الاتحاد

الملحق الثقافي

إمِلي نصر الله راوية الحنين الذي لا يشيخ

إِمِلي نصر الله (أرشيفية)

إِمِلي نصر الله (أرشيفية)

لماذا تعيش شخصيات مبدعة مثل الروائيّة إملي نصر الله على الرغم من الموت والرحيل؟ هل لأنها استندت في نصوصها إلى وقائع حقيقية مستمدّة من الرومانسية الطبيعية وموقع الذات والمحيط، أو لأنها رصدت ببساطتها الأسلوبية صفو الحياة الخالية من تعقيدات الحداثة، حيث اتّجهت الرواية بشكلها المعاصر منذ السبعينيات؟

السؤال نفسه نطرحه حول الشخصيّات الفنّية أيضاً، مثل السيدة فيروز (أطال الله عمرها) أو وديع الصافي ونصري شمس الدين وآخرين تستعصي أسماؤهم على النسيان، ليس لأنهم اشتهروا في زمنهم وحسب، بل لأنهم جيل أيقونيّ ومؤسّس، وأصحاب نمط أدبي وفنيّ خاصّ لا يمكن مقارنته بأي مدرسة عربية أخرى، وهو نمط استنبط مخزونه من حكايا الناس ببساطتها وعفويتها، من قِصص الريف وعاداته، والحرب ومواسمها، والهجرة، والغربة، وقضايا المرأة ونضالها في سبيل الحرية والمساواة، إذ تُعدّ الكاتبة من روّاد التجربة النسائية اللبنانية التي ازدهرت في الستينيات، وصوتاً نضج وأصبح مناصراً للقضايا النسوية في لبنان والوطن العربي.

نضارة فنية

تشعّ نصوص نصر الله بطمأنينة كبيرة، بنقاء البدايات، بالمكان وتراكيب صوره الذي يشتمل على الأرض الأم والطبيعة البكر، حيث اتّساع الأخضر وتدفّقه، وهو الذي أكسب رواياتها نضارة فنّية شكّلت الأصول الخالصة لنصوصها. القرية في روايات إملي نصر الله هي مصدر إغراء وإلهام دائم، وهي استطاعت أن تجعل من ريفها الخاصّ عالماً كاملاً، بعيداً عن الزيف وتعقيدات الخيال. فهي تعرف القرية ككفّ يدها، وقد بقيت هناك ولم تستطع أن تخرج من تلك اللحظة، فأنتجت نصوصاً تلقائية وأصيلة تُمثّل تراثاً يليق بلبنان وتاريخه، وجسّدت الرواية الواقعية البعيدة عن الإحالات، المسكونة بالحنين الذي لا يشيخ. هناك، حيث ولدت الكاتبة وعاشت في وسط قروي حافظت عليه بمخيالها، على الرغم من ارتقائها من الناحية المادّية والاجتماعية، وانتقالها إلى المحيط الأوسع أيّ المدينة، لكنه بقي ارتقاءً مقروناً بالبيئة الريفية التي طغت على عالمها الإبداعي، ومحافظتها على قيمها الصافية وأخلاقها الريفية الأصيلة.

إملي نصر الله لم تتغيّر ولم تتجدّد، حافظت على نبلها الهادئ وروحها الطيبة وتواضعها الذي دلّت عليه جملتها الشهيرة التي ردّدتها دائماً في صلواتها: «يا رب، في كلّ موقف يلوح فيه نجاح أو انتصار: أناجيك، اجعلني مُستحقّة». لقد حفظت إملي لنا أناس «الزمن الجميل»، «تلك الذكريات»، «الإقلاع عكس الزمن»، «يوميات هرّ» و»في البال»، وغيرها الكثير من الروايات التي أغنت مكتباتنا، فضلاً عن «طيور أيلول»، الرواية التي أطلقت شهرة نصر الله في السبعينيات، وبقيت ملاصقة لإنتاجها الأدبي، وهي ستصبح عنواناً لمنزلها الكائن في مسقط رأسها الجنوبي، في قرية الكفَير، إذ سيتحوّل إلى مركزٍ ثقافي يحتفي بذكراها على الدوام. لقد أوصت الكاتبة قبل أن يخزل جسدها المرض وتزداد آثار العمر والوهن، أن يتحوّل بيتها إلى موئلٍ دائمٍ للثقافة، واهتمّت بكلفةِ تجديده وترميمه، على أن يتكفّل أبناؤها بإدارة المشروع والمحافظة على استمراريته بعدها. هكذا لا يموت الناس الذين نحبهم لأننا نحملهم في داخلنا، ولأن آثارهم تبقى في ذاكرتنا وفي كتب أجيالنا، ولأنهم أولاً وأخيراً يستحقّون أن يبقوا خالدين.

آخر إصداراتها

«الزمن الجميل» آخر ما صدر للكاتبة قُبيل وفاتها بأيام، عن دار هاشيت أنطوان/&rlm نوفل في بيروت، والتي أرادت تكريم الأديبة اللبنانية في أيامها الأخيرة، تقديراً لإنتاجها ولسنواتها الذهبية في عالم الصحافة. وقد نعت الدار إمِلي نصر الله ببيانٍ مؤثّر، وأعلنت أنها ستتولى توزيع الكتاب مجّاناً على مدارس لبنان، كي تبقى إمِلي في الذاكرة والوجدان. والكتاب الأخير، هو عبارة عن نصوص تُقابلها رسوم متنوّعة تتّصل بسيرة الكاتبة، «حيث تأخذنا إمِلي إلى لبنان الخمسينيات والستينيات، بأسلوبها غير المتكلّف، وتجول بنا في عوالمها الخاصة، في تجربتها الصحافية، تُذكّرنا بأسماء نسيناها وتُقدّم لنا أخرى لا نعرفها، من خلال وجوه قابلتها وحاورتها. هنّ نساء في الأغلب، نساء مناضلات، كلّ على طريقتها، في المجال العام أو الخاص، جهاراً أو صمتاً: من إدفيك جريديني شيبوب إلى الملكة فاطمة السنوسي، وسيدة الرائدات ابتهاج قدورة، ومغنّية الأوبرا اللبنانية الأولى سامية الحاج، حتى البصّارة فاطمة، ومارتا، الطالبة الثمانينية في الجامعة الأميركية». نساء نصر الله لم يكنّ من حبرٍ فقط، اتّخذن أشكالاً أيضاً على يدّ الرسام جان مشعلاني، الذي دأب على مرافقة الصحافية الشغوفة، وتزيين مقالاتها على صفحات مجلّة «الصياد» طيلة سنوات عملها في الدار.

لقد أهدت الراحلة الكتاب إلى روح جان مشعلاني، الفنّان المبدع، الذي رافقها في مسيرتها المهنية، طيلة خمسة عشر عاماً، وقد أهداها في آخر مرّة زارته فيها، وهو على فراش المرض، ملفّاً يحوي رسوماً تخصُّها مع شخصيات قابَلتها خلال عملها الصحافي. وكتبت في الإهداء: «لم يخطر في بالي أنّ الفنّان بقي مُحتفظًا بالأصول الثمينة لتلك اللقاءات، وهي تُعيد القارئ والمُشاهِد إلى الزمن الجميل في لبنان، أيّ إلى ستّينيات القرن الماضي. هكذا يمضي الفنّان، وتبقى أعمالُه تُخبرُ عنه. وغايتي اليوم من نشر هذه الرسوم مع قِصص مناسباتها، توجيه تحيّة إلى روح فنّان كان أشبهَ بشمعة نور أضاءت في مُحيطها الواسع».

تكريم

قبل شهرين من وفاتها، كرّم رئيس الجمهوريّة اللبنانية العماد ميشال عون الكاتبة، باعتبارها رمزاً من رموز الوحدة الأهليّة، وككاتبة وطنيّة بامتياز ستبقى في ذاكرة الأجيال المقبلة، مرجعاً ومدرسة أدبيّة، قوامها لغة أصيلة وقوالب وبنى بسيطة، وحاملة المعنى ومحتضنة الروح.

وكانت الراحلة قد حصلت على جوائز عدّة منها جائزة الشّاعر سعيد عقل في لبنان، وجائزة مجلّة فيروز، وجائزة جبران خليل جبران من رابطة التراث العربيّ في أستراليا. كما مُنحت في العام 2017 وسام معهد «غوته» الفخري الرسمي باسم جمهورية ألمانيا الاتّحادية لتميّزها في إثراء الحوار الثقافي بين الحضارات. ونالت أخيراً، في العام 2018 وسام الأرز اللبناني عن رتبة كومندور تقديراً لعطاءاتها الأدبية.

انتصار الأدب على الصحافة

ولدت إملي نصر الله سنة 1931 في قرية الكفَير قضاء حاصبيا في جنوب لبنان، عملت في مهنة الصحافة وانضمّت بعد تخرّجها سنة 1955 إلى «دار الصياد» العريقة التي أسّسها الكاتب والصحفي المعروف سعيد فريحة سنة 1943، ثم استقالت وتفرّغت لكتابة الرواية والقصّة وقصص الأطفال. وذكرت في حديث صحفي قبل سنوات أن توصية الأستاذ سعيد فريحة لها كانت دائماً: «يا إملي اكتبي صحافة وخفّفي من الأدب! لكنّ الأدب تغلّب على الصحافة، بعد أن نشرت روايتين هما «طيور أيلول» 1962، و«شجرة الدفلى» 1967، ثم استقالت من «الصياد» سنة 1970 وتفرّغت للعائلة والرواية والقصة.

وصية

أوصت إمِلي نصر الله قبل أن يخذل جسدها المرض وتزداد آثار العمر والوهن، أن يتحوّل بيتها إلى موئلٍ دائمٍ للثقافة، واهتمّت بكلفةِ تجديده وترميمه، على أن يتكفّل أبناؤها بإدارة المشروع والمحافظة على استمراريته بعدها. هكذا لا يموت الناس الذين نحبهم لأننا نحملهم في داخلنا، ولأن آثارهم تبقى في ذاكرتنا وفي كتب أجيالنا، ولأنهم أولاً وأخيراً يستحقّون أن يبقوا خالدين.

