الاتحاد

تقارير

زوبعة الغاز تُعيد أوروبا إلى الطاقة النووية

الأوروبيون يبحثون عن مصادر طاقة تحميهم من إغلاق  الصنابير

الأوروبيون يبحثون عن مصادر طاقة تحميهم من إغلاق الصنابير

يبدو أن زوبعة الغاز الطبيعي المثارة حالياً في أوروبا، قد امتد غبارها إلى المجال النووي، فمع احتدام الخلاف بين روسيا وأوكرانيا الذي ألهب شكوك الأوروبيين حول تأمين احتياجاتهم من الطاقة بدأت تتجاوز العديد من الحكومات وتتغلب على ''عقدة تشيرنوبل'' لتعود بقوة إلى الحديث عن الطاقة النووية على أمل أن تساهم في إنتاج الطاقة محلياً دون الاعتماد على الخارج· فقد أعلنت هذا الأسبوع سلوفاكيا وبلغاريا، وهما من أكثر الدول تأثراً بانقطاع إمدادات الغاز الطبيعي، عن احتمال إعادة تشغيل المحطات النووية التي تعود إلى الحقبة السوفييتية بعدما فككتها خلال السنوات الأخيرة قبيل انضمام الدولتين إلى الاتحاد الأوروبي الذي لجأ بعد كارثة تشيرنوبل في عام 1986 إلى تشجيع دول أوروبا الشرقية على إغلاق منشآتها النووية القديمة، بل وفر لها التمويل الضروري للقيام بذلك· ورغم الاجتماع المتوقع بين قادة روسيا وأوكرانيا خلال الأسبوع الجاري في موسكو لمناقشة أزمة إمدادات الغاز الطبيعي المندلعة بينهما، يخشى المراقبون أنه حتى في حال رجوع إمدادات الغاز الطبيعي إلى وضعها السابق فإن الأزمة قد تتكرر في الشتاء القادم، لا سيما وأنها السنة الثالثة على التوالي التي تعيش فيها أوروبا انقطاعاً في إمدادات الطاقة·
هذه المشاكل المتكررة في إمدادات الغاز الطبيعي دفعت الحكومة الإيطالية إلى الإعلان مؤخراً عن نيتها الرجوع إلى الطاقة الذرية، رغم عقدين متتالين من الالتزام الرسمي بالابتعاد عن هذا المصدر لتوليد الطاقة والاكتفاء بالغاز الطبيعي، وهو ما عبر عنه وزير الطاقة الإيطالي، ''كلوديو ساجولا''، قائلاً ''إن ما حدث في الآونة الأخيرة جعل الإيطاليين يدركون أهمية الأمن في مجال الطاقة، لذا يتعين علينا الرجوع مجدداً إلى الطاقة النووية إذا أردنا التقليل من اعتمادنا على أمزجة الآخرين''· ففي 1987 وبعد عام على انتشار غبار تشيرنوبل المشع فوق أوروبا، صوت الإيطاليون في استفتاء عام على إلغاء البرنامج النووي الإيطالي، لكن اليوم أقدم منظم الحملة المناهضة للطاقة النووية على تغيير رأيه، معتبراً أن الوقت قد كان كي تمنح إيطاليا فرصة لتجريب الطاقة النووية· ويقول في هذا الصدد منظم الاستفتاء الإيطالي ''تشيكو تيستا'' الذي صوت ضد الطاقة النووية، وأحد أبرز المدافعين عن البيئة ''إن الأزمة الحالية تشير بوضوح إلى مدى هشاشتنا إزاء الاضطرابات الجيوسياسة، بحيث يتعين علينا تنويع مصادرنا، وهو ما يعني الانفتاح على الطاقة النووية''، مضيفاً ''إن الأمر شبيه بالعزف على البيانو، لكن بالضغط على مفتاحين فقط: النفط والغاز الطبيعي''· ومع أن الجماعات المدافعة عن البيئة تستمر في مناقشة الموضوع، فإن الرغبة في خفض انبعاث ثاني أكسيد الكربون تشجع على إحياء الاهتمام بالطاقة النووية، وفي هذا الإطار اعترف ''تيستا'' بأن الاستفتاء الذي ساهم في تنظيمه قبل سنوات كان خطأ، كما عبر عن دعمه في كتاب أصــدره مؤخراً لفكرة الطاقات المتجددة والطاقة النووية·
