الاتحاد

تقارير

سبات حضاري

لقد مللنا التفسيرات الأيديولوجية الجوفاء عن الاستعمار والصهيونية. إن مشكلة التخلف العربي والإسلامي كانت قبل أن تصبح بريطانيا إمبراطورية عظمى، وقبل اكتشاف أميركا، وقبل قيام الصهيونية العالمية، وقبل احتلال فلسطين.إنها مشكلة الانغلاق الفكري، التي بدئت منذ القرن الحادي عاشر الميلادي عندما تم تحريم التفكير، وخنق الدين. وبدئت محاكم التفتيش بالظهور. لقد بنى الدين الإسلامي حضارة متميزة واضحة المعالم ما تزال أثارها شاخصة رغم الزمن. لقد كان الدين الذي قاد إلى هذه الحضارة، هو دين رسول الإسلام، الذي منع المتاجرة بالدين واستعباد الناس، وكانت الحرية كبيرة، وقادت إلى إبداعات كبيره. أما الذين خنقوه وشوهوه هم الذين سببوا هذه الكارثة الحضارية الرهيبة.

لم يعد الدين كما كان، لقد أصبح ديناً جديداً ويزداد ابتعاداً عن دين الدعوة الأولى بزيادة تراكم البدع والانغلاقات الفكرية. لقد خنقوا روح الدين وحولوه إلى صنم لا روح فيه. لذا قُتل المعتزلة وابن عربي واُحِرقت كتب ابن رشد وحُرّمت الفلسفة والتفكير. لقد ظهرت محاكم التفتيش في أوروبا قبل الثورة العلمية، وكانت الثورة العلمية ناتجاً لاندحار المحاكم ومنشئيها، أما محاكم التفتيش الإسلامية، فقد نشأت بعد الثورة العلمية، وأدت إلى خنقها وكبح جماح التطور الفكري ومن ثم العلمي. في الغرب اندحرت محاكم التفتيش بالفكر العلمي، وعندنا اندحر العلم بمحاكم التفتيش. لو تسنى للرعيل الإسلامي الأول أن يعود ليحيا الآن بيننا، فإنه سيجد ديناً جديداً ومختلفاً عن الدين الذي عرفوه. إنه دين المفكرين الإسلاميين وليس دين رسول الله. لقد قادت محاكم التفتيش الإسلامية والانغلاق الفكري إلى أن يعود الدين الإسلامي المؤدلج إلى العرب عبر قوميات أخرى ليعيشوا مقيدين ما بين استعمار عثماني أو استعمار صفوي. لقد دمر المستعمرون الإسلاميون الإنسان العربي والمسلم وسرقوه أكثر من ما دمره وسرقه الاستعمار الغربي. للأسف يغض الجميع الطرف عن هذه الحقبة الطويلة جداً والحالكة السواد من التاريخ. إنها ما تزال تفعل أفعالها في الحاضر، وما يزال الدراويش يلعبون دورهم في التخدير والتنويم الجماعي، ويحاولون احتلال زمننا الحاضر من جديد. للأسف ما يزال الفكر العربي والإسلامي يعيش السبات الحضاري ولم يستوعب النكسات والهزائم. إن تراكمات قرون و قرون من التخلف والانحطاط لا يمكن أن تزول خلال عشرات السنين ومن دون إرادة في التغيير. العرب عاشوا التراجع الحضاري، فلأكثر من ستة قرون، عاشوا بعيداً عن الحضارة الإنسانية لأنهم تنازلوا عن حريتهم الفكرية. الحرية والعلم صنوان، فلا علم من دون حرية، ولا حرية من دون علم. والعرب الآن في مرحلة ما بعد التخلف وليس النهضة. هل سيدركون الواقع المرير بعيون علمية فاحصة ويبدؤون الحلم بالنهضة على الأقل أم سيبقون في موقع المبتلى لأنهم «مؤمنون.


د. محمد عز الدين الصندوق
أستاذ في جامعة (Surrey) بالمملكة المتحدة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «منبر الحرية»

اقرأ أيضا