الاتحاد

الملحق الثقافي

كريس ماركر ضلالات الأيديولوجيا

لقطة من فيلم رصيف الميناء

لقطة من فيلم رصيف الميناء

«الفن ليس مرآة تعكس الكفاح التاريخي، ولكنه سلاح ذلك الكفاح»، تلك المقولة لأحد رواد السينما الروسية التسجيلية/ ديزجا فيرتوف، في أوائل القرن الماضي، قصد بها أن يكون الفيلم ثورياً في مضمونه وتقنياته، وفق مفهومه الجمالي، وعقيدته الماركسية، فساهمت بعدها نظريته وإبداعه الفذ في تكوين حركة سينمائية من شباب الفرنسيين، في أواخر الخمسينيات، لما يُعرف بسينما «الحقيقة».

تدعو سينما الحقيقة إلى الثورة لإقامة المجتمع الخالي من الطبقية والاستغلال، مع تحليل عورات النظام الرأسمالي الاقتصادي، وكشف آثاره الاجتماعية الظاهرة والخفية، بعمل مقابلات حية مباشرة دون تنميق، وتصوير مادة الموضوع كما هي في حقيقتها، ولو ظهرت بصوت مشوش أحياناً، مع تجاوز قيود الجماليات الكلاسيكية في تكوين الصورة، واستعمال التعليق الصوتي لإعطاء بعض المعلومات الضرورية بصوت محايد، دون أن يكون مفسراً للصورة، مع تفتيت سطوة الخط السردي التقليدي، وملتزماً - غالباً- بالأسلوب (البريختي)، فيحد من تماهي المشاهد مع شخصيات الفيلم، ويخلق علاقة ذهنية فعالة في عقل ووعي المشاهد أكثر من وجدانه، وهو ما آمن به مع الفارق أصحاب سينما الحقيقة، ومن أولهم المخرج الفرنسي التسجيلي كريس ماركر الذي أمضى حياته الطويلة (1921- 2012) منجزاً (62) فيلماً، يحقق فيها رؤيته الثورية في (المضمون/‏‏ الشكل)، مرتكزاً على دراسته للفلسفة الوجودية، وخبرته القتالية في المقاومة الفرنسية إبان الحرب العالمية الثانية، وكتاباته الأدبية، واستفادته من دراسات الناقد الكبير/‏‏ أندريه بازان، فضلاً عن التزامه السياسي بالحزب الشيوعي، ليطوف بعدها حاملاً الكاميرا، ومتجولاً بها في أنحاء العالم، لينجز أعمالاً مؤثرة، حتى التسعين من عمره، ومتفاعلاً كأي شاب في مقتبل العمر مع الوسائط الإلكترونية المستحدثة (كالأسطوانات المدمجة)، فقدم عبر شريط العمر خلاصة رؤيته الفكرية منسوجة في لغة سمعية/‏‏ بصرية، كأنه لا يتنفس الحياة إلا وهو يبتكر أفلاماً غير تقليدية، استحق بها الترحيب الرفيع، والجوائز الكبرى.

