الاتحاد

عربي ودولي

الأحزاب السياسية المصرية تغرد خارج سرب الجماهير


القاهرة - محمد عز العرب:
تعاني الأحزاب السياسية في مصر أمراضا عديدة أهمها غياب التربية السياسية للكوادر والقيادات بما لا يجعلها تمثل بدائل في نظر الناخبين، كما أن غالبية المصريين لا تعرف هذه الأحزاب، وبرامجها وقياداتها بالاضافة الى تركز سلطة اتخاذ القرار في عدد قليل من قادة الحزب دون مشاركة حقيقية· واحزاب المعارضة لا يمكنها قذف الحزب الوطني الحاكم بالحجارة لأن بيتها من زجاج مشروخ ورغم أن الحزبيين والصحفيين والاكاديميين في ندوة 'الاحزاب السياسية والانتخابات الرئاسية' بالقاهرة شاركوا بإسهامات مميزة في توصيف الداء الحزبي فإنهم لم ينجحوا في تحديد الدواء·
وقال الكاتب الصحفي د· عمرو عبدالسميع إن مستقبل الديمقراطية في مصر يتعلق بالحالة الصحية للأحزاب السياسية وإسهامها في العمل الوطني وقد حصل حزب 'الوفد' المعارض على 58 مقعدا في انتخابات البرلمان المصري عام 1984 و25 مقعدا في انتخابات 1987 و6 مقاعد في انتخابات 1995 و6 مقاعد في انتخابات 2000 والتراجع الوفدي في الحصول على المقاعد يطرح تساؤلا أساسيا: هل حزب الوفد لم يطرح برامج جماهيرية واكتفى بالحوارات النخبوية؟
واوضح ان الاحزاب السياسية في مصر متمسكة بأطروحات الماضي وصيغ قديمة ولم تتناول افكارا جديدة مثل دور مؤسسات المجتمع المدني·
وقال د· نعمان جمعة -رئيس حزب الوفد- ان الارقام التي ذكرها د·عمرو عبدالسميع بشأن المقاعد التي حصل عليها حزب 'الوفد' ترجع الى خلل في هيكل النظام السياسي المصري الذي يسيطر على امكاناته وقدراته الحزب الاوحد الشمولي حيث يصر على الحصول على 95 في المئة من مقاعد البرلمان وترتب على ذلك يأس المواطن المصري وانصرافه عن المشاركة في الحياة العامة· كما ان التطور الطارئ على ذهن القائمين بإدارة مصر في الحزب الوطني هو زيادة شهيتهم للحصول على اكبر عدد من المقاعد سواء في البرلمان أو المحليات لدرجة ان الحزب الوطني حصل على 100 في المئة من المقاعد في انتخابات المحليات الاخيرة وهذه النسبة لم يحصل عليها اي حزب في العالم سواء في دولة متخلفة أو متقدمة·
واوضح ان المواطن المصري شعر بأمل كبير مع بداية حكم الرئيس مبارك ورغبته في إعطاء دور أكبر للأحزاب في الحياة السياسية وهو ما يظهر في عدد المقاعد التي حصل عليها حزب 'الوفد' واحزاب المعارضة الاخرى في انتخابات 1984 ولكن سرعان ما تضاءل الامل لدى المواطن مما جعله ينصرف عن الانخراط في الحياة السياسية وعضوية الاحزاب فلا توجد جهة أو قوى سياسية في مصر متواصله مع الجماهير بما فيها 'الوفد' وجماعة الاخوان·
ويرى ان تحليل نتائج انتخابات البرلمان المصري عام 2000 يبرهن على حصول المستقلين وليس الحزب الوطني على أغلبية المقاعد واغلب هؤلاء المستقلين انشقوا عن الحزب الوطني بسبب عدم ترشيحه لهم وسرعان ما عادوا الى صفوفه بعد فوزهم فالحزب الوطني هو مصدر المشكلة وأساس الداء·
وطالب بإجراء اصلاحات دستورية وسياسية حقيقية لا شكلية وإتاحة الفرصة لمرشحي الرئاسة لعرض افكارهم وبرامجهم في وسائل الاعلام المختلفة وانفصال الحزب الوطني عن جسد الدولة المصرية بحيث يتخلى الرئيس مبارك عن رئاسة الحزب الوطني ويتخلى نجله جمال مبارك عن رئاسة امانة السياسات، وتقوم حكومة محايدة بإدارة شؤون البلاد خلال مرحلة انتقالية تعقبها انتخابات حرة ونزيهة·
الحزب المتوغل
وقال الدكتور نعمان جمعة ان تراجع الاصلاح السياسي في مصر يرجع بصفة اساسية الى الحزب الوطني لأنه متوغل ومندمج في الدولة فهو يضم في عضويته رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء والمحافظين ومديري الامن لدرجة ان مأمور احد اقسام الشرطة رفض اعطاء صحيفة الحالة الجنائية لمرشح حزب 'الوفد' في احدى الدوائر الانتخابية لأنه يخوض الانتخابات ضد مرشح الحزب الوطني·
