أرشيف دنيا

الاتحاد

حق المسلم على المسلم

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ، قِيلَ مَا هُنََّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ»، (أخرجه مسلم).
هذا الحديث حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب السلام، باب من حق المسلم للمسلم ردّ السلام.
من المعلوم أن ديننا الإسلامي الحنيف يحث المسلمين جميعاً على المحبة والتعاون على البر والتقوى، وهذا ما سار عليه نبينا- صلى الله عليه وسلم- حيث حرص على جمع الشمل وتوحيد الصف وإزالة ما في النفوس من غلٍّ وحقد، كما وأرشد- عليه الصلاة والسلام- إلى كل ما من شأنه أن يحفظ تلك الأخوَّة ويصونها، ويدعمها ويقويها، ويجعلها تؤدي رسالتها المطلوبة، وتحقق غايتها المنشودة من المودة والتكافل والتضامن والتعاون على الخير بين المسلم وأخيه المسلم، فأصبح أعداء الأمس إخوة اليوم، وتحول الغلُّ والحقد إلى محبة وألفة وأخوة كما قال تعالى: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، «سورة الأنفال، الآية 63».
وقد أوصى ديننا الإسلامي الحنيف المسلم بأخيه المسلم خيراً، في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأوجب له حقوقاً كثيرة، ومن هذه الحقوق:
السلام شعار المحبة
إن السلام هو شعار الأخوة والمحبة بين أفراد المجتمع المسلم، لذلك فقد حَثَّ نبينا - صلى الله عليه وسلم - على نشر هذه الرسالة الأخوية بين المسلمين، بأن يُسَلِّم كلٌ منهم على أخيه المسلم، كما ذكرت ذلك الأحاديث الصحيحة ومنها:
- قال- صلى الله عليه وسلم-: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلاَ أَدُلُّكُم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»، (أخرجه مسلم).
- وقوله - صلى الله عليه وسلم - عندما سُئِلَ: «أي الإسلام خير؟ قال: تُطِعم الطعام، وتقرأ السلام على مَن عَرَفْتَ ومَن لم تعرف»، (أخرجه الشيخان).
- وقوله - صلى الله عليه وسلم - أيضاً: «يا أيها الناس أفشُوا السلام، وأَطْعِموا الطعام، وَصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»، (أخرجه الترمذي).

إجابة الدعوة
لقد حرص رسولنا - صلى الله عليه وسلم - على تقوية أواصر العلاقة بين المسلمين في شتى المجالات، ومنها إجابة المسلم لدعوة أخيه المسلم، كما جاء في الحديث الشريف: «إذا دعا أَحَدُكُم أخاه فَلْيُجب، عُرْساً كان أو نحوه»، (أخرجه مسلم)، وقوله - صلى الله عليه وسلم- أيضاً: «إذا دُعِيَ أحدكم إلى الوليمة فلْيَأتها»، (أخرجه مسلم).
النصيحة الصادقة
ومن حقوق المسلم على أخيه المسلم، بذل النصيحة وإسداؤها له فيما ينفعه ويصلحه في دينه ودنياه، ويسعده في حياته وأخراه، وذلك بالموعظة الحسنة والدعوة والإرشاد بالتي هي أحسن، لأنَّها تدل على محبتك لأخيك المسلم وحبّ الخير له، عملاً بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الصحيح عن تميم الداري - رضي الله عنه -: «الدِّين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم»، (أخرجه مسلم).
فالواجب علينا أن نتناصح فيما بيننا؛ لأن الإنسان لا يسلم من الخطأ والزلل، والواجب على الأخ الناصح أن يستخدم الكلمة الطيبة في نصحه، وأن يتجنب النصح أمام الآخرين، كما قال الإمام الشافعي - رحمه الله:
تعمّدنـي بنُصْحـِكَ في انفـرادِ
وجنّبني النصيحةَ في الجماعة
فإن النُصْحَ بيـن النـاس نوعٌ
من التوبيخِ لا أرضى استماعه
وإن خَالَفْتَني وعَصَيْـتَ قـولي
فلا تجزعْ إذا لم تُعــطَ طاعـة
تشميت العاطس
ومن حق المسلم على أخيه المسلم، أن يشمِّته إذا عطس، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة
- رضي الله عنه، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا عَطَسَ أَحَدكُم فليقل: الحمدُ لله، فإذا قال الحمدُ لله، قال له أخوه: يَرْحَمُكَ الله، فإذا قيل له: يرحمك الله، فليقُل: يهديكُمُُُُ الله ويُصلِح بالكم»، (أحرجه أحمد).
عيادة المريض
لقد جعل الإسلام زيارة المريض حقاً للمسلم على أخيه المسلم، وواجباً يقوم به تجاه إخوانه، ومن المعلوم أن زيارة المريض تؤلف بين القلوب، وتترك أثراً طيباً في النفوس، وتزرع المحبة بين المسلمين، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ عَادَ مَرِيضاً، أَوْ زَارَ أَخاً لَهُ فِي اللهِ، نَادَاهُ مُنَادٍ: بأَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً»، (أخرجه الترمذي).
ويستحب لمن عاد مريضاً أن يطمئنه ويبعث فيه الأمل، ويدعو له بما ثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم-، كما جاء في الحديث الشريف عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يعُودُ بعض أهله يمسح بيده اليُمنى ويقول: «اللهُمَّ رَبَّ النَّاس، أذهب البأسَ، واشفِ، أنت الشَّافي لا شِفاءَ إلا شفاؤُك، شِفاءً لا يُغادرُ سَقَمَاً»، (متفق عليه).
كما يجب على الزائر أن يُراعي حال المريض في الزيارة، وأن يختار الوقت المناسب لها .
اتباع الجنائز
إنَّ من حق المسلم على أخيه المسلم اتباع جنازته، والصلاة عليها، والدعاء له بالرحمة والمغفرة لقوله- صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شهِدَ الجنازةَ حتى يُصَلَّي عليها فله قيراط، ومن شَهدها حتى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيراطَان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مِثلُ الجبلين العظيمين»، (أخرجه مسلم).
كما يستحب الدعاء للميت، لما جاء في الحديث عن عوف بن مالك- رضي الله عنه- قال: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- عَلَى جَنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَه،ُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًاً مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ». قَالَ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ»، (أخرجه مسلم).
وهكذا يُعَمّق رسولنا- صلى الله عليه وسلم- معنى الأخوة بين المسلمين، ويضعها موضع التطبيق العملي، فينتشر الحب والوئام بينهم، فالمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً، والمسلمون دائماً كالجسد الواحد في السراء والضراء، ومن المعلوم أن الحياة الكريمة لا تكون إلا في ظل التعاليم القرآنية والسنة النبوية الشريفة، عندئذ تعيش البشرية حياة الخير والسعادة: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى)، «سورة طه الآية (123)».
اللهم اجمع شملنا، ووحد كلمتنا، وألف بين قلوبنا، وأزل الغل من صدورنا، بكرمك وفضلك يا أكرم الأكرمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


الدكتور يوسف جمعة سلامة

خطيـب المسـجد الأقصـى المبـارك

www.yo sefsalama.com

اقرأ أيضا