السلبي والإيجابي في لغته
لا شك في أن (المونتاج) أقوى أدواته لعرض فكرته مثل أستاذة/‏‏ فيرتوف، حيث يربط بين نقطتين من هنا وهناك، ليكوّن بهما استعارة رمزية، تجسد مع غيرها، فكرته الذهنية عبر نسق مونتاجي جدلي مركب، كما في فيلمه المهم، والمتضمن مشاهد أرشيفية ضخمة ونادرة (باطن الهواء أحمر - 1977)، الذي أبدع مونتاجه بنفسه.
في المقابل، نرى أن الصورة عنده تأتي (أحياناً) عادية، لا دلالة لها أبعد من سطحها المرئي، فلا تحتمل التعليق الصوتي المتخم الذي ينحو إلى إضفاء صبغة فلسفية، حيث يقدم المخرج - كعادته - دراسته الفكرية المطولة، وتأملاته الفلسفية - عبر صوت المعلق - لاسيما عن الزمن، وعن هاجس الموت المتكرر في أعماله مثل: (يتعدد الإحساس بالزمن باختلاف الفرد وفضاء المكان)، ومثل قوله: (يتجاور جوهر الذاكرة مع النسيان في خط واحد دون تناقض، فنحن لا نتذكر، لكن نعيد كتابة الذاكرة، بمثل ما تتم كتابة التاريخ)،... فهكذا يشحن بالتعليقات التجريدية مساحة شريط الصوت في أغلب أفلامه، وأهمها فيلمه الجيد (من غير شمس) الذي كان يمكن أن يكون فيلماً عظيماً- كما يصنفه الكثير من النقاد- لو لم يتسيّد الفيلسوف بداخله على صفاء روح الفنان، مثلما يطغى عليه - من وجهة نظرنا- روح عالم الاجتماع في سعيه الدائم للوصف (الإثنوجرافي) للمدن، ومظاهرها البيئية/‏‏ الثقافية، على حساب ولوج الفنان عنده داخل جوانيّات الإنسان، كفرد مستقل، وليس كرقم في قائمة المجموع، وإن كان لا يفوتنا في المقام نفسه أن نتذكر أنه قدم لنا تحليلاً سينمائياً - نوعاً ما - في أفلامه عن الإنسان داخل بعض الشخصيات الفنية مثل: أكيرا كيروساوا، اندريه تاركوفسكي، سيمون سينوريه، الكسندر ميدفيدكين.
وللمخرج ابتكارات سينمائية جريئة، مثلما قدم لنا في (لقطة مكبرة) ثابتة طوال الفيلم - تقريباً - وجه (شاب) من قوات حفظ السلام بالأمم المتحدة، يدلي بشهادته أمام الكاميرا، عن حرب (البوسنة) بواقع معايشته هناك، في (الخوذة الزرقاء - 1995)، لكن ما أفسد الفكرة، هو الطول المتراخي لزمن (اللقطة/‏‏ الفيلم) الذي يجعل من المجهد متابعة (26 دقيقة) على هذا النحو المتكلس بصرياً، كما لو أننا نسمع شريطاً إذاعياً!!
أما عن شريط الصوت، فلا ريب أنه يستحق الإعجاب، مع توظيفه الخلاق للمؤثرات الصوتية، لتشي بواقعية الحدث والمكان - صَوّر فيلمه (من غير شمس) بكاميرا صامتة، ثم وضع المؤثرات الصوتية كلها بعد التصوير من شرائط كاسيت عادية، لضعف الميزانية - فضلاً عن مؤثرات أخرى غير واقعية، برع في استغلالها، لإعطاء الإحساس النفسي للحالات الشعورية، والأفكار الذهنية التي تحتاج إليها بعض مشاهده في الفيلم نفسه، وهو ما نجده كذلك في فيلمه السينمائي الخالص (جنكوبيا - Junkopia) الخالي من أي تعليق، أو كلمة حوار، عكس جُل أفلامه.
والموسيقى التصويرية عنده (كان يقوم بتأليفها أحياناً) تجدها إما أوركسترالية الطابع، شجية اللحن، فتؤدي دوراً إيحائياً عاطفياً، كما في بعض مشاهد فيلمه التجريبي (رصيف الميناء)، لكن كثيراً ما تلعب الموسيقى الإلكترونية التأثيرية دورها في أفلامه.
ويتجلى الحس التشكيلي لديه في تكوين الصورة في مشاهد كثيرة، مثل مشهد الاستعراض الراقص الصيني (بالسرعة البطيئة - مدته دقيقتين ونصف)، مع تعدد أحجام اللقطات والزوايا، بالجزء الثاني (الأيدي المقطوعة) من فيلم (باطن الهواء أحمر)، حيث استغل اللون الأحمر بحس رهيف في كل تكوينات المشهد، بمستوياته الأمامية، والخلفية، دون افتعال، لا يشوب روعته إلا التعليق الصوتي المقحم.