واوضح ان القضية الاساسية لا تتعلق بتطوير الاحزاب من الداخل وانما حصول الحزب الوطني على الاغلبية بغير حق، وفي حالة حصول الحزب الوطني على 95 في المئة من المقاعد في الانتخابات البرلمانية القادمة سنكون ازاء كارثة مثلما حدث تزوير لإرادة الناخبين في انتخابات ،1995 مضيفا ان مطلبنا ليس معارضة مبارك في رئاسة مصر وانما في النسبة التي يحصل عليها الحزب الوطني لتكون 70 في المئة فقط وتخصص النسبة الباقية للأحزاب الاخرى بحيث نصبح ازاء فريقين في الملعب السياسي بدلا من ان يلعب الحزب الوطني وحده·
ورفض د· نعمان الافصاح عن عدد اعضاء حزب 'الوفد' بدعوى الخوف من الحسد مشيرا الى ان الشباب الذي يحضر اجتماعات الحزب يبلغ عدده 8 آلاف شاب بمحض ارادتهم وتوجد لجنة لحزب الوفد في كل محافظة ومدنية ويصدر 18 صحيفة اقليمية غير الصحيفة الأم لكن ما يعرقل العمل الحزبي في مصر هو سيادة اعتقاد لدى المواطن المصري بأن الانتقال الى صفوف المعارضة مخاطرة لدرجة ان بعض العائلات الوفدية تتوسط لدخول الحزب الوطني حتى تضمن نجاح مرشحيها في الحصول على عضوية البرلمان·
ورفض مقولة أن حركة 'كفاية' سحبت البساط من تحت اقدام احزاب المعارضة فمن حق كل مواطن ان يعبر عن رأيه ويدافع عن موقفه كما ان الاحزاب تتمتع بهياكل ومؤسسات وهو ما تفتقده الحركات الجماهيرية·
وأوضح ضياء الدين داود -رئيس الحزب العربي الناصري- ان عدم القدرة على طرح برامج تتواصل مع اهتمامات واحتياجات الجماهير لا ينطبق على الحزب الناصري بمفرده لأنه يرجع الى جمود الحياة السياسية والحزبية في مصر بحيث تحولت الاحزاب الى حجرة داخل شقة أو شقة مفروشة او صحيفة بسبب القيود القانونية التي تحكم نشاطها فلا يمكن عقد اي اجتماع لأعضاء الحزب مع الجماهير حيث تحاصر سيارات الشرطة وضباط الامن هذه الاجتماعات ويبلغ عدد رجال الامن ثلاثة اضعاف المجتمعين وهو ما يصيب المواطن بمرض التردد في الانخراط في عضوية الاحزاب السياسية بسبب المعاناة التي يراها جراء ما تتعرض له الاحزاب·
وتساءل: اين تجتمع الاحزاب السياسية في مصر؟ في محل البقالة أم المقهى أم البيت أم الشارع؟ ودعا الى انفراجة حقيقية حتى يمكن الحديث عن مستقبل الاحزاب مشيرا الى ان برامج الحزب العربي الناصري مطروحة عبر صفحات صحيفة 'العربي' الاسبوعية وتتلخص في طرح سياسات وإنجازات العهد الناصري سواء فيما يتعلق بالتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية ورغم ان التغيير سنة الحياة وطبيعة الامور فان الافكار الناصرية لم تتغير حتى الان حيث لا يوجد بديل لها·
المادة السيئة
ويرى ضياء الدين داود ان تجربة الاتحاد الاشتراكي العربي مازالت مطبقة في الحياة السياسية المصرية بشخوصها ومبانيها وأموالها وسلطاتها فكل مدير امن ورئيس مدينة وعمدة قرية ورئيس مصلحة عضو في الحزب الوطني الذي هيمن على الحياة السياسية من القمة الى القاعدة واختزلت القرارات المهمة في 'لجنة السياسات' التي تتبعه·
وأكد ان المادة 76 من الدستور المصري بعد تعديلها تعتبر أسوأ مادة في تاريخ القانون الدستوري على مستوى العالم حيث بلغت مساحتها صفحتين ونصف في حين ان المادة قبل تعديلها عبارة عن خمسة سطور وهو ما يهز ثقة الناس في وخبراء التشريع·
وقال كرم جبر -رئيس مجلس ادارة مؤسسة 'روز اليوسف'- اذا لم يحدث تطوير كبير في بنية الاحزاب السياسية في مصر في السنوات المقبلة فستزداد صعوبة موقف هذه الاحزاب حيث بدأت الجماهير البحث عن احزاب اخرى او الانضمام الى الجماعات المطالبة بالتغيير او البحث عن مظلة شرعية مشيرا الى عدم تحديد الهوية السياسية لبرامج الاحزاب فرغم جذور حزب 'الوفد' في المدن والقرى المصرية منذ عقود طويلة فان الصيغة الحالية لم تستطع تقديم رؤية سياسية عصرية تستقطب القوى الجديدة في المجتمع فالوفد يطرح افكارا قديمة وعند لحظة معينة ينادي بالتغيير كما أن 90 في المئة من المصريين عازفون عن التعاطي مع السياسة·
