الاتحاد

تقارير

إيران المعاصرة: أنماط التغير والتكرار

الثورة حقنت الشارع الإيراني بجرعة زائدة من «المحافظة»

الثورة حقنت الشارع الإيراني بجرعة زائدة من «المحافظة»

لا شك أن الاضطرابات التي تلت الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية في إيران تستقطب الاهتمام العالمي، الرسمي والإعلامي، ليس فقط بسبب الأهمية الجيوستراتيجية لإيران في منطقة تعد الأكثر أهمية واستعداداً للالتهاب، لكن كذلك بسبب استمرار طهران في مشروعها النووي على نحو يوحي بالتحدي لإرادة الغرب بقيادة واشنطن، وبالرعب لإسرائيل التي تستشف بعداً عسكرياً من وراء المشروع النووي الإيراني المتواصل.

لكن إضافة إلى تلك الاعتبارات جميعاً، لم تبدُ على الأوضاع الداخلية أية إشارات تنذر بعدم الاستقرار وبالفوضى اللامحدودة منذ استتباب الوضع العام هناك بأيد ثيوقراطية راسخة ومتنفذة. إلاّ أن المهم في سياق ما جرى من اضطراب وغليان في شوارع طهران خلال الأيام الأخيرة، لا يمكن تسويقه على أنه «ثورة ثانية»، كما تحاول بعض وسائل الإعلام تصوير الأمر على نحو يخدم أهدافاً سياسية، باعتبار «إيران العصية على شروط الإذعان». أما الحديث عن ثورة جديدة، تذكيراً بالثورة الإسلامية بقيادة الخميني، فهو ضرب من ضروب الآمال المتمادية بالتفاؤل والتي قد تقود الغرب إلى مفاجآت جديدة ومزعجة، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الإيرانية النووية. وبالمناسبة فإن كلمة ثورة يمكن أن تعني «دورة» (بالنسبة للعجلة في الفيزياء الآلية)، لذا فافتراض وجود ثورة إنما هو افتراض مبني على حدوث دورة، بحسب المنظور التاريخي الواسع: بعد ثلاثين سنة من تفجر الثورة الإسلامية. وهنا تكتمل فكرة الدورة الزمنية حيث تبرز الحاجة للتغيير أو للانقلاب على الثابت الهامد. إن هذا النوع من التفكير هو في جوهره نمط من التمني المضاد للمشروع النووي الإيراني، إذ يراهن على حدوث تغيير جذري داخل إيران، وهو تغيير سيكفي الآخرين شر القتال والاحتكاك! إن هذا التفكير يؤسس نفسه وآلياته على ما شاع في الصحافة العالمية والعربية حول الشأن الإيراني، عن وجود تنافر مطلق بين الإصلاحيين والمحافظين. هذا التنافر المفترض صحيح ومقبول؛ لكن إلى حدود، إذ يمكن للمرء أن يختزل الصراع داخل إيران اليوم بوصفه صراعاً بين فئتين: فئة الشبيبة المتطلعة للمستقبل وللتحرر على أنواعه، وهي فئة ذات طاقات هائلة، وبين فئة «العلماء»، باستخدام المصطلح الإنكليزي، حيث انقلبت الموازين والقيم بين عام 1979 والعام الجاري. في عام 1979 كان ثمة تحالف بين الشبيبة والعلماء، وكان ذاك تحالفاً قوياً بسبب احتماله لحيوية وعنفوان الشباب، في توازن مع منطق ورشد العلماء. لاحظوا أن العلماء في سنة 1979 كانوا يمثلون قوة تقدم بوصفهم الرأس الصاعد لفكرة التغيير من خلال إنهاء إمبراطورية أسرة «آريامهر» ممثلة بتاج رضا بهلوي. كانت جذور الثورة الإسلامية آنذاك فكرة التصدي لارتماء نظام الشاه ودولته في أحضان العالم الغربي تحت شعار وفلسفة التغريب Westernization، على نحو يذكرنا بسياسة كمال أتاتورك الذي وضع تركيا على أعتاب التغريب ومن ثم الاغتراب، باعتبار أن التغريب إنما هو مرادف للتحديث! كان العلماء في إيران يمثلون قوة ثورية أو قائدة للثورة، وكان الشباب يمثلون مادة الثورة الأساس ووقودها الذي قدم نفسه ضحية لسطوة نظام بوليسي كان يعد نفسه «شرطي الخليج»، باعتبار امتلاكه «رابع» أقوى جيش في العالم. كانت الثورة في عام 79 مبنية على فكرة مقاومة تغريب إيران الإسلامية، لذا فإنها وجدت نفسها في أحضان العلماء، منذئذ وحتى اليوم. ما يجري من اضطرابات الآن يقدم نوعاً من أنماط التكرار التاريخي، إذ يقدم الشباب (بمشاركة نسوية واضحة المعالم) مادةً ووقوداً لنوع جديد من التغيير الذي يرنو إلى الانفتاح على العالم الخارجي، الغربي خاصة، عبر التفاعل والتناقل والتلاقح، الأمر الذي تحاول الإدارات الغربية تشجيعه وتغذيته إعلامياً واعتبارياً من خلال التركيز على الأدوات التي وفرها الغرب للشبيبة الإيرانية من أجل اختراق النظام الثيوقراطي وأدواته البوليسية (الإنترنت والهواتف النقالة والرسائل القصيرة...). العالم الغربي ومعه إسرائيل، يريدان تعميق الشرخ أو الطلاق بين الشباب والعلماء، أي بين تيار «الإصلاح» وتيار «المحافظة»، على عكس ما جرى عام 79 حيث كان التحالف بين الشبيبة والعلماء هو محور الثورة الإسلامية وورقتها الرابحة: وهي الثورة المضادة للتغريب. اليوم يحدث شيء معاكس، إذ يبدو أن الثورة الإسلامية حقنت الشعب الإيراني بجرعة زائدة من «المحافظة» (لمقاومة التغريب)، إلى درجة انقلب معها الدواء إلى داء، حيث راح الشباب يطالبون بالتغريب والتحديث ومد الجسور الثقافية والاقتصادية مع العالم الخارجي بطريقة أو أخرى. لذا فإن ما جرى في شوارع طهران خلال الأيام القليلة الماضية إنما يمثل ردة فعل لجرعة المحافظة التي قدمتها الثورة الإسلامية بطريقة بدت وكأنها قطعت الجمهورية الإسلامية عن محيطها الكوني وكذلك عن محيطها الإقليمي. الشعب الإيراني هو واحد من الشعوب الحيوية والقادرة على الإبداع، باعتبار تراثه العريق وحضارته القديمة، لذا فهو شعب قادر على اختيار الطريق الصحيح الذي يقوده لأن يكون عنصراً فعالا وبنّاءً في منطقة الشرق الأوسط التي هي الآن بأمس الحاجة للاستقرار وللعلاقات الندّية والسلمية الواعدة، حيث إمكانية إحالتها من منطقة قابلة للالتهاب إلى منطقة ترفل بالسلام والتعاون والأمن والاستقرار.

د. محمد الدعمي
أستاذ في جامعة أريزونا
ينشر بترتيب خاص مع مشروع «منبر الحرية»

اقرأ أيضا