الاتحاد

تقارير

الحكومة التركية··· توتر متصاعد مع الخصوم

هل تضع حكومة أردوجان حداً لدور العسكر في السياسة؟

هل تضع حكومة أردوجان حداً لدور العسكر في السياسة؟

لقد تعمقت التحقيقات الجارية حول مؤامرة مزعومة يدبر لها العلمانيون الوطنيون المتطرفون لقلب الحكومة التركية الحالية، إثر اعتقال عدد من كبار قادة وضباط الجيش الأسبوع الماضي، والعثور على عدد كبير من الأسلحة المخبأة· وبينما تجري التحقيقات التي تستهدف التصدي للقوى المعادية للديمقراطية في السياسات التركية كما يفترض، تتزايد المخاوف في ذات الوقت من أن تؤدي التحقيقات نفسهـــا إلى تصعيد التوتر القائم أصلاً ما بين الحكومة والمؤسسة العسكرية المعروفة بقوة نفوذها·
وقد عبر عن هذه المخــــاوف ''جاريــــث جينكنـــــز'' -خبير في شؤون الأمن التركي، يقيم في مدينة إسطنبول- بقوله: فيما لو مضت التحقيقات لإثارة الاتهامات في مواجهة الضباط الذين يخضعون لها على النحو الذي نراه الآن، فمن الأرجح أن يؤدي ذلك إلى وضع في غاية الخطورة الأمنية والسياسية، بسبب وجود فجوة ثقة كبيرة جداً بين الجيش والحكومة· والذي نخشاه أن يعتقد الجيش أن الحكومة قد سعت للنيل منه عبر هذه التحقيقات· وعندها سوف تأتي ردة فعله عنيفة وكارثية دون أدنى شك· يذكر أن التحقيقات حول المؤامرة المزعومة قد بدأت منذ شهر يونيو من عام ،2007 وأسفرت حتى الآن عن اعتقال نحو 100 من المشتبه بهم، بمن فيهم أربعة من كبار جنرالات الجيش المتقاعدين، وكذلك عدد من كبار الساسة والصحفيين والأكاديميين·
وحسب قائمة الاتهامات المثارة بحق بعض المعتقلين، فقد كان يأمل المشاركون في هذه المؤامرة، في الإطاحة بحكومة حزب ''التنمية والعدالة'' الحاكم، المعروف بميوله الإسلامية، وذلك عبر نشر حالة من الفوضى العامة وتنفيذ الاغتيالات في عدد من كبار الشخصيات، ما يرغم الجيش على التدخل لإعادة النظام وتخليص البلاد من حالة الفوضى تلك·
وضمن التطورات التي استجدت على التحقيقات الجارية، العثور في الأسبوع الماضي على عدد كبير من الأسلحة المخبأة، قادت إليها بعض الخرائط والقصاصات الورقية التي عثر عليها داخل منازل بعض المعتقلين· وتمكنت قوات الشرطة من وضع يدها على مجموعتين كبيرتين من الأسلحة المدفونة في إحدى ضواحي العاصمة أنقرة· وشملت الأسلحة عدداً من القنابل اليدوية والمتفجرات المطاطية والذخائر· وبالنسبة للكثير من الأتراك، فقد أتاحت التحقيقات والاعتقالات والأسلحة التي عثر عليها مؤخراً، فرصة للنظر في تلك المنطقة الرمادية الغائمة التي تسمى اصطلاحاً بـ''دولة الباطن''، حيث تتداخل وتتقاطع المصالح الحكومية مع مصالح وأهواء العناصر الفاسدة في كل من جهاز الدولة والجيش والمؤسسة الأمنية·
وعلى حد قول ''شاهين ألبي'' أستاذ العلوم السياسية بجامعة باهسيسهر في إسطنبول، فإن هذه قضية تاريخية، لكونها توفر فرصة ثمينة للمؤسسة السياسية التركية كي تضع حداً للتدخل العسكري، ولكي تطهر صفوفها من الارتباطات غير المشروعة بين الهيئات والمؤسسات الحكومية وتلك العناصر الشبيهة بالعصابات وأفراد المافيا· وقد سبقت الإشارة من قبل إلى أن التحقيقات في القضية هذه كانت قد بدأت في شهر يونيو من عام ،2007 إثر العثور على عدد من القنابل اليدوية في منزل أحد جنرالات الجيش المتقاعدين· وبسببها تصاعدت التوترات ما بين الحكومة والمؤسسة العسكرية التي طالما اعتبرت نفسها حامية للتقاليد العلمانية التركية، وسبق لها أن أطاحت بأربع حكومات من قبل· وبسبب اعتقال ثلاثة من الجنرالات المتقاعدين، بإلاضافة إلى تسعة من الضباط العاملين في الخدمة الأسبوع الماضي، سارع ''إيلكر باسبوج'' القائد الأعلى للجيش إلى دعوة رئيس الوزراء طيب رجب أردوجان لاجتماع طارئ·
وفي الوقت نفسه علت أصوات أقسام أخرى من المؤسسة العلمانيــــة في البـــلاد -من بينها الجهاز القضائي- تنديداً بمسار التحقيقات الجارية، واصفة الحكومة بأنها تستغلها أداة لإسكات معارضيها وتصفية حساباتها معهم· وعقب اعتقالات الأسبوع الماضي، صرح ''دنيز بيكال'' زعيم ''حزب الشعب الجمهوري'' الرئيسي المعارض خلال مؤتمر صحفي له قائلاً: نحن نشهد مواجهة مكشوفة الآن ضد القيم الرئيسية التي قامت عليها الجمهورية التركية· والذي نراه ليس أقل من عملية ''تغيير نظام''·
وبالمثل انتقدت كل من جمعيات القضاة والمحامين الطريقة التي تجرى بها التحقيقات· وعن جمعية المحامين قال ''معمر عايدين'' رئيس الجمعية: نحن نبدي قلقاً من جانبنا إزاء سيادة القانون في تركيا، جراء الاعتقالات التي تعرض لها هؤلاء الأفراد، بسبب عملهم وحساسيتهم إزاء النظام الديمقراطي والدستور والعلمانية ووحدة البلاد· والذي يثير قلقنا أن هذه التحقيقات تصل إلى ما يشبه الانتقام·
وبسبب اعتقال عدد كبير من كبار وأنشط معارضي حزب ''العدالة والتنمية'' الحاكم، إلى جانب الشكوك، التي تطال بعض الأدلة المثارة في وجه المعتقلين، هناك من المراقبين من تساءل عما إذا كانت لهذه الاعتقالات والتحقيقات دوافع سياسية؟ ذلك ما عبر عنه المعلق السياسي ''محمد علي بيراند'' بقوله: إنني لا أرى في تحقيقات Ergonken -وهي التسمية المحلية السائدة لهذه التحقيقات- على أنها عملية فارغة، ولست أكتب بدافع التقليل من أهميتها أو شأنها· ولكن إن لم توضع في مسارها الصحيح كما ينبغي، فإنها سوف تسفر في نهاية الأمر عن خدعة كبيرة· فمع أنها بدأت من أجل البحث عن الحقيقة في الأساس، إلا أن حزب ''العدالة والتنمية'' أمسك بها واستغلها فرصة لتصفية حساباته مع معارضيه العلمانيين، وبالنتيجة أن التحقيقات اكتسبت في كل خطوة من خطواتها دوافع سياسية·

يجال شيلفر- إسطنبول
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا