الاتحاد

الملحق الثقافي

كتاب الخطب النوبلية

جرت العادة منذ منذ 1901م، وهو تاريخ منح اول جائزة من جوائز نوبل وإلى اليوم، أن يلقي الفائز بالجائزة خطاباً في حفل تسليم الجوائز، وأصبح الأمر تقليداً راسخاً. وهكذا.. وفي د­يسمبر من كل عام توافد على «ستوكهولم» جل الفائزين بالجائزة، وألقوا بالمناسبة خطباً غير تقليدية وغير بروتوكولية. ولما كان عدد الفائزين بالجائزة 109 أدباء ينتمون إلى جنسيات مختلفة وكتبوا بـ 25 لغة، فإن الحصيلة هي 109 خطابات/ نصوص بديعة في مضمونها وأسلوبها عكست التواضع الجم للفائزين.
دار النشر الفرنسية «فلاماريون» خطرت لها فكرة جمع كل تلك الخطب التي ألقاها الفائزون بجائزة نوبل للآداب عند تسلمهم الجائزة، ونشرها كاملة في كتاب جاء في مقدمته: «إن جل الفائزين استجابوا لهذا التقليد المتمثل في إلقاء خطبة عند تسلمه الجائزة، وحصلت حالات نادرة اعتذر فيها بعضهم عن عدم الحضور بسبب المرض، فقد اعتذر نجيب محفوظ – مثلاً - عن عدم حضور حفل توزيع الجوائز، لتنوب عنه ابنتيه. كما غاب صامويل بيكت عام 1969م وكلف ناشره جيروم ليندن (Jérôme Lindon) بتسلم الجائزة عنه. أما الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر فقد رفض عام 1964م الجائزة في حين أن (باسترناك - BORIS PASTERNAK) وقع تحت ضغط الحكومة السوفييتية عام 1958م ولم يتسلم جائزته.
ومما جاء في خطاب الأديب الفرنسي روجيه مارتان دي غارد ( ROGER MARTIN D u gARD) الفائز بجائزة نوبل عام1937م:«كنت شابا يافعا عندما طالعت رواية للإنجليزي توماس هاردي (THOMAS HARDY) وقرأت على لسان أحد أبطال الرواية: «إنّ قيمة الحياة الحقيقية تبدو في مأساتها. هذه الفكرة وجدت هوى في نفسي، وكنت ولا زلت في مسيرتي الأدبية اعتقد أن المحور الأساسي والمركزي للرواية هو نقل والتعبير عن كل ما هو مأسوي في الحياة، أما الأديب والروائي الفرنسي ألبير كامو (ALBERT CAMUS ) الحاصل على جائزة نوبل عام1957م فألقى خطاباً جاء فيه: «مهما تكن عوائقنا الذاتية، فإن الكتابة يجب أن تبقى دائما منغمسة في التزامين لا بد من المحافظة عليهما: رفض الكذب عما نعلمه ومقاومة الظلم». وكانت الفكرة الأساسية في خطاب جون شتاينباك الروائي الأميركي الفائز بالجائزة عام 1962م، هي قوله:«إنّ الكاتب مكلف بتأكيد نبل القلب وفكر الإنسان وإبراز شجاعته وحبه في حرب لا تنتهي ضد اليأس».
وبعد حصوله على جائزة نوبل للآداب عمل شتاينباك مراسلاً حربياً أثناء حرب فيتنام،وكان عمره وقتها 64 عاماً، وخلال ستة أشهر ولغاية ربيع عام 1967م حرر 86 تقريراً أو مقالاً روى فيها ما رآه في فيتنا. واللافت أن الروائي الأميركي كان مسانداً للحرب الأميركية في فيتنام!. فالولايات المتحدة الأميركية الحاملة لواء الديمقراطية، حسب تعبيره، تحارب نظاما غاشما في فيتنام، وهو لا يرى أن الجيش الأميركي محتل وظالم للفيتناميين. ورغم احتجاج الشباب الأميركي ضدّ هذه الحرب فإن شتاينباك الحاصل على جائزة نوبل وقف ليعلن أنها ويرى أنها «حرب عادلة»!، ثمّ إنه كان يرى ضرورة مساندة الرّئيس الأميركي ليندن جونسن، لكنه، بحسب شهادة زوجته، عاد من الجبهة برأي مخالف، وبعد أن كان من الصقور بالنسبة إلى حرب فيتنام أصبح من الحمائم، علماً بأنه توفي في عام 1968م.
وفي شهادته، قال الأديب والروائي الفرنسي جان - ماري جوستاف لوكلوزيو إن الحرب التي عاشها هي التي ولدت فيه الرغبة في الكتابة، مضيفاً: «كنا جياعاً وخائفين ونرتعش من البرد. كل ذلك ولّد فيّ الرغبة للفرار وبالتالي للحلم ولتحرير تلك الأحلام. ثم إن المطالعة - بالنسبة للكاتب اليافع الذي كنت ـ حولت الحلم إلى حياة وحوّلت الحياة إلى قصص وخرافات، وروت لي أميّ أن أوّل ما دونته كانت تتمّات كتبتها للقصص التي كنت أطالعها لأنني كنت حزينا لنهايتها، وكنت أريد ابتكار وتأليف خاتمة أخرى لكل قصة لا تعجبني النهاية التي اختارها لها مؤلفها».
نجيب محفوظ الذي أناب عنه من ألقى خطابه استهله قائلاً: «أخبرني مندوب جريدة أجنبية في القاهرة بأنه لحظة إعلان اسمي مقروناً بالجائزة ساد الصمت، وتساءل كثيرون عمن أكون - فاسمحوا لي أن أقدم لكم نفسى بالموضوعية التي تتيحها الطبيعة البشرية. أنا ابن حضارتين تزوجتا في عصر من عصور التاريخ زواجاً موفقاً، أولاهما عمرها سبعة آلاف عام وهي الحضارة الفرعونية، والثانية عمرها ألف وأربعمائة سنة وهي الحضارة الإسلامية. ولعلي لست في حاجة إلى التعريف بأي من الحضارتين لأحد منكم، وأنتم من أهل الصفوة والعلم».
وروى نجيب محفوظ في خطابه القصة التالية:
«تقول أوراق البردي أن أحد الفراعنة قد نما إليه أن علاقة آثمة نشأت بين بعض نساء الحريم وبعض رجال الحاشية. وكان المتوقع أن يجهز على الجميع فلا يشذ في تصرفه عن مناخ زمانه. ولكنه دعا إلى حضرته نخبة من رجال القانون. وطالبهم بالتحقيق فيما نما إلى علمه، وقال لهم إنه يريد الحقيقة ليحكم بالعدل. ذلك السلوك في رأيي أعظم من بناء امبراطورية وتشييد الأهرامات وأدل على تفوق الحضارة من أي أبهة أو ثراء. وقد زالت الإمبراطورية وأمست خبراً من أخبار الماضي. وسوف تتلاشى الأهرامات ذات يوم لكن الحقيقة والعدل سيبقيان ما دام في البشرية عقل يتطلع أو ضمير ينبض».
والفكرة الأساسية لخطاب نجيب محفوظ هي «أن الإنسان يتذكر ما يؤلمه أكثر مما يسره» مستشهدا بقول المعري:
إن حزناً ساعـة الموت
أضعاف سرور ساعة الميلاد.

ط.ب

اقرأ أيضا