الاتحاد

دنيا

العنقودي: أستلهم من التراث تصميم بيت العمر

العنقودي في بيته  التراثي

العنقودي في بيته التراثي

جال الشاب خالد بن سعيد العنقودي في كثير من بلدان العالم، حاملا عشقه الجارف للتراث، كونه مهتم بتراثيات الشعوب لأنه مصمم مبدع يجمع ويمزج فن العمارة العربية الإسلامية والأوروبية ليخرجها في بوتقة جميلة ورائعة، وذلك بعد ما استمد تصميم منزله من معين التراث الخالد، مع عمل تحديث وتطوير بما يتماشى مع روح وفكر العصر وذلك بعد ما أصبح منزله متحفا يضم بين جنباته الكثير من الأدوات التراثية.

جماليات العمارة

يقول العنقودي: «تجولت بين أزقة عمانية ضيقة شبه مهجورة من ساكنيها والمبنية من الطين والجص، وهي متراصة الصفوف تتكون من دور إلى ثلاثة أدوار تفصل بينها ممرات ضيقة متعرجة، وهي حالة شبه فريدة من الهندسة المعمارية في تناسق جميل وفريد. فاهتممت بأدق التفاصيل المعمارية لها دارسا ومسجلا كل ما يتصل بها في دفتري، ثم اعتمدت على بعض تفاصيلها خلال بناء منزلي». يضيف: «أدهشتني ردهات وأسواق تراثية كسوق نزوى في سلطنة عمان، وسوق «خان الخليلي» في مصر، وسوق المدِينة في حلب بسوريا، وسوق سمسرة في صنعاء، وبازار شاه في أصفهان، وديلي هات في نيودلهي، التي بها من المشغولات والمصنوعات والتحف التراثية الكثير، ناهيك عن الآثار التاريخية لمسارح وقباب وأبنية ومقتنيات دفينة تاركة للزائر إليها أن يكتشفها. كما شملت زياراتي أيضا أشهر متاحف العالم في تركيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وغيرها، لأجمع وأدرس الكثير من جوانب هذه الآثار بالأخص فنون العمارة العربية الإسلامية والآسيوية والأوروبية، فكنت ألتقط صورا لمنازل تمثل وتحكي تراث البلد الزائر له، فقصدت تركيا واسبانيا وهي غنية عن التعريف ولها من الحضارة العربية من العمارة الى المساجد والقصور التي بنيت في القرن الرابع عشر، لتتكون لدي فكرة عن فن العمارة لديهم، كذلك عند عودتي جلبت بعض الأحجار من عدة دول التي استخدمتها في تزيين منزلي في زوايا الأركان الخارجية لفناء المنزل، وكذلك قمت بزيارة اليمن متجولا ومسجلا في مذكراتي فن العمارة اليمنية مارا على معظم المناطق اليمينية بما فيها (سيؤون ووادي حضرموت والمكلا وصنعاء وعدن) مستكشفا أسلوب العمارة الطينية اليمنية بعد ما بنوا منها ناطحات سحاب في (شبام) الأثرية ناهيك عن فنون العمارة للدول الأخرى».

مجلس الرجال

من يدخل إلى مجلس بيت العنقودي عبر الباب الرئيسي يجد أنه استوحى تصميمه من البوابات الكبيرة القديمة، يقول في ذلك: «استوحيت تصاميم نقوش الباب وزخرفته من البوابات القديمة فهي تثير إعجابي، وبذلك تصميمه يكون مكملا للتصاميم الأخرى بالبيت معطيا انطباعا للزائر عند دخوله باتجاه المجلس وكأنه يهم بالدخول إلى متحف متشعب، هذه الحالة من الأمزجة والأفكار لثقافات البناء ساعدتني على توليفها ومزجها بالعمارة العمانية في منزلي المتمثلة بالتشكيل شبه الحديث والمسمى «الجارلي» وهي قطع من الطابوق الإسمنت يمكن طلاؤها بألوان مختلفة مزينا بها الجدران الخارجية للمنزل وكذلك النوافذ الزجاجية الملونة لبيوت مطرح ومسقط القديمة مع تحديثها بعض الشيء». ويضيف: «أما مجلس الرجال فقد راعيت فيه إضافة بعض الجماليات التقليدية كوجود الروزنة والأرفف بما يتناسب مع النمط التراثي العماني القديم بعد ما أستوحيت جدرانه من منازل عمان الداخل المبنية من الجص والطين وهو ما يعطي الجدران سماكة وما يسمى بالمحلية «الطفال» حوالي نصف متر، حيث أن هذه الجدران التي استوحيتها تعمل على تقليل تأثير التذبذب في درجات الحرارة جراء الأشعة الشمسية والحرارة المفقودة للماء وتحافظ أيضا على الاتزان الحراري داخل أروقة المنزل، أن اللمسات التي أدخلتها بهذا المجلس التقليدي والتراثي يناسب أشعة الشمس القليلة التي تتسلل إلى جدران الجهة الجنوبية منه مقارنة بالجدران الواقعة في الجهة الشرقية والغربية مضيفا إليه بعض الخطوط والتشكيلات المتعرجة على هذه الجدران والتي استنبطت فكرتها من بلاد الشام، وكأنك تعيش في حقبة ما قبل مائة عام بعد ما تزينت هذه الجدران بصنوف من القناديل المعلقة، أما أخشاب الكندل التي جلبتها من جمهورية إيران الإسلامية والتي باتت تزين جداريات سماكتها 5 سم، مضيفا تحت هذه الأخشاب إضاءة زرقاء اللون مما يعطي عند إضاءتها ليلا جوا رومانسيا حالما، أما المدخنة الحجرية فهي الأخرى استوحيتها من مدافئ المنازل المكسيكية القديمة مرصعا جنباتها بأحجار جلبتها من إسبانيا حيث تحيط بها مقاعد أثرية قديمة».

مقتنيات نادرة

يحتوي البيت على أطقم أثاث ومقتنيات جميلة تزين جداريات المنزل في الفناء الخارجي والداخلي، يقول العنقودي: «جلبت مقتنيات من مناطق السلطنة وكذلك من عدة دول كثيرة مثلت زلاجة ثلجية قديمة عمرها 45 سنة أهدتني اياها أسرة سويسرية أقمت معها بسويسرا لفترة تزيد عن الشهرين، أضف لمقتنيات قديمة عسكرية ابتعتها من معرض للجيش السويسري، وكذلك لمشغولات مختلفة باتت تمثل تحف قديمة كخنجر قديم وقفير والمخرافة والشت والمنجرة والملهبة وسجاد سعفي وأبواب خشبية قديمة ومناديس وكذلك قدور ونعل بدوية مصنوعة من سعف النخيل وجرار فخارية وأواني وصواني نحاسية وأكواب وأباريق شرب الشاي والقهوة والماء وهي جلبتها من الهند وبنجلاديش وبورما وعدة دول، أضف الى بعض الحقائب التي هي الأخرى جلبتها من مملكة النيبال، أما المقاعد والطاولات قديمة بهيئتها الطبيعية دون تشطيبها وهي من أخشاب التيكود الفاخر والذي لا يتأثر بأشعة الشمس والمطر فهي أبتعتها وجلبتها من أسرة كمبودية».

فناء البيت

تتوزع في الفناء الخارجي للبيت مجموعة من الجرار الفخارية، تعمل على تبريد المياه بداخلها، يوضح العنقودي قائلا: «هناك عدد من الجرار مملوءة بالماء جانب البئر، وكذلك الجدوية والبرمة والمجمر، ناهيك عن وجود جرة كبيرة تسمى محليا «الخرس» ملأتها أيضا بالماء، حيث يشرب منها سكان البيت، كما وزعت في أركان هذا الفناء مجموعة من الأحجار النادرة والتي جمعتها من عدة أماكن وهي بأشكال مختلفة». ويسترسل العنقودي قائلا: «قمت بعمل مخطط بسيط وهو من تخطيطي وذلك على ورق كراسة مدرسية، وقد قسمت فيها المساحات بالتساوي والأفكار التي سوف أنفذها، تركت ذلك بشكل مبسط لتتناسب مع شكل البيت الشعبي والتراثي البسيط الذي أقيم فيه، وبدأت العمل بنفسي ولم أستعن بأحد أو بأي عامل وأحضرت جميع مستلزمات الزراعة من تربة وشتلات صغيرة وأسمدة بعد ما أخترت الزراعات والنباتات التي تلائم المكان مقسما مكان الشجيرات الصغيرة والكبيرة بما فيها الورود والزهور مختلفة الألوان منها باتت تنفث روائح جميلة عند النهار والليل، وهي في نظري تلائم المكان من حيث شكلها الصغير وهي الجاردينات وكذلك نباتات الدمدم ولم ألجأ للأشجار كبيرة الحجم في مقدمة المنزل حتى لا تطغي وتـأخذ حيزا وتحجب لمسات المنزل من الخارج، فلذلك زرعتها في الساحة الخلفية بالمنزل». من يتجول في البيت سيجد العريش و»الطوي»- البئر، ومستلزمات منزلية للغرف مصنوعة من جذوع أشجار السدر والنخيل الطبيعية، يقول عنها العنقودي: «قمت بحفر بعض الأشجار لزرع في أحشائها بعض الورود بحديقة المنزل معلقا بها عددا من القناديل القديمة لإضاءتها ليلا، ناهيك عن إضاءات الألوان التي باتت تتوزع في أرجاء الحديقة بعد ما زرعت وكسيت أرضية الحديقة بالحشيش، مع توزيع بعض الطاولات والكراسي كي تتحمل حرارة الشمس، وفي المساء والليل يمكن الجلوس عليها لشرب الشاي». ويضيف: «هذه الحالة الفريدة التي أعيشها، وهي تقديري للتراث مثلت لي حالة عالية من العشق لتراثنا بكل ما يختزنه من كنوز دفينة لآبائنا وأجدادنا الذين خلفوها، تاركين لنا أن نبحث عن مكامن التاريخ وكيفية المحافظة على هذا الموروث».

اقرأ أيضا