واشار الى ان برامج الحزب العربي الناصري تتلخص في الدفاع عن الفقراء والعدالة الاجتماعية· واعترض على قول ضياء الدين داود بشأن حبس حرية الاحزاب السياسية رغم المؤتمرات الجماهيرية الحاشدة التي تعقدها الاحزاب والمظاهرات المستمرة لحركة 'كفاية' بل ان الجماهير استفزت رجال الشرطة في بعض الاحيان وتحولت مهام الامن من مطاردة المتظاهرين الى حمايتهم·
وطالب بألا يمتد قانون الطوارئ الى التعامل مع المتظاهرين وانما يطبق على جرائم المخدرات وأعمال الارهاب، حفاظا على حقوق القوى السياسية في الحركة·
واعترض نبيل زكي -رئيس تحرير صحيفة 'الأهالي'- على طرح د· عمرو عبدالسميع بشأن 'لغة الماضي' التي تتحدث بها احزاب المعارضة مشيرا الى ان 'الوفد' لا يتحدث عن اطلاق آليات السوق وانما عن ضرورة وضع ضوابط لعملية الخصخصة وتحديد دور الدولة في التعليم والصحة ولا يعني ذلك تطبيق ليبرالية مطلقة، فلم تكن هناك ليبرالية مطلقة قبل ثورة يوليو 1952 وانما كان هناك نضال من اجل الديمقراطية وجاءت ثورة 1952 في زحام المعركة ضد الاستعمار لتقيد الحريات العامة، وهو خطأ كبير لأن الحريات السياسية تحمي المكاسب الاقتصادية والاجتماعية·
وقال ان الرئيس الراحل انور السادات له الفضل في وضع مصر على اول طريق للتعددية السياسية وابتدع المنابر داخل الاتحاد الاشتراكي والتي سرعان ما تحولت الى احزاب، وفي نهاية حكمه حدث تضييق على الحريات وانتهى الامر باغتياله ومجيء الرئيس حسنى مبارك الى الحكم ومع استقباله للمعتقلين السياسيين في قصر الرئاسة بدأت ملامح عصر جديد لتلافي سلبيات الحكم الناصري والساداتي خصوصا وان مبارك أكد اننا مواطنون ولسنا عملاء او خونة· واستبشر الشعب المصري خيرا بتعديل المادة 76 من الدستور المصري لكن ترزية القوانين رفضوا الانصياع لرغبات المصريين المطالبة بالتحديث والتطوير وتغيير الدستور ككل من خلال اساتذة القانون وخبراء الدستور وليس نواب الحزب الوطني واصبح نص المادة تعجيزيا·
وانتقد ممتاز القط -رئيس تحرير صحيفة 'أخبار اليوم'- مقاطعة احزاب المعارضة لانتخابات الرئاسة، وهو ما يعتبر هروبا من الساحة السياسية رغم انها فرصة تاريخية للاحزاب لتقديم شخوصها وبرامجها·
واوضح د· وحيد عبدالمجيد -نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب- ان الهدف من الحوار هو التأكيد على ان مستقبل مصر مرهون بأن تكون الاحزاب عماد النظام السياسي، خصوصا مع بروز ملامح للتغيير والحزب الوطني له مصلحة في تحريك وتنشيط احزاب المعارضة، بسبب نشأة حركات جديدة رغم ان قدرتها على الجذب محدودة ومن يشاهد ويتابع الاحداث في مصر من الخارج يشعر بانعدام وجود وليس مجرد غياب دور للاحزاب في مصر·
ويرى د· محمد صفي الدين خربوش -وكيل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة- ان نص المادة 76 من الدستور بضرورة حصول المرشح لانتخابات رئاسة الجمهورية على تأييد 250 من اعضاء البرلمان ومجلس الشورى والمجالس المحلية ليس تعجيزيا وانما يعتبر نصف تعجيزي للمستقلين بالاضافة الى انه سيسمح لكل الاحزاب بخوض الانتخابات الأساسية القادمة ومع تطبيق نظام يجمع بين الفردي والقائمة في انتخابات الانتخابات البرلمانية عام 2010 يمكن للاحزاب الحصول على نسبة 5 في المئة من المقاعد·
وأكد ان احد معايير قياس قوة الاحزاب السياسية هو القدرة على التكيف مع تغير الظروف الاقليمية والدولية وتغير الاجيال، مضيفا ان هناك اجيالا لم تعاصر حزب 'الوفد' وتسعى الحركات الجديدة في المجتمع الى استقطاب الاجيال الشابة ومخاطبتها بلغتها في الوقت الذي يطرح فيه 'الوفد' رؤى متميزة مثل الليبرالية السياسية والعدالة الاجتماعية ولكنه لم ينجح في تقديمها بصورة تلائم متغيرات العصر·

اقرأ أيضا

الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا تجيز عودة روسيا