سقطتان: «إسرائيل وكوبا»
تعاطف كريس ماركر - بطبيعة انتماءه الماركسي - مع الثورة الكوبية، وزعيمها الشيوعي فيدل كاسترو في فيلمه (كوبا نعم - 1961)، عبر كاميرا خفيفة متحركة، وميكروفون متزامن يلقط أصوات من روح الشارع، والبيوت، والمزارع، ويتغنى الفيلم بالتبشير بخلق أمة جديدة، كما في مشهد (رجل الكنيسة) الذي يعد المواطن عبر الشاشات في دعاية ديماغوجية فارغة، بأن الثورة ستنهض به في كل المجالات، فعاد مخرجنا بعد سنوات طويلة يفطن لخيبة الأمل في تلك الثورة التي شارك في الدعاية لها، بل نوه في فيلمه (باطن الهواء أحمر)، أن دول اليسار ستتحول في السبعينيات على يد رجالها، إلى أنظمة فاشستية!!
ولعل الدافع الأيديولوجي نفسه هو ما جعله يهرول قبلها في سقطة مشينة، ليصور فيلمه الدعائي (وصف القتال - 1960) عن المجتمع (اليوتوبي) الذي يتمناه في إسرائيل (فلسطين المحتلة)، ويفرد (لقطاته العامة الواسعة) للأرض الموعودة، متأملاً في (مشهد طويل) تجربة المجتمع الاشتراكي التعاوني في ما يعرف بالكيبوتز (Kibuttz)، وهي المستوطنات الزراعية التي استولى عليها الصهاينة من الفلسطينيين العرب، ليعمل ويعيش فيها اليهود، ومن أهمهم قادة الصهاينة مثل: بن غويورن، وموشيه ديان، وغيرهم، حيث كان يسود مناخ اقتصادي منعزل عن قبضة الدولة إلى حد كبير، ويبدو فيه انعدام الطبقية، وتضاؤل قيمة المال، ولكل فرد فيه سلعته بقدر عمله أو حاجته، ولا يوجد مالك مستغل وأجير تابع، فيتساءل المخرج قلقاً (عبر صوت المعلق): إلى متى سيستمر نقاء هذه المستوطنات المعزولة...؟! (1)
ثم يقترب بكاميراه في نهاية الفيلم داخل فصل مدرسي، ويستلهم من وجه (بنت صغيرة) تهوى الرسم، أمل ومستقبل (إسرائيل) الباسم، والغريب أنه بعدها فوجئ أن العالم الغربي (الديمقراطي) يتعاطف مع فيلمه، عندما منحه (مهرجان برلين) جائزته الذهبية، في حين تم تجاهل أفلامه عن الدول الاشتراكية/‏‏ الشيوعية، فرَدّ عليهم ساخراً:
«إنه يُعزّينا لحد ما أن نرى المرء لا يستطيع حتى ولو في برلين الغربية أن يتكلم عن الصين، ولا سيبريا، وربما كوبا على الأقل في الوقت الحاضر، لكن يمكنه أن يتكلم عن اليهود».
لكن للإنصاف، فقد طلب رفع الفيلم من العرض، ومنع توزيعه بعد حرب (1967)، وهو أمر يحسب له، لكن هل لو لم تقم حرب (1967) فسينفي ذلك مسؤوليته عن فيلمه المعروض في كل الدنيا بعد وفاته؟! ألم يكن قبل تلك الحرب احتلال دموي، وحروب، وإبادة جماعية ضد أصحاب الأرض العربية، بدعم من القوى الإمبريالية الغربية التي هي من أهم ما يحاربها في أفلامه، ومن أوليات مبادئه الماركسية؟!!

