الاتحاد

الملحق الثقافي

الإسكندر الأكبر.. ثم ماذا بعد؟

تمثال الإسكندر الأكبر في مدينة سالونيكي اليونانية (الاتحاد)

تمثال الإسكندر الأكبر في مدينة سالونيكي اليونانية (الاتحاد)

أكثر من عشرين مدينة أسسها الإسكندر الأكبر وحملت اسمه في أنحاء مختلفة من إمبراطوريته، الإسكندرية، مدينة تقع إلى الجنوب من بغداد في العراق، الإسكندرون شمال سوريا وجنوب تركيا، الكسندروبوليس عند الحدود اليونانية التركية، مثلاً، رغم أن المدينة الأكثر شهرة وتميزاً بينها، تظل طبعاً مدينة الإسكندرية في مصر، ومن يزور هذه المدينة النائمة على ساحل المتوسط الجنوبي، ويرى ضوءها المشع ساعات المساء، بهاءها المقاوم مهما تقادم الزمان، لا بد أن يتذكره هو الذي سُميت المدينة على اسمه، لا بد له أن يتذكر هذه الـ: ثم ماذا بعد؟

في كتابها الجنس الآخر، تروي الفيلسوفة الوجودية الفرنسية سيمون دو بوفوار قصة عن الإسكندر الأكبر، الملقب بالمقدوني أيضاً، في طياتها الكثير من المعاني، تتحدث عن حوار دار بين الملك الشاب الذي خلف والده، فيليب الثاني المقدوني «الأعور» عام 336 ق.م، وكان قد دخل للتو سنّ العشرين من عمره، وبين أحد الحكماء. كان الملك الشاب قد بدأ بالتحضير للانطلاق بحملة عسكرية كبيرة لتحقيق أهداف أبيه التوسعية، الذي اغتيل وورثه مملكة متينة الأساس وجيشاً قوياً جنوده مخضرمين، الحكيم أراد أن يعرف ببساطة عن الهدف الذي يدور في رأس الملك الشاب الذي ما أن يتسلم قيادة جيوش بلاد اليونان كلها عام 334 ق.م، حتى يبدأ بـ «حركة» مثل هذه، أن ينطلق في حملة هدفها المعلن مهاجمة بلاد فارس والمستعمرات التابعة لها، فيما كان لباعثها الخفي علاقة بشخصية الإسكندر الأكبر، على هذا السؤال أجاب الملك الشاب، بأنه سيحتل أولاً آسيا الصغرى، وثم؟ سأله الحكيم، ثم سأدخل بلاد فارس، أجاب الإسكندر، وثم؟ سأل الحكيم، ثم سأدخل بلاد وادي الرافدين، وثم؟ سأل الحكيم، ثم سأدخل بلاد السند والهند، وثم؟ سأل الحكيم، ثم سأحتل الصين، وثم؟ سأل الحكيم، ثم حينها سأستريح، أجاب الإسكندر، فما كان من الحكيم إلا أن سأله، ولماذا لا تستريح الآن؟
سواء صحت القصة هذه أم لا، بل حتى إذا كانت جزءاً من الأساطير التي تركها اليونانيون لنا، ومن ضمنها كل تلك القصص المتعلقة بشخصية الإسكندر الأكبر نفسه والتي لم يخل أغلبها من الغموض، فإن الدرس الذي تحمله، هو أنها إذا كانت لا تريد منحنا الصورة الأولى التي بنت عليها شخصية الإسكندر الثالث المقدوني، فإنها على الأقل أرادت تعليمنا الحكمة، أن الإنسان مشروع «حركة» تنطلق دائماً ناحية الأمام، وأن الراحة تأتي في الغاية البعيدة، لأن الشعور بالقناعة، أو تحقيق مشروع ما، هو أمر نسبي، عند الحكيم هنا والآن، وفيما خص الإسكندر الأكبر فكان واضحاً في جوابه، لا توقف، لا راحة حتى نهاية العالم، وربما كان واصل في جوابه الحكيم «ثم سأفعل كذا وكذا»، لولا معرفته، على الأقل في تلك اللحظة، أنه لا بد له من تقديم جواب للحكيم، إن لم يكن جواباً منطقياً بقوة منطق الحكيم، فعلى الأقل عليه تقديم جواب لنفسه، لكي يبرر راحته لاحقاً، في اللحظة التي سيبدأ بها بالتمتع في استراحته. وشخص مثل الإسكندر الأكبر، الذي ظل حتى نهاية حياته على قناعة تامة، أنه ابن الآله زيوس، سيستريح أولاً عندما ينتهي من خلق عالمه الخاص، عشر سنوات استغرقت حملته على بلاد فارس، وخلال هذه السنوات العشرة حدثت حركة وفرار على طريق البلقان بشكل لم تعرفه هي المنطقة من قبل، وكأن الملك الشاب بجموحه هذا لم يشأ الذهاب بمشروعه فتح العالم ثم الراحة لوحده، بل ورط معه الآلاف من البشر جنوداً ومدنيين، وفي حالة الأخيرين كان عليهما الخيار بين أن يقبلوا سلطة الفاتح الجديد ورجاله أو الفرار لصنع أوطان جديدة لهم، أو كأنه احتاج كل هذه الآلاف شهوداً على مشروعه، ولو تُرك له الأمر، هو الإسكندر الكبير لما كان توقف، لكان واصل طريقه حتى نهاية العالم، وليس حتى نهاية حياته، وفي هذا فاق ملوكاً وقادة جيوش تاريخيين قبله، ربما أراد الإسكندر الأكبر تقليد الملك الفارسي كوروش الذي سبقه والذي لم يخف إعجابه به، لكنه حتى في هذا أراد أن يصنع تميزه بوعي، فمقارنة بسيطة بين الاثنين، ستُجعل كفة الميزان تميل للإسكندر.

تصفية الخصوم
في أمر واحد لم يختلف الإسكندر الأكبر عن كل الذين تربعوا على العرش وحكموا إمبراطوريات من قبله أو من بعده، فمن أجل توطيد سلطته، بدأ الإسكندر عهده بإبادة خصومه داخل عائلته، تجنباً لأن يبرز منهم شخصاً يُنازعه على عرش المملكة، فأمر بإعدام ابن عمه أمنتاس الرابع، المنافس الأبرز والمدعي بالحق في عرش مقدونيا، وأميرين مقدونيين آخرين من إقليم لينخستس، بالتوازي من ذلك أمرت أمه والزوجة الرابعة المفضلة عند الملك الأب فيليب الثاني المقدوني أوليمبياس، بإعدام كليوبترا يوريديس، الزوجة الأخيرة لفيليب، وابنتها يوروبا، التي أنجبتها منه، فأحرقتا حيَّتين. من الأشخاص الآخرين الذين طالهم سيف الإسكندر أيضاً: أتالوس، الذي كان قائداً لحرس الحدود في الجيش المرابط في آسيا الصغرى، وعماً لكليوبترا يوريديس، اتهمه بالتواصل حينها مع الزعيم الأثيني ديموستيني بخصوص إمكانية انشقاقه عن الجيش المقدوني والتحاقه بجيش أثينا، كما كان الإسكندر لا يزال حاقداً على أتالوس بعد أن أهانه علناً في حفل زفاف ابنة أخيه على فيليب، الشخص الوحيد الذي عفا عنه الإسكندر هو أخوه غير الشقيق فيليب آرهيدايوس لإصابته بإعاقة عقلية، وحتى هذا، تقول الروايات التاريخية، مرده السم الذي وضعته له أوليمبياس خفيةً بعد أن انتشر خبر وفاة فيليب، إلى ذلك، عندما وصلت مسامعه، أن عدّة مدن خاضعة لمقدونيا ثارت وانتفضت على حكّامها، وكان من ضمنها: طيبة، أثينا، ثيساليا بالإضافة للقبائل التراقية قاطنة الأراضي شمال المملكة، قام الإسكندر بتجهيز جيش من ثلاثة آلاف جندي، على الرغم من أن مستشاريه نصحوه باعتماد الحلول الدبلوماسية، وسار به جنوباً ناحية ثيساليا، فهزم الثيساليين الذين استسلموا له، فيما انضم مقاتلوهم إلى جيشه، استمر الإسكندر في مسيرته حتى وصل الممر الذين أطلقوا عليه ممر البوابات الحارقة، وتابع جنوباً حتى وصل كورنت، وحينها طلب منه الأثينيون الأمان، وعاهدوه بالخضوع لمقدونيا. خلال مكوثه في كورنت قُلد الإسكندر لقب القائد الأعلى للرابطة الهلينية، وعُين خلفاً لوالده في قيادة جيوش بلاد اليونان كلها.
حينها وبدل أن يستريح، قرر أن يبدأ بحملته الكبيرة، بعيداً عن المملكة التي وقعت كلها في يديه للتو، كأن الحروب الداخلية هذه التي أخضع بها الولايات المتمردة، كانت مجرد مقدمة لما سيأتي لاحقاً، اكتشاف فرادته، أو كأنه كان يحتاج لمناسبة ما لكي يصل إلى هذا الاكتشاف، كان لا بد أن يلتقي بحكيم يُذكره، بأن عليه الاختيار بين الراحة الآن أو الحركة ثم الراحة، إذا كانت هناك راحة غير الموت.