العالم السرّي لـ «طيور أيلول»

لا بأس، الآن، وبعد انقضاء أكثر من خمسة عقود على صدور تلك الرواية، من الاعتراف بأني كنتُ أكتبها في السرّ، ولم أكن أعلم ما الذي أكتبه.

كانت تلك الحَرقة تتأجّج في كياني وتلك الكلمات تتدفّق من داخلي و«الطيور المهاجرة» تطلُب مَن يُسجّل حكايتها.

لقد تفضّلت إحدى الصديقات، فقدَمت إليّ غرفة في مكتبها، لبضع ساعات كلّ يوم. وكنتُ أهرب إليها من العالم وكلّ ما يشدّني إليه.

كانت أنجيل عبّود أديبة ذات أسلوب سَلِس مميّز، خصوصاً في كتابة القصّة. وكنتُ أُحبّ ما تنشره في بعض الروايات، لكنّ طموح أنجيل دفع بها إلى أن تُنشئ داراً للنشر دعَتها «المؤسّسة الأهليّة»، وأهملَت بعد ذلك الكتابة لتتفرّغ للإدارة. وفي ظنّي، أنها أوّل امرأة في لبنان تُنشئ مثل تلك الدار، وتخصّصت في نشر القصص والروايات. وكانت روايتي «طيور أيلول» آخر ما نشرَته، قبل أن تُقفل الدار لأسباب ماليّة.

حين كتبَت الأديبة البريطانية فرجينيا وولف كتابها الشهير «غرفة من أجلها» عام 1928، وعالجَت فيه مشكلة المرأة الكاتبة، وعدم توافُر الغرفة الخاصّة بها، كانت تكتب عن كلّ امرأة تحمل قلماً في زمانها وفي كلّ زمان.

ولن أنسى أنّ أنجيل وفّرَت لي تلك الغرفة في مبنى العازاريّة (وسط بيروت)، حيث كان مكتبها. وكنتُ أحرص على الحضور يومياً، وبعدما أفرغ من واجباتي العائلية والصحفية، فأمضي فترة من الوقت في ذلك العالم السرّيّ الذي أدخلتني إليه الرواية، كلمة إثر كلمة.

وحين لم يتوافر لي مَن ينشر العمل الأوّل لكاتبة غير معروفة، تقدّمَت أنجيل وأخذَت المبادرة في النشر، وذلك بعدما قرأتها وأحبّتها، واقتنعت بأنّها تستحقّ أن تُنشر.

وبفضل حماستها، حصلت الرواية على جائزة أصدقاء الكتاب مناصفة مع رواية الدكتور سهيل إدريس «أصابعنا التي تحترق».

فأنا لم أكُن متحمّسة لتقديم عملي لمشرحة التقويم والتقدير، وذلك ليس بسبب الخوف من الفشل، بل إيماناً منّي بأنّ الكاتب لا يحملُ عمله ويعرضه على اللجان والجوائز، لكنّ أنجيل كانت شديدة الحماسة للرواية، ومُؤمنة بتميّز هذا العمل، وبالتالي، قدّمَته هي، باسم «المؤسّسة الأهليّة» حين لم أُوافق على تقديمه بنفسي.

وأذكر أنّها أرسلَت طلب الترشيح في 30 أيلول عام 1962. وكان آخر موعد لاستقبال الترشيحات.

يومذاك، تركتُ لها المَهمّة، وحملتُ طفليَّ: رمزي ومها، وصعدنا لزيارة الأهل في الجبل: زحلة أوّلاً، ثمّ الكفير.

وكنتُ في القرية التي أوحَت إليّ بكتابة «طيور أيلول» حين تبلَّغتُ خبر فوزي بجائزتَين: جائزة أصدقاء الكتاب، وجائزة سعيد عقل.

في تلك الأيام، كانت خطوط التلفون بين المناطق وبيروت، سالكة. لذا وصل الخبر إلى الكفير، وتبلّغه عامل السنترال فنقله إليّ على الشكل التالي: صحيفة «لسان الحال» اتّصلَت، تطلب إليكِ أن تكلِّميهم، فوراً.

كان زوجي فيليب مسافراً خارج لبنان. وأوّل ما خطر لي أنّ حادثاً، ما قد حصل. وهم لذلك يستدعونَني، فأُصبتُ برعب شديد. ولم يهدَأ بالي إلّا بعدما اتّصلتُ بالصحيفة وسألت: ما الخبر؟...

وأذكر أنّ الردّ جاء من الزميل ظافر تميم وكان مسؤولاً عن الصفحة الثقافية. صوته المرح، طمأَنَني. وتابع سَرد الخبر، وكأنه يُغنِّي من شدّة الفرح:

- مبروك فوزك بالجائزتَين. نُريدكِ أن تحضري إلى بيروت، لنُجري معك الحديث الأوّل. نحن في انتظارك في مكاتب الجريدة. كم كانت سخيّة معي الصحافة! وكم غمرَتني بالمحبّة وهي تُذيع نبَأ الفوز.

* نصّ من كتابها الأخير «الزمن الجميل»
 

اقرأ أيضا