«القطط»، و«اليابان»
غرام المخرج باليابان جعله يرحل إليها، ويقدم أكثر من عمل متميز عنها، وأولها فيلمه البارع (سر كوميكو - 1965)، حيث اقترب فيه من العالم النفسي، والذهني، لشخصية فتاة يابانية، وإن خالط الأسئلة بعض التحذلق، مما لا يتناسب كثيراً للاقتراب من عقلية فتاة تعمل سكرتيرة، حتى لو كانت ثقافتها فرنسية، إلا أن حوارها المسترسل الشخصي عن (الخوف، الهوية، الموت، والأحلام،...) قد صاغه المخرج بعدة وسائل بصرية، ونقلات مناسبة مونتاجياً مثل: حركة (الكاميرا) بالسرعات العادية، والبطيئة، والكادر الثابت، واستغلال عدسة الزووم، مع الرسوم الكارتونية بالبداية، كذلك اللوحات المكتوب عليها الأسئلة، لينوع طريقة طرحها بين صوت سؤاله من خارج الكادر، إلى لوحة مكتوبة، بل يقطع شريط الصوت في وسط سؤاله الأخير المسموع، ليشي بالصورة فقط عن كلمة (الحرب)، بلقطات صامتة قصيرة (Snapshots) لصواريخ، وانفجارات، وما شابه، في استخدام حاذق، قبيل نهايته الشاعرية، حيث تسير السيارة تحت نعومة المطر ليلاً في طريق العودة من مدينة (يوكوهاما)، فتدخل نفقاً مظلماً، ليتضافر مع حس الصورة مشاعر، وإجابة الفتاة اليابانية كوميكو موراوكا، يليها لقطات (السلويت) التعبيرية لوجهها، ثم رحابة (اللقطات الواسعة) بعناصرها الموحية.
وإن افتقد مخرجنا اليقين الداخلي بعالم علوي له حضور فعال في أزمة الإنسان المعاصر، وأنهار الدماء في الحروب الوحشية، واستغلال النظم الرأسمالية الاستعمارية للفقراء، لكننا مع ذلك نجد له لمسة روحانية في أعماله، ينعى غياب هذا اليقين، ويجد عوضاً له - أو يكاد- في تقديسه للقطط، مثل بعض الشعوب البدائية، ولا يعنينا تفنيد فلسفته الخاصة بذلك، خاصة مع قطته الشهيرة الأسطورية (Cheshire cat) ببسمتها العريضة، المقتبسة من رواية (أليس في بلاد العجائب)، بل إن له عدة أفلام عنوانها عن القطة والبومة أيضاً، كما في (استماع القطة للموسيقى - 1990)، وفيلمه الجميل (القطط العلوية - 2004) الذي نعجب فيه برمزية فكرته، وخفة روح التناول الساخر، رغم ثقل المضمون، فالقطط المرسومة (بالجرافيتي)، تطل من أعلى أبنية وحوائط (باريس)، فتصبح ذات شخصية درامية جوهرية، وعنصراً عضوياً في بنية السرد، ببساطة مدهشة، فتشهد على احتجاجات المتظاهرين باختلاف طوائفهم في شوارع المدينة، مطالبين بحريتهم، وتحقيق مطالبهم الإنسانية، ثم تختفي رسوم القطط من أماكنها العليا تدريجياً، بأسلوب مونتاجي معبر (Dissolve) مع اختناق حرية المواطن، لكنها تظهر مرة أخرى، ولا تغادر ذاكرة الفرد، كما ألمح لذلك المعنى بأسلوب التعريض المزدوج (Double Exposure) حتى تظهر مرسومة على رصيف الشارع، فتدوس عليها الأقدام!! ويظل درة أعماله، وفيلمه الأروع هو (رصيف الميناء - La Jete›e)، المصور كله بكاميرا (الفوتوغراف)، عدا (لقطة واحدة) ساحرة صورها بكاميرا (السينما).

جوائز
نال كريس ماركر جائزة الدب الذهبي بمهرجان برلين عن فيلمه (وصف القتال - 1960)، جائزة جان فيجو (رصيف الميناء - 1962)، الجائزة الذهبية بمهرجان لايبزغ (مايو الجميل - 1963)، الجائزة الكبرى بمهرجان أوبر هاوزن (سر كوميكو - 1965) جائزة السيزار الفرنسية (جنكوبيا - 1981)، وجائزة مهرجان برلين (من غير شمس - 1983).

هوامش
Nora M. Alter- Chris Marker- 2006 (1)

اقرأ أيضا