مشروع وجودي
من المشكوك به أن يكون الإسكندر الأكبر فكر بالغنيمة، عندما بدأ بحملته العسكرية، كما كان يجب أن يكون عليه الأمر عند إمبراطور يوسع مملكته، أجابته الحكيم هي دليل على ذلك، كان مشغولاً فقط بهذا السؤال الذي أججه الحكيم عنده، وثم، وثم، ماذا بعد؟ كأنه كان يعرف، بأنه ما أن يستريح، حتى سيموت، الإسكندر عرف الدرس، الراحة كمعادل للموت، كمضاد للحياة، مشروعه الوجودي هو المواصلة، التوسع، ليس لغاية اقتصادية في المقام الأول؛ لأن من دون غنائم الحرب، لا يستطيع إغراء الآلاف من الجنود في مصاحبته في الرحلة، بل أكثر، من أجل التوسع في تحقيق الأنا الخاص، في حالة الإسكندر، ولأن لقبه الأكبر، تحقيق أناه الأكبر أيضاً، الذي هو في المحصلة ليس غير هذا الخليط من الثقافات والحضارات التي مرّ بها، عشر سنوات بعيداً عن الديار ومكان الولادة، عن الوطن الأم، كما يقولون، تغير كل شيء، من جهة تغير الشخص الذي يبتعد عن المكان، ومن جهة أخرى تغير المكان الأصلي الذي غادره الشخص وسكانه الأصليون، كل واحد من الاثنين يسير باتجاه آخر، خاصة إذا عرفنا حجم المسافة التي فصلت بين الاثنين، مقدونيا التي تركها وراءه، وهو الذي أدار ظهره لمكان ولادته في زمن كانت وسائل نقله بدائية قياساً لعصرنا الحالي.
تلك هي فرادة هذا الملك الذي وُلد في مدينة بيلا قرابة عام 356 ق.م، والذي تتلمذ على يد الفيلسوف والعالم الشهير أرسطو حتى بلغ ربيعه السادس عشر، والذي ما كاد يتم عامه الثلاثين، حتى كان قد أسس إحدى أكبر وأعظم الإمبراطوريات التي عرفها العالم القديم، امتدت من سواحل البحر الأيوني غرباً وصولاً إلى سلسلة جبال الهيمالايا شرقاً، حتى منطقة الهندوكوش، قندهار بالتحديد، وكادت أن تمتد أكثر، لو لم يتمرد عليه قادته العسكريين، ويطلبون منه العودة، هكذا يواجهنا: من ناحية، شخص كان في تسابق مع سؤال الحكيم «وثم؟»، ومن الناحية الأخرى، آخرون أرادوا الاستراحة مبكراً، متسائلين ما الغاية من التوسع والتوسع، وكانوا قد حصلوا على ما يكفيهم من الغنائم؟
عام 334 ف.م انطلق الإسكندر الأكبر في حملته على بلاد فارس، فتمكن من دحرهم وطردهم خارج آسيا الصغرى في وقت قياسي، ثم شرع في انتزاع ممتلكاتهم الواحدة تلو الأخرى في سلسلة حملات عسكرية دامت عشر سنوات، تمكن خلالها من كسر الجيش الفارسي وتحطيم القوة العسكرية للإمبراطورية الفارسية الأخمينية في عدة معارك حاسمة، أبرزها معركتي إسوس وكوكميلا، حتى تمكن في نهاية المطاف من الإطاحة بالشاه الفارسي داريوش الثالث، وفتح كامل أراضي إمبراطوريته وعند هذه النقطة كانت الأراضي التي خضعت له قد امتدت من البحر الأدرياتيكي غرباً إلى نهر السند شرقاً.
في كل ذلك، كان الإسكندر يسعى إلى الوصول إلى «نهاية العالم والبحر الخارجي الكبير»، إلى ثم، وثم، وما بعد، حركة من جانبه وفرار من قبل الآخرين، لم يكتف بغزو بلاد فارس، أقدم بعدها على غزو الهند سنة 326 ق.م، وفي ذهنه مواصلة السير بعدها في محاولة منه لاكتشاف الطريق إلى ذاك البحر الخارجي، نهاية العالم، كما يظن، لكنه اضطرّ إلى أن يعود أدراجه بناءً على إلحاح قادة الجند وبسبب تمرّد الجيش، ليتوفى في النهاية في مدينة بابل سنة 323 ق.م، قبل أن يشرع في مباشرة حملات عسكرية جديدة عدة خطط لها، وكان أولها فتح شبه الجزيرة العربية. بعد بضعة سنوات من وفاته، نشبت حروب أهلية طاحنة بين أتباعه مزقت أوصال إمبراطوريته، وولدت عدة دول يحكم كل منها «خليفة» وقد عرفت بملوك الطوائف (باليونانية. ديادوخي)، وكان كل ملك من هؤلاء الملوك مستقل لا يدين بالولاء إلا لنفسه، وكان هؤلاء هم من بقي حياً من قادة جيش الإسكندر وشاركه حملاته في الماضي، كانت راحتهم هي بامتلاك إقطاعية لكل واحد منهم، ليس هناك: ثم، وثم أو... ما بعد؟
الإمبراطورية التي حكمها الإسكندر الأكبر حتى وفاته، كانت مصهراً للثقافات، ثقافات كل الأقوام أولئك الذين عاشوا على طريق البلقان، أو أولئك الآخرين من الأقوام الأخرى، الإرث الذي دمغه الإسكندر بدمغته يشمل كل هذا التمازج الثقافي الذي خلقته فتوحاته، فقد تمكن من خلط الثقافة الإغريقية الهلينية بالثقافات الشرقية المختلفة للشعوب الخاضعة له، كأنه قام بنقل ثقافات طريق البلقان مع تنقلاته، خاصة فيما يتعلق بالمدن التي أسسها.
أكثر من عشرين مدينة أسسها الإسكندر وحملت أسمه في أنحاء مختلفة من إمبراطوريته، تظل أشهرها طبعاً مدينة الإسكندرية في مصر، ومن يزور هذه المدينة النائمة على ساحل المتوسط الجنوبي، ويرى ضوءها المشع ساعات المساء، بهاءها المقاوم مهما تقادم الزمان، لا بد أن يتذكره هو الذي سُميت المدينة على اسمه، لا بد له أن يتذكر هذه الـ: ثم ماذا بعد؟

الاسكندر وديوجين
هناك حكاية تُروى عن الإسكندر الأكبر خلال فترة مكوثه في كورنت، يُقال إنه التقى هناك بالفيلسوف الزاهد الشهير ديوجين الكلبي، وكان من أشد المعجبين به، فسأله إن كان له طلب يقدر أن يحققه له، فردّ الفيلسوف بازدراء: «تنح قليلاً، أنت تحجب الشمس عني»، يظهر بأن هذا الرد أبهج الإسكندر، حيث ينص بعض المؤرخين قوله: «حقاً أقول لكم، لو لم أكن الإسكندر، لوددت أن أكون ديوجين»، لكنه لم يشأ أن يكون ديوجين الكلبي، لم يشأ أن يخلد إلى الراحة. أراد أن يكون الإسكندر الأكبر.

اقرأ أيضا