الاتحاد

تقارير

خط «نابكو»...تحرير لأوروبا من الغاز الروسي

الاتفاق، الذي وُقع أول من أمس الاثنين بين الاتحاد الأوروبي وتركيا للبدء في أشغال إنشاء خط أنبوب غاز نابكو الممتد على طول 2000 ميل من بحر قزوين إلى النمسا - مما سيقلص اعتماد أوروبا على روسيا- وُصف بأنه محطة تاريخية مهمة بالنسبة لأوروبا المتعطشة للطاقة ويعني أنه بات بإمكان المستثمرين التحرك بشأن مشروع قيل وكُتب عنه أكثر مما فعل منذ 2002. غير أن الكثير من المحطات المهمة تظل ضمن اللعبة الجيوسياسية الكبرى حول الطاقة من القوقاز ووسط آسيا - والكثير منها له علاقة بالدب الروسي.

«إننا عاقدون العزم على إنشاء خط أنابيب نابكو في أسرع وقت ممكن»، هذا ما قاله خوسيه مانويل باروسو، رئيس المفوضية الأوروبية، معرباً عن موقف قوي وصارم. ويأتي ذلك بعد أن قلل رئيس الصندوق الوطني الروسي للأمن الطاقي، كونستانتين سيمونوف، الأسبوع الماضي من شأن الاتفاق ووصفه بأنه «مجرد ورقة». والواقع أن الاتحاد الأوروبي يشعر بضغوط قوية من أجل التحرك باسم أعضائه بعد شتاء قارس جداً واجهت خلاله الكثير من مناطق البلقان وجنوب أوروبا مدناً ومنازل متجمدة بسبب خلاف حول الغاز أو خلاف سياسي بين روسيا وأوكرانيا. وقد استوحي اسم أنبوب النفط من أوبرا حول التحرر من العبودية. وإلى جانب ممثلي الاتحاد الأوروبي، حضر مسؤولون من بلغاريا ورومانيا والمجر والنمسا، وهي الدول التي من المنتظر أن يمر فيها الأنبوب، التوقيع في العاصمة التركية أنقرة يوم الاثنين الماضي. ومن المتوقع أن ينافس المشروع الذي تبلغ كلفته 8 مليارات يورو (نحو 11 مليار دولار) مشروع خط أنابيب الغاز «ساوث ستريم» الذي تبلغ كلفة إنشائه 10 مليارات يورو (نحو 13.9 مليار دولار)، والذي سيمر أيضا تحت بحر قزوين، ملتفا على أوكرانيا، ويمكن أن يكون جاهزا في 2015، أي في العام نفسه الذي من المفترض أن تنتهي أشغال إنشاء نابكو. وقال سيمونوف لمجلة «نيو يوروب» الأسبوع الماضي: «إن باروسو يريد أن يُظهر للبلدان الأوروبية أنه جد نشط في ما يسمى أمن الطاقة الأوروبي»، مضيفاً «والحال أن باروسو إنما يريد فقط أن يقول لرئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين: «أرأيت؟ الآن لدينا هذا المشروع». ولكن أوروبا تزج بروسيا في لعبة خطيرة». غير أن خبراء الطاقة يقولون إن من شأن خط أنبوب طاقة تنافسي أن يشكل أداة سياسية استراتيجية مفيدة بقدر ما يمكن أن يكون مصدرا للطاقة بخصوص التعامل مع موسكو، وفي إرغام أوكرانيا وروسيا على تسوية نزاعاتهما. بيد أن نجاح نابكو التجاري ضعيف ويعتمد على الدعم الحكومي للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وقد خصص الاتحاد الأوروبي 200 مليون يورو (278 مليون دولار) لتمويل بداية الأشغال، على أن يأتي المزيد في إطار حزمة تحفيز توزَّع في 2009 و2010. وفي هذا الإطار يقول بول ستيفنس، الباحث المتخصص في شؤون الطاقة بمؤسسة شاتام هاوس في لندن: «إن نابكو سيقلب القواعد الاقتصادية لأنابيب الغاز رأسا على عقب»، مضيفا «فعادة يُفترض أن تجد الغاز أولا، ثم تنشئ خط أنابيب غاز؛ ولكن مشروع نابوكو يقضي ببناء خط الأنابيب أولا، ثم البحث عن الغاز لاحقا». ثم هناك سؤال رئيسي لم يجد إجابة عنه، ويتعلق بما إن كانت الحكومات وحقول الطاقة في الدول المزوِّدة - في أذربيجان وتركمانستان وكازاخستان وأوزبكستان - ستستطيع ضخ الغاز في خط الأنابيب في الوقت وبالإمكان التعويل عليها في هذا الصدد. ثم إنه خلال الأسابيع الأخيرة، وقعت أذريبجان اتفاقاً مع روسيا، ولكنها أعلنت في الوقت نفسه أنها ستبيع الغاز لنابكو. كما أعلنت تركمانستان من جانبها خلال اجتماع في براغ بجمهورية التشيك في مايو الماضي أنها لن تبيع الغاز لخط أنابيب نابوكو، ولكنها عادت الأسبوع الماضي وأعلنت أنها ستفعل. وفي هذه الأثناء، أفادت وكالة رويترز بأن المبعوث الأميركي الخاص المكلف بالطاقة ريتشارد مورنينجستار قال يوم الأحد إن روسيا حرة في تزويد خط أنابيب نابكو بالغاز إذا قبلت بها البلدان المشاركة في المشروع كشريكة؛ ولكنه أعاد التأكيد على معارضة واشنطن لاستعمال الغاز الإيراني. والحال أن الخبراء يرون أن الطاقة من مصر والعراق وإيران من شأنها أن تزيد من احتمال نجاح نابكو تجارياً حيث يقول «ستيفانس» من مؤسسة شاثام هاوس إن اتفاقاً إيرانياً وحده يمكن أن يجعله ناجحاً، مضيفاً أن ذلك كان يبدو ممكناً قبل الانتخابات الإيرانية، خاصة مع سعي الرئيس أوباما إلى فتح العلاقات مع إيران، ولكن «ما جرى هناك يجعل الأهداف التجارية الفورية أكثر قتامة بالنسبة لنابكو». وقد تسنى توقيع اتفاق أنقرة بعد قبول تركيا العدول عن المطالبة بـ15 في المئة من الغاز الذي يمر عبر الأنبوب لاستعمالها الخاص؛ ولكنها وافقت على رسوم عبورٍ نقدية مهمة. وفي هذا الإطار، يحذر جيل ميريت، مدير أجندة الأمن والدفاع، وهي مؤسسة بحوث في بروكسل، من أن هدف هذا الاتفاق هو التعالي والاستغناء عن موسكو، مضيفاً أن كل الأطراف في النقاش، بدءا بتركيا، سيكون من الصعوبة بمكان التعامل معها في كل مراحل المشروع. إلا أنه يقول أيضاً إن الاتحاد الأوروبي يمكن أن يتقدم بشأن اتفاق خط أنابيب الغاز كطريقة لفرض «عامل محفز لاستراتيجية أمن الطاقة في أوروبا». ويرى أن الاتفاق يمكن أن يفضي إلى تغيير في سياسة الاتحاد الأوروبي إذ يقول: «لدينا خطاب حول استراتيجية مشتركة بخصوص الطاقة، ولكنا اليوم في حاجة إلى تحديد التفاصيل... وبالتالي، فإن تضامن بلدان الاتحاد الأوروبي يواجه اختبارا حقيقيا اليوم».


روبرت ماركاند – باريس
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا