الاتحاد

الملحق الثقافي

الشعرية.. المنسيّة

لأنها منسية وموؤودة في صحائف الماضي القريب والبعيد، ولأنها مما يندر التفكير فيه، وتعسر العودة به من الهامش إلى المركز كشحنة ثقافية معافاة، وحس تعبيري عميق الصدق، ودلالة على الانفلات من قيود المواضعات الاجتماعية المزمجرة في وجه كل حركة تحن إلى الحرية والانفتاح خلف السياجات.
ولأنها صاهلة كالدفء في مجرة شعرية تجمدت أوصالها من السكون والمراوحة والاستكانة إلى أغراض نخرها الاستنساخ، ودبّ فيها التكلس والعقم. ولأنها أرض بكر، لم تُحرك بعد، ولم تعرف طوبوغرافيتها ولا ملامحها.. لهذه الأسباب كلها اختار مؤلف كتاب (شعرية الحمامات)، الباحث والشاعر المغربي أحمد بلحاج آية وارهام، أن يستعمل صفة الشعريّة كإطار عام للحفر في الحمامات طقوسا وعمارة وظاهرة اجتماعية رافقت الإنسانية منذ أزمنة سحيقة.

مهملة شعرياً
يتساءل المؤلف: كيف نُفسر خُلو دواوين معظم شعرائنا الكبار من شعر يتناول الحمّاَم؟
وكيف نقبل بهذا الفراغ دون أن تلدغنا أفعى الشك، ويؤرقنا سؤال الغياب؟.
ألم يكونوا يغشون الحمامات العمومية ذات الصدى العالي؟ ألم تكن لهم فيها صبوة؟ أو جفوة؟ أو طرفة مستملحة؟ أو نادرة مستظرفة؟.
أليس فيهم من كان نزاعا إلى اقتناص اللذات، ميالا إلى كشف المخبوآت؟ ففيم إذن ذلك السكوت؟ ومن كان وراءه؟ وما الجهة التي ألبست ألسنة عظماء شعرنا عن القول في الحمام، أو عملت على إقصاء قولهم فيه ومحوه؟.
تلك أسئلة يتشظّى بها الباحث في هذا المجال دون أن تسعفه مدونة الشعر في لملمة شظاياه، خاصة إذا أمَّ دواوين مشاهير الكتاب ، فهذه الشعرية انحرفت عنهم وازورت أو انحرفوا عنها.
ومن ثم ، يقول المؤلف: «قادنا الهاجس إلى الشعراء المنسيين، والمهمشين والمغمورين، وإلى ما تناثر من أشعارهم في كتب الأدب والتراجم والنوادر والأمالي، وكتب التواريخ والمجالس والمسامرات لجمع ما تفرق فيها من شعرٍ لهم عن الحمامات، وبنائه وفق خطة؛ استضاء البحث فيها بـ«مناهج» لها حضورها في المعرفة الحديثة».
ويرى المؤلف أن تراثنا يزخر بضروب من القول الشعري تتجاوز مألوف أغراضه، وتحلق بسربها في سماء قلما سلكتها مخيلة أو شغف بها طبع، ومن هذه الضروب الشعرية ما يمكن أن نطلق عليه «شعرية الحمامات»، فهو نسيج كلامي استمد شرعيته من محيطه، فكان فضاؤها فضاء الحضارة العربية الإسلامية بزخمها، ورونقها، وثرائها، وخصوصياتها.

فضاء سحري
ليس بدعا أن تكون حضارة كهذه ملهمة مثيرة لوجدان شاعر، وخيال أديب، فقد تحفل – إلى جانب الدقة والإتقان – بالذوق والإمتاع والابتكار، وإبهار الحواس، وإسعاد الروح، سواء أتعلق الأمر بالصناعات في مختلف ألوانها أم بالمعمار في شتى أشكاله ومقاصده. وتكفي نظرة إلى ما بقي شاخصا منها للتيقن من فرادتها، وبعد نظرها فيما أبدعت من مساجد وقصور، ومنازل ودور، وأسبلة مياه، وأروقة أسواق، وحدائق ومتنزهات، وأبراج و«صقالات»، وقلاع وحصون وحمامات، فهذا الزخم العمراني بهندسيته وتلويناته كفيل بإثارة الحس، وإغناء الشعور، وإمتاع العقل، وإطلاق الخيال في أودية عبقر الشعرية، وانطلاق الألسنة، فالروعة دهشة تخلق جذوة الإبداع والرتابة رماد يُطفئ شهوة النزوع إلى الذرى.
فالبناء الثقافي، في الماضي، يقول المؤلف، لم يكن خاضعا لهندسة ذات بعد واحد، بل كان ممثلا لصحوة الاختلاف ولمسة الائتلاف. الرؤية فيه رحبة، والأسس عنيدة وصلبة، والغاية هي التفرد في دائرة التجانس، والإحساس بالذات داخل هذا البناء؛ الذي هو رغم تباين غرفه يتواصل، ورغم تقابل أبوابه يتفاعل..
ومن ثم كان هذا التشكيل الحضاري المترف، والذي يهمنا منه هو جانب الحمامات، فهي – إن تركنا هدفها العام الذي أسست من اجله – موجة من بحر هذه الحضارة، ودرجة من درجاتها، تجمع بين شعرية المكان، وشعرية الحقبة، وشعرية الهندسة، وشعرية الطقوس، ولا تختلف في ذلك حمامات دمشق عن حمامات القاهرة، ولا حمامات بغداد عن حمامات اشبيلية وقرطبة وغرناطة… ولا حمامات إيران عن حمامات تركيا… ولا حمامات فاس وتطوان عن حمامات طنجة ومراكش ووجدة وتلمسان وتونس والقيروان إلا في لمسات تهجس بها الجهة، وتشي بطابعها.
وهذا الثراء المعماري في الحمامات ليس بذخا، ولا ترفا مقيتا، وإنما هو ضرورة حياتية فرضها مستوى العيش العام، وتطلبها إيقاع التطور، ولذا نجد عامة الناس لا يعتبرون ما تشتمل عليه الحمامات من روعة البناء وآيات الفن – إذا قيس بآيات عمرانية أخرى – شيئا جديرا بالإعجاب والانبهار إلا عند الذين لم يروا في حياتهم نعيما قط. ومن هنا أرسلوا مثلهم الشعبي »الى عمرو ما شاف الخير يتنزه ف قبة الحمّام». ولقد حاول الشعراء أن يلجوا هذا الفضاء السحري المُؤسطر ويعانقوه، وأن يصهروا ذاتهم في ذاته، ويسكبوا من خلجاتهم مرايا تظهر منه ما خفي وتقرب ما بعد.
كل ذلك في شعرية تبتكر لغتها وتندلع، وتسكب ألوانها وتتوهج، إنها شعرية تلد معجما لم يولد في المعاجم مثله، وتفتح سكنا في أزمنة الإسكان الشعري، وتفجر عينا لم تفسدها أنفاس النمطية القاتلة، وتشكل عالما ثريا مبهجا، مرحا، فيه عجائبية وغرابة، وطرافة ودعابة، وبساطة وأناقة، ونافذ بصيرة لا يخلو من مفارقة.

وظيفة تطهيرية
لم يكن في مقدور روما الإمبراطورية أن تقدم لجماهيرها الحضرية فرصة المشاركة الفعالة في الشؤون العامة كما فعلت أثينا لمواطنيها، كما لم تستطع أن تمنحهم ذلك الشعور الذي يمارسه المواطن الأثيني.. الشعور بالذاتية المستقلة التي كان ينمّيها التجمع العام في الساحة، والمعبد والمسرح المدرج.
فالأبنية العامة الضخمة في روما – مثل الحمامات العامة وساحات الاحتفالات – كانت تقوم بدور التلهية، وتصريف المكبوت، والإقصاء بدلا من المشاركة.
أما الحمام العربي الإسلامي، حسب المؤلف، فهو يتكون من فضاءات توضع في الظلام والسر، يدخلها من يجد نفسه غير نقي، وغير منسجم مع ذاته، ليترك أوضاره فيها، ويخرج منها نظيفا صافيا مستعدا للصلاة والعبادة، فهذا المكان يمتلك الوظيفة التطهيرية التي يفرضها الدين الإسلامي، ومن ثم يكون موقعه غالبا بالقرب من المسجد في أي حي من أحياء المدينة.
مضيفا أن الحمامات لم تكن مزينة من الخارج فحسب، وإنما انصب اهتمام المهندسين أيضا على الداخل ، حيث يظهر فنهم الرفيع في استعمال الموزاييك الثمين، والمرمر النادر، والرخام الأبيض منه والمُزجذَّع، والمعادن الموشاة بالذهب واليَشب، والخشب المنقوش المطعم باللآلئ.
ويتحدث المؤلف في الفصول الأخرى من الكتاب القيم عن الحمامات في فاس، ويفرد فصلا للحديث عن منظومة الفنون التي أسهمت في جماليات الحمامات.
ويفرد الباحث الفصل الخامس والأخير من كتابه للحديث عن تبلور الحركية الشعرية في رحم الحمّامات.

اقرأ أيضا