الاتحاد

تقارير

رسالة أوباما لأفريقيا

الزيارة القصيرة التي قام بها أوباما وأسرته إلى جمهورية غانا ومشاهدته وتجوله في قلعة الساحل، التي كان يُجمع ويُحبس فيها «العبيد» سيئي الحظ قبل ترحيلهم إلى العالم الجديد، وأحاديثه وتعليقاته التي عبرت عن مشاعره الإنسانية العالية الحساسية، وهو يستعرض ذلك التاريخ المأساوي الذي تمثله «القلعة» يمكن أن توصف بأنها حملت رمزية عالية، أراد بها أن يعلن أن أفريقيا وعلاقات الولايات المتحدة بها في عهده، ستبقى إحدى أهم أولوياته السياسية.

لم يكن أوباما أول الرؤساء الأميركيين الذين قاموا بزيارة «القارة السمراء»، لقد سبقه إلى ذلك رؤساء أميركيون «جمهوريون» و«ديمقراطيون»، ولم تكن القارة الأفريقية و«الاهتمام» الأميركي بها قاصرا عليها. فالولايات المتحدة قد بدأ «اهتمامها» مع رحيل القوى الاستعمارية القديمة من أفريقيا مع مطلع النصف الأول من القرن العشرين، فالولايات المتحدة كانت مهووسة في الزمان، زمن الحرب الباردة، وزمن حركات التحرير الوطني الأفريقية، بـ«الفراغ» الذي خلقه رحيل القوى الاستعمارية الأوروبية من أفريقيا. ومن هنا استقر في ذهن صناع السياسة الأميركية أن على بلادهم أن تملأ هذا الفراغ، وأن تكيف سياستها الأفريقية إزاء هذا الوضع الجديد الذي برزت فيه عشرات الدول الأفريقية المستقلة. وهكذا أصبحت في وقت ما الولايات وذراعها الطويلة الـ(سي. أي. أيه) «الاستخبارات المركزية» أنشط اللاعبين في الساحة الأفريقية، وكم من انقلاب دبرته الاستخبارات ضد حكومات وطنية لتنصب محلها حكومات عسكرية موالية لها وأداة لسياستها... وكم من مشاريع أحلاف وقواعد سعت الإدارات الأميركية المتعاقبة لإقامتها في القارة من مشروع الحزام الأفريقي في الشرق إلى الانقلاب العسكري على الزعيم الأفريقي المناضل نكروما، الذي لابد أن صورته قد طافت على ذهن الرئيس الأميركي وهو يقوم بزيارة غانا. ولقد كان التصور الأميركي للفراغ الأفريقي منذ أيام وزير الخارجية الأميركية «دالاس» أن الساحة الأفريقية ستكون أرض الصراع الأميركي- السوفييتي، ذلك قبل أن تبدأ الصين الشعبية زحفها المقدس في القارة العذراء! لكن كل ذلك -كما قال أوباما- أصبح في ذمة التاريخ، وأفريقيا التي نتحدث عنها هنا لم تعد هي أفريقيا منتصف القرن العشرين، إن ظلت مشاكل أفريقيا وقضاياها القديمة من فقر وجوع وأمراض وتخلف في البنى الأساسية، وأضاف عليها الزمن القاسي فساد الحكومات الأفريقية، وكثير من السياسيين والزعماء الأفارقة الذين حلوا محل الاستعماريين القدماء وكانوا في معظم الأحوال أشد وطأة على شعوبهم وأقسى عليهم. ولعل صلب وقلب الرسالة التي أراد أوباما إيصالها للشعوب الأفريقية، هي أنها وحدها القادرة على تغيير أحوالها السيئة، وهي وحدها القادرة على استعادة حرياتها وإقامة الحكم السوي القائم على العدول والقادرة بالعمل الجاد على بناء بلادها لتلحق بعالم القرن الحادي والعشرين، مع وعده -وأظنه صادق فيه- أن أميركا لم ولن تعود لتفرض إرادتها على الشعوب، وأنها مستعدة أيضاً لشراكة إنسانية عادلة معهم ومساعدتهم في نضالهم المستمر ضد أعدائهم الدائمين الفقر، المرض، الجهل والفساد، الذي تتغذى عليه هذه الأمراض التي حولت أفريقيا الغنية والثرية بثرواتها وأراضيها البكر إلى أفقر القارات. ولقد قيل في وصف الزيارة القصيرة للرئيس أوباما، إنها لم تحيِ فقط الأمل في شعب غانا وإنما في كل الشعوب الأفريقية.


عبدالله عبيد حسن

اقرأ أيضا