ورغم التأييد الذي أظهرته الحكومة المحافظة في إيطاليا للطاقة النووية في السنة الماضية، فإنها لحد الآن لم تتخذ خطوات ملموسة لتنفيذ الفكرة والبدء في بناء مفاعلات نووية، حيث يظل الدعم الشعبي ضعيفاً نسبياً، وإنْ كان قد تصاعد خلال الفترة الأخيرة، حسبما أظهرته استطلاعات الرأي، التي نُشرت نتائجها قبل شهرين، كما أن أزمة الغاز الراهنة من شأنها حشد تأييد أكبر لمساعي إحياء الطاقة النووية· وتعد إيطاليا ثالث أكبر مستهلك للغاز الطبيعي في أوروبا بعد ألمانيا وبريطانيا، حيث تعتمد على الخارج وتحديداً على الجزائر وروسيا لتأمين 85% من احتياجاتها، كما أنها أحد أكبر مستوردي الكهرباء في العالم، الذي يأتي معظمه من المفاعلات النووية الفرنسية· وإذا ما عادت إيطاليا إلى برنامجها النووي، فإنها لن تكون المرة الأولى التي يتخلى فيها بلد في أوروبا الغربية عن مواقفه المناهضة للطاقة النووية بسبب خوفه من انقطاع الإمدادات الروسية من الغاز الطبيعي، إذ سبق لقادة ألمانيا أن أعلنوا في عام 2000 عن خطة للتخلص التدريجي من 17 مفاعلاً نووياً تؤمن حوالي ثلث حاجيات البلاد من الكهرباء، لكن بحلول عام 2007 أوقفت المستشارة أنجيلا ميركل عملية التفكيك بعدما عطلت روسيا أحد أنابيب نقل النفط الذي يزود ألمانيا بعشرين في المائة من احتياجاتها النفطية·
لكن رغم ما قد تشهده الطاقة النووية من شعبية في القارة الأوروبية، لا سيما بعد موجة البرد التي تضرب أوروبا، تعتقد ''أريانا تشيتشي''، الخبيرة في مجال أمن الطاقة بمركز دراسات السياسة الأوروبية في بروكسل أن عملية تطوير الطاقة النووية بطيئة وذات سلبيات عديدة، موضحة ذلك بقولها ''إن بناء محطات نووية لإنتاج الطاقة يتطلب سنوات من العمل وتكاليف تتراوح بين اثنين إلى ثلاثة مليارات يورو، ناهيك طبعاً عن متطلبات السلامة وما يصحبها من خطورة'' في إحالة إلى مسألة الانتشار النووي وكيفية التخلص من النفايات النووية· وتعبر الخبيرة الإيطالية عن شكوكها خصوصاً فيما يتعلق ببناء محطات نووية في بلادها، حيث البيئة السياسة غير مستقرة وشديدة التعقيد، مشيرة إلى أنه في بلد مثل إيطاليا ''يتعين التفكير ملياً قبل إطلاق مشاريع كبرى، ذلك أن مساندة الحكومة الحالية لتلك المشاريع لا يعني أنها ستحظى بدعم الحكومات اللاحقة''· وفي بريطانيا يجري حالياً تنفيذ خطط لبناء على الأقل أربع محطات نووية جديدة، كما أعلنت هذا الأسبوع اثنتان من أكبر شركات الطاقة في ألمانيا استثمارهما 30 مليار دولار في مشاريع نووية·

آنا موميجليانو-إيطاليا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا