يجاوره رواق يعرض منسوجات ومنتجات الجلود الطبيعية.
ويتميز الجناح المغربي برواق يعرض تحفاً رائعة من الخزف المغربي الذي تتميز به منطقة فاس بأحجام وأشكال متنوعة الزخارف والألوان، يجاوره رواق يعرض السجاد اليدوي المغربي، وجناح يعرض المصابيح النحاسية المضيئة ذات التصاميم الإسلامية، والتي تستخدم في مداخل الفيلات والقصور والفنادق. وتلقى الخيمة الصحراوية المشيدة وسط أركان الجناح بطريقة لافتة إقبالاً كبيراً من الزوار، حيث تعرض طريقة تحضير «الشاي المغربي» على يد مختص يرتدي الزي التقليدي، بينما يعمل زميله بالخيمة على تصنيع هودج الجمل. كما يتميز الجناح المغربي بركن يعرض زيت الأرجان المغربي المعروف باستخدامات عدة في الأكل والمساج والشعر، وغيرها، يجاوره جناح الحفر على الفضيات والنحاس، وجناح للمنتجات الجلدية من حقائب نسائية وأحزمة وغيرها.ويضم الجناح قسماً خاصاً بالأكلات المغربية الشهيرة، التي تتميز بخلطات الأعشاب المغربية الجبلية وزيت الزيتون المغربي، بالإضافة إلى ركن للحلوى التقليدية.