الاتحاد

الملحق الثقافي

الترجمة الفلسفية عملية لامتناهية

هل يحق لنا أن ننظر إلى ترجمة النصوص الفلسفية على أنها مجرد عملية تمهيدية، وأنها نوع من التهيئة للنصوص الكبرى كي تغدو متيسرة للقارئ العربي الذي ينوي الاشتغال بالفلسفة، والذي يعتزم إعمال الفكر في تراثها؟
إن أجبنا إيجاباً سنكون قد طرحنا مسألة الترجمة بمعزل عن المخاض الفكري، وفهمناها على أنها، مثل التحقيق، سعي لتوفير النص لمن يعتزم إعمال الفكر فيه، ومحاولةٌ لتوفير أمهات النصوص ووضعها «بين يدي» القارئ. حينئذٍ ستكون الترجمة لحظة سابقة ممهدة لكل تفلسف. وما تهدف إليه لا يعدو توفير النصّ حتى وإن تطلب الأمر أن يقبع في قاعة انتظار إلى أن يحين وقت استخدامه، والاشتغال به وعليه، والتفكير معه وضده.
على هذا النحو يُنظر إلى وظيفة «المنظمات» التي تسهر على نقل أمّهات النصوص، وتوفيرها للباحثين، على أنها تنحصر في الإعداد للتفكير في النصوص وبها، وأنها مجرد «إعادة نشر» للنصوص المتوفرة، لكن بلغة الضاد هذه المرة. وغير خافٍ أن كثيراً من المنشورات الفلسفية لتلك المنظمات يظل قابعاً في غرف الانتظار، فلا يقتحم قاعات الدرس ومدرجات الجامعات إلا في القليل النادر، هذا حتى وإن كانت منظمات الترجمة تحرص الحرص الشديد على النقل من اللغة/‏‏‏‏ الأم، وإسناد الترجمات لأهلها.
لكن، ماذا لو كان نصف عملية التفلسف والتنقيب عن المعنى ومحاولة حصره يكمن في فعل الترجمة ذاته؟ ذلك أن الترجمة هي أساساً إعمال فكر، وإعمال الفكر ليس ولا يمكن أن يكون عمل مؤسسات. فإذا كانت الفلسفة حواراً، فهي بالأولى حوار بين نصوص وبين لغات. بهذا المعنى لا يمكن الفصل بين لحظتين: لحظة إعداد النص وترجمته و«توفيره»، ثم لحظة استخدامه وإعمال الفكر فيه. إذا كان معظم الفلاسفة المعاصرين مترجمين، فليس ذلك سعياً منهم إلى توفير نصوص، وإنما هو وعي منهم أن ترجمة النصوص الفلسفية وإعادة ترجمتها من صميم الممارسة الفلسفية، وأن فعل الترجمة جزء من عملية التفلسف. لا أعني بذلك فحسب أن هايدغر وفوكو وألتوسير ولاكان ودريدا وبوفري وريكور، كل واحد من هؤلاء يرتبط اسمه بمصنّف نَقلَه إلى لغته، وإنما بأن كلًا منهم لم يفتأ يعدل ترجمات النصوص التي كان يستثمرها. إن كلاً من هؤلاء كان يعيد النظر في ترجمة النص عندما كان يعيد قراءته. أو لنقل بالأولى إنه كان يعيد قراءته بإعادة ترجمته.
لقد اعتقدت المؤسسات التي أوكلت إلى نفسها السَّهر على الترجمة أن قضية الفلسفة عندنا هي غياب النصوص الكبرى، وأن ترجمة النصوص، وتوفيرها بلغة عربية تُنقل عن اللغة الأم هو السبيل الأضمن لحل معضلة الترجمة. بيد أن ترجمة أمّهات الكتب الفلسفية لا تكمن في إعدادها كي تكون موضع تفكير، إنها ليست تحقيقاً لكتب واقتراحاً لمصطلحات، بل هي إعمال فكر وإعادة تأويل فإعادة ترجمة.
على هذا النحو، فإن ترجمة النّصوص الفلسفية لا يمكن إلا أن تتلبس الممارسة الفلسفية ذاتها، ولن تعود الترجمة مجرد فعل في تلك النصوص، وإنما تغدو تفاعلاً معها، لن تعود تفكيراً في تلك النصوص، وإنما تفكيراً بها. لعل هذا هو ما يفسر كون الترجمة الفلسفية تظل عملية لامتناهية حتى داخل اللغة الواحدة. فما دام النص الفلسفي موضع فكر فهو يترجم وتعاد ترجمته.
الترجمة الفلسفية، مثل الفلسفة، همّ فكري، ومعاناة من «يفلح» النصوص ويعشق اللغة ويرعى صقلها وصفاءها. صحيح أنها لا يمكن أن تستغني مادياً عن المؤسسات والمنظمات، إلا أنها لا يمكن البتة أن تتم خارج «مختبرات» الفكر، وبعيداً عن قاعات الدرس وفضاءات «الإنتاج» الفلسفي. ولعل المسألة تتجاوز هنا قضية الترجمة وتوفير المتون بلغة عربية، كي تطال قضية الفلسفة ذاتها وشكل ممارستها في عالمنا العربي. فما دامت علائقنا بالنصوص الكبرى علائق لا تتعدى الفضول المعرفي، فإننا سنظل نتوهم أن تملّك تلك النصوص يتحقق بمجرد نقلها إلى لغتنا دون بذل جهد متواصل لانفصالنا عنها، وإذكاء حدة التوتر بيننا وبينها.

اقرأ أيضا