الاتحاد

تقارير

الحرب الأفغانية وبوادر القلق البريطاني

تتزايد الضغوط الصحفية والسياسية على حكومة جوردون براون بهدف حملها على تبرير استمرار مشاركة بريطانيا في الحرب الدائرة على أفغانستان، خاصة بعد هجمات حركة «طالبان» الأخيرة التي فاق بسببها عدد قتلى الجنود البريطانيين في أفغانستان، عددهم في العراق.

وسائل الإعلام البريطانية قد انشغلت بتغطية أخبار مقتل 8 جنود بريطانيين في يوم واحد فحسب في أفغانستان، وخاصة نشر أسماء الجنود القتلى ومعلومات تفصيلية عنهم، بمن فيهم ثلاثة لا تتجاوز أعمارهم الـ18 عاماً. وبهذا العدد بلغ إجمالي قتلى الجنود البريطانيين في أفغانستان 184 جندياً. وقد جاءت هذه الزيادة الملحوظة في عدد القتلى البريطانيين في أعقاب شن هجمات قوية جديدة على معاقل حركة «طالبان» بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، قبل شهر واحد من الانتخابات الأفغانية المرتقبة الشهر المقبل. وتعتبر بريطانيا ثاني أكبر قوة عسكرية أجنبية مرابطة في «طالبان» بعد الولايات المتحدة الأميركية مباشرة، حيث يبلغ عدد جنودها 9 آلاف. كما يكتسب الدعم العسكري الذي تقدمه بريطانيا أهمية خاصة في الجهود التي يبذلها حلف «الناتو» في سبيل تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي المنشود هناك، فضلا عن أهميته في إقناع بقية الدول الأخرى الأعضاء في حلف «الناتو» بمواصلة المهمة التي بدأتها منذ عام 2001. هذا وقد أظهرت نتائج استطلاع للرأي العام البريطاني أجري مؤخراً، استمرار دعم وثبات البريطانيين للحرب الدائرة في أفغانستان، بل تشير النتائج نفسها إلى تزايد قوة دعم البريطانيين لذلك الوجود العسكري اليوم أكثر مما كان عليه قبل ثلاث سنوات. غير أن ذلك لا يقلل من انشغال الحوار العام الدائر في بريطانيا حالياً بالأسئلة المتعلقة بالمدى الزمني المحتمل لاستمرار الحرب، إلى جانب تزايد قلق البريطانيين على نقص العتاد الحربي للجنود المرابطين في أفغانستان. يقول البروفيسور «أناتول ليفن» الأستاذ بشعبة الدراسات الحربية في «الكلية الملكية»بلندن: لا تتعلق المسألة بتزايد عدد القتلى فحسب -وهو بحد ذاته أمر مؤسف ومقلق بالنسبة لأمة صغيرة مثلنا- إنما بشعور عدد متزايد من البريطانيين بعدم وجود أهداف سياسية واضحة لاستمرار وجودنا العسكري في أفغانستان. فنحن لم نعد ندرك الأهداف السياسية التي نسعى لتحقيقها هناك. وهل علينا أن نستمر في القتال لعشر سنوات أم 50 عاماً أم 100 عام أخرى؟ ثم هل تكون في أفغانستان لحظة ما للانسحاب شبيهة بتلك اللحظة التي حدثت في العراق؟ وحتى في هذه الحالة الأخيرة، علينا ألا ننسى أن كل ما تحقق للأميركيين هو توفر ظروف سمحت لهم بالانسحاب فحسب، دون أن تتحقق الأهداف التي شن من أجلها الغزو في عام 2003. وبينما تتأهب القوات البريطانية لإقامة مراسم التأبين الخاصة للجنود القتلى في قاعدة Camp Bastion، وهي القاعدة البريطانية الرئيسية في أفغانستان، يلاحظ تحرك مسؤولي حكومة براون لطمأنة الجمهور على النجاح الذي تحققه العمليات الجارية حالياً في محافظة هلمند بجنوبي أفغانستان. بل أشار رئيس الوزراء جوردون براون خلال الخطاب الذي بثه يوم الأحد الماضي عبر «خدمات إذاعة الجنود البريطانيين»، إلى المصاعب التي تنتظر قواته في أفغانستان خلال الأسابيع القليلة المقبلة. جاء ذلك في قوله: «أعلم أن هذا الصيف كان صعباً عليكم حتى هذه اللحظة، وسوف يستمر كذلك طوال هذا الموسم». غير أن من رأي البروفيسور «ليفن» إنه لم يتم التعبير علناً عن شكوك عميقة في أوساط الساسة والعسكريين في المصير المتوقع للحرب الدائرة في أفغانستان. ثم يستطرد متسائلا: فمن أجل أي هدف يموت جنودنا؟ هل يحدث ذلك من أجل خمس سنوات أخرى لحكومة أفغانية، يتحدث الدبلوماسيون الغربيون سراً عن أنها حكومة مفلسة؟ وعلى أية حال، فلا يزال في وسع «براون» وحكومته الاعتماد لبعض الوقت على الدعم الشعبي الذي أظهرته آخر نتائج استطلاع للرأي العام، أجري برعاية هيئة الإذاعة البريطانية وصحيفة «الجارديان» معاً. وكانت النتائج التي نشرت يوم الاثنين الماضي قد أشارت إلى أن دعم البريطانيين للجهود الحربية المبذولة في أفغانستان لا يزال قوياً. يذكر أن الاستطلاع كان قد أجري يومي الجمعة والسبت الماضيين عقب مصرع الجنود الثمانية، وشمل ألفاً من الذين استطلعت آراؤهم. أما نتائجه فتعادلت تقريباً بين نسبة 47 في المئة من المعارضين للعمليات البريطانية الجارية في أفغانستان، مقابل نسبة 46 في المئة من المؤيدين لها. وتعد نسبة التأييد في هذا الاستطلاع أكبر مما كانت عليه في عام 2006، حيث لم تزد على 31 في المئة فحسب، مقابل نسبة 53 في المئة للمعارضين للحرب. يذكر أنه ليس هناك حزب بريطاني واحد من بين الأحزاب الرئيسية بدأ بالدعوة لانسحاب قواتنا من أفغانستان. غير أن حزب «المحافظين» المعارض صعّد حملة انتقاداته لما يزعم أنه نقص في المعدات الحربية المتوفرة لجنودنا هناك. ويتهم قادة الحزب وزراء حكومة براون بالتقصير في أداء واجباتهم لإرسالهم للجنود والزج بهم في معارك لم تتوفر لهم الموارد العسكرية الكافية لها. وقال «ليام فوكس» الناطق باسم لجنة الدفاع التابعة لحزب المحافظين إنه طلب من البرلمان الانعقاد يوم الاثنين الماضي للرد على تساؤلات أثارها بشأن ما وصفه بأنه «نقص فاضح لعدد الطائرات العمودية التابعة للقوات في هلمند». ويزعم «فوكس» أن ذلك النقص جعل الجنود البريطانيين أكثر عرضة لقنابل ومتفجرات الطرق التي يزرعها المتمردون هناك. غير أن «ديفيد ميليباند» وزير الخارجية نفى يوم الاثنين نفسه المزاعم القائلة بنقص عدد الجنود، إلى جانب التأكيد على أن نقص الطائرات العمودية وحده ليس تبريراً كافياً لتزايد عدد القتلى من البريطانيين في المحافظة. وسعى ميليباند كذلك إلى استقطاب دعم شعبي أكبر للجهود الحربية المبذولة في أفغانستان، وذلك من خلال محاولته الربط بين الأمن الخارجي والداخلي، بقوله إن استتباب الأمن في أفغانستان جزء لا يتجزأ من استتباب الأمن الداخلي في بريطانيا.


بن كوين